الإنتخابات الإسرائيلية.. نتنياهو أمام اختبار الأمن والهوية وأزمة المعيشة
تتجه الأنظار إلى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية وسط انقسامات داخلية وضغوط متراكمة تضع مستقبل الحكومة المقبلة أمام اختبارات معقدة، في وقت لا تزال فيه تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني.
وبين ارتفاع تكاليف المعيشة، والجدل بشأن إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، والتحولات التي طرأت على الاستراتيجية الأمنية، تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تقديم إجابات لقضايا تمس أمن الدولة وطبيعة المجتمع ومستوى معيشة المواطنين.
هجوم الـ7 من أكتوبر

وبدأ الإسرائيليون، اليوم الثلاثاء، التصويت في أول انتخابات عامة تُجرى منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وسط تداعيات الحروب المتواصلة والانقسامات بشأن هوية الدولة وعلاقتها بالدين، في استحقاق تبرز فيه تساؤلات بشأن محاسبة المسؤولين عن الإخفاقات الأمنية، وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية، والقدرة على احتواء الضغوط الاقتصادية، وفقًا لوكالة «فرانس برس».
وتتوزع أبرز الملفات المطروحة أمام الناخبين بين الأعباء الاقتصادية اليومية، ومستقبل العلاقة بين الدين والدولة، وتقييم أداء المؤسسة العسكرية، ومطالب التحقيق في الإخفاقات التي سبقت هجوم أكتوبر، بما يجعل هذه القضايا عوامل مؤثرة في النقاش السياسي بشأن المرحلة المقبلة.
غلاء المعيشة
يشكل الاقتصاد أحد أبرز مصادر القلق لدى الناخبين الإسرائيليين، فعلى الرغم من النمو الاقتصادي وتضاعف الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل أكثر من مرتين منذ عام 2000، إلى جانب بقاء معدل البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيًا، لا تزال تكاليف المعيشة من بين الأعلى عالميًا.
وتُعد إسرائيل من بين أغلى ثلاث دول من حيث تكلفة الاحتياجات الأساسية اليومية، ولا سيما الغذاء والسكن، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في حين يقل متوسط الأجور عن متوسط دول المنظمة، ما يزيد الضغوط المالية على الأسر.
ويربط خبراء الاقتصاد ارتفاع الأسعار بمجموعة من المشكلات الهيكلية المزمنة، من بينها نقص المساكن، والقيود التجارية، وضعف المنافسة في قطاعات رئيسية، وهي عوامل تسهم في زيادة تكاليف السلع والخدمات الأساسية.
وزادت الحروب من تعقيد الوضع الاقتصادي، إذ تضاعفت ميزانية الدفاع الإسرائيلية منذ عام 2023، ما فرض أعباء إضافية على المالية العامة، وأثار تحديات تتعلق بقدرة الحكومة المقبلة على الموازنة بين متطلبات الأمن والإنفاق على الاحتياجات الداخلية.
وبذلك، تبرز مواجهة الغلاء ومعالجة الاختلالات الاقتصادية باعتبارهما من الملفات المهمة أمام الحكومة المقبلة، في ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع النفقات العسكرية.
التجنيد الإجباري
لا يقتصر الجدل الداخلي في إسرائيل على القضايا الأمنية والاقتصادية، بل يمتد إلى طبيعة الدولة والعلاقة بين الدين والمؤسسات العامة، مع تصاعد الخلاف بشأن إعفاء اليهود الحريديم، المتشددين دينيًا، من الخدمة العسكرية.
وفي ظل النقص الذي يعانيه الجيش الإسرائيلي في عديده، أصبح ملف التجنيد من القضايا الرئيسية في التنافس السياسي. وتسعى الأحزاب الحريدية إلى الإبقاء على الإعفاءات التي تسمح لطلاب المعاهد الدينية بعدم أداء الخدمة العسكرية، وتحظى في ذلك بدعم حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب شركائه في الائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف.
في المقابل، تؤيد معظم أحزاب المعارضة إنهاء هذه الإعفاءات، وأعلنت رفضها المشاركة في أي حكومة تضم أحزابًا حريدية، ما يجعل القضية عاملًا مؤثرًا في حسابات تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل.
وامتد الخلاف إلى السياسات المرتبطة بالحياة العامة، إذ طرحت الحكومة المنتهية ولايتها، قبل أيام قليلة من حل الكنيست، إجراءات تشجع على الفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة.
ويرى مؤيدو هذه السياسات أنها تعزز الطابع اليهودي لإسرائيل، بينما يعتبر منتقدوها أنها توسع النفوذ الديني في الحياة العامة، ولا تعكس آراء غالبية السكان.
وهكذا، تحول ملف التجنيد إلى نقاش أوسع بشأن توزيع الأعباء العسكرية بين فئات المجتمع، وحدود تأثير الأحزاب الدينية في السياسات الحكومية، وطبيعة التوازن الذي ستتبناه القيادة المقبلة بين الاعتبارات الأمنية والدينية والاجتماعية.
الاستراتيجية الأمنية أمام اختبار تعدد الجبهات

على مدى عقود، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: التفوق الاستخباراتي، والردع، وخوض حروب قصيرة. لكن هجوم السابع من أكتوبر أحدث تحولًا في هذه المعادلة، مع دخول إسرائيل في حملات عسكرية طويلة الأمد وعلى جبهات متعددة.
ففي قطاع غزة، لا تزال إسرائيل تحتل أجزاء واسعة، بعد أكثر من عامين على بدء الحرب، ورغم إعلان وقف إطلاق نار لا يزال هشًا. وفي جنوب لبنان، تحتل أجزاء واسعة من الأراضي، عقب حربين متتاليتين خاضتهما ضد حزب الله على خلفية الحرب في غزة والمواجهة مع إيران.
كما تقدمت القوات الإسرائيلية إلى مناطق في سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد، وأعلنت إسرائيل نيتها البقاء فيها، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في الضفة الغربية المحتلة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال إسرائيل في حالة مواجهة مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، رغم عدم مشاركتها في العمليات القتالية منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل.
وأدى اتساع نطاق العمليات العسكرية إلى إثارة تساؤلات داخل إسرائيل بشأن قدرة الجيش على إبقاء قواته في حالة تعبئة على جبهات عدة في وقت واحد، ومدى قدرته على مواصلة العمليات الممتدة دون التأثير في جاهزيته.
ومنذ عام 2023، استُدعي عشرات الآلاف من جنود الاحتياط مرات عدة، ما فرض أعباء عائلية ومهنية كبيرة عليهم، بينما يواصل قادة عسكريون التحذير من نقص في عديد الجيش.
وفي هذا السياق، قال الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عوفر شيلاح: «انتقلنا من سياسة تقوم على الردع والازدهار في الفترات بين الحروب، إلى مجتمع يعيش في حالة حرب واستنفار دائمين».
وتضع هذه التطورات الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية أمام تساؤلات بشأن قدرتها على تحقيق أهدافها العسكرية، والحفاظ على جاهزية القوات، وتحديد حدود الانتشار العسكري، في ظل الأعباء التي تفرضها التعبئة المستمرة على المجتمع والاقتصاد.
إخفاقات 7 أكتوبر.. من يتحمل المسؤولية؟

لا تزال المطالب بإجراء تحقيق مستقل في الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023 حاضرة بقوة في المشهد السياسي الإسرائيلي، بعد أن تسبب الهجوم في صدمة عميقة تركت آثارًا مستمرة في المجتمع والحياة السياسية والوعي الجماعي.
ومنذ ثلاثة أعوام، يطالب العديد من الإسرائيليين بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة للنظر في أسباب الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بعدم منعه.
وتقول أحزاب المعارضة إن تشكيل اللجنة سيكون من أولوياتها إذا وصلت إلى السلطة، مستندة إلى سوابق تشكيل إسرائيل لجان تحقيق مماثلة عقب أزمات وطنية. في المقابل، ترفض حكومة نتنياهو هذا المقترح، وتحمل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق في منع الهجوم، وتقترح تشكيل لجنة تحقيق مشتركة يعيّن السياسيون أعضاءها.
ويرى زعيم المعارضة يائير لابيد أن الهدف من اللجنة التي تقترحها الحكومة هو «تبرئة (المسؤولين) ومنع إجراء تحقيق حقيقي في أكبر كارثة تعرض لها الشعب اليهودي منذ المحرقة».
ويعكس الخلاف بشأن تشكيل لجنة التحقيق مواجهة سياسية حول آليات المساءلة وحدود المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، كما يطرح تساؤلات بشأن مدى استقلالية التحقيق الذي سيحدد أسباب ما حدث، والجهات التي تتحمل المسؤولية عنه.
أربعة ملفات ترسم ملامح المرحلة المقبلة
تضع هذه القضايا الحكومة الإسرائيلية المقبلة أمام مجموعة من الاختبارات المتداخلة؛ فالمساءلة عن إخفاقات السابع من أكتوبر تتصل بالثقة في القيادة السياسية والأمنية، بينما يفرض تعدد الجبهات العسكرية مراجعة حسابات الانتشار والتعبئة.
وفي الداخل، يكشف الخلاف بشأن إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية عن انقسامات تتعلق بهوية الدولة وتوزيع الالتزامات بين فئات المجتمع، في حين تظل تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية من أبرز التحديات التي تواجه الأسر الإسرائيلية.
وتأتي الانتخابات في ظل هذه الملفات المتشابكة، لتضع أمام الناخبين خيارات تتجاوز المنافسة الحزبية إلى تحديد اتجاهات التعامل مع الأزمات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، ومستقبل السياسات الداخلية والخارجية لإسرائيل.





