رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

زيارة لافروف إلى طهران..هل تتحول أوكرانيا وإيران إلى ورقتين في صفقة؟

لافروف في طهران
لافروف في طهران

تأتي زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى طهران، اليوم الاثنين، في توقيت تتقاطع فيه مساعي موسكو للعب دور في إنهاء الحرب مع إيران مع تحركاتها لاستثمار التقارب مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف الحرب الأوكرانية. 

زيارة لافروف لطهران

الزيارة، وهي الأولى للافروف إلى إيران منذ اندلاع الحرب، لا تقتصر أهميتها على العلاقات الثنائية، بل تأتي بينما تحاول روسيا تقديم نفسها وسيطاً إقليمياً، في وقت تتبادل فيه واشنطن وموسكو إشارات بشأن تسويات محتملة لأكثر من أزمة دولية.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية بعد إعلان الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى ترامب، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وجهة نظر طهران بشأن تسوية محتملة للحرب.

كما أعلن بوتين استعداد بلاده لبذل ما في وسعها للمساعدة في إنهاء الصراع، وهو ما يضع التحرك الروسي في صلب المساعي الدبلوماسية المتعلقة بإيران. 

حوافز اقتصادية

وفي المقابل، قدمت واشنطن حوافز اقتصادية لموسكو، شملت اتفاقاً لتوريد الديزل وتخفيفاً مؤقتاً لبعض القيود المفروضة على صادرات الطاقة الروسية، في محاولة لإعادة الكرملين إلى مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا. ويثير تزامن المسارين سؤالاً محورياً: هل تسعى واشنطن وموسكو إلى بناء تفاهم أوسع تتداخل فيه ملفات أوكرانيا وإيران، أم أن ما يجري لا يتجاوز تحركات دبلوماسية متوازية تفرضها حسابات كل أزمة على حدة؟

ولا تتوافر أدلة معلنة تثبت وجود مقايضة مباشرة بين الملفين، أو اتفاق تتنازل بموجبه واشنطن عن مواقف في إيران مقابل تنازلات روسية في أوكرانيا. لكن التطورات الأخيرة تكشف تقاطعاً في المصالح، وتفتح المجال أمام تساؤلات بشأن إمكان توظيف كل ملف لتعزيز الموقف التفاوضي في الملف الآخر.

موسكو ودور في إنهاء الحرب

وصل لافروف إلى طهران قادماً من البحرين، بعد مشاركته في تحركات دبلوماسية خليجية، ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، لبحث التطورات الإقليمية والدولية وسبل احتواء التصعيد.

وتسعى موسكو من خلال الزيارة إلى تعزيز موقعها في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، وتقديم نفسها طرفاً قادراً على التواصل مع طهران وواشنطن في وقت تتعثر فيه المسارات الدبلوماسية. 

كما تشمل أجندة المحادثات تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران، إلى جانب ملفات الطاقة والنقل والتعاون الاقتصادي.

وتستند العلاقة بين البلدين إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة عام 2025، التي عززت التعاون بينهما في عدد من المجالات، وإن لم تتضمن التزاماً متبادلاً بالدفاع العسكري على غرار بعض الاتفاقيات الروسية مع حلفاء آخرين.

لكن قدرة موسكو على أداء دور الوسيط تظل مرتبطة بمدى قبول الأطراف المعنية بمقترحاتها، وبقدرتها على تقديم صيغة تسوية لا تُفسَّر باعتبارها محاولة لترجيح كفة طرف على حساب آخر. فروسيا ترتبط بشراكة وثيقة مع إيران، كما تحاول في الوقت نفسه تحسين علاقاتها مع إدارة ترامب، ما يضعها أمام معادلة دقيقة بين دعم حليفها الإقليمي والحفاظ على قنوات التفاوض مع واشنطن.

وتأتي هذه التحركات أيضاً وسط تصاعد التوترات في الخليج ومضيق هرمز، حيث يهدد استمرار الحرب حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، ويزيد الضغوط الاقتصادية على الأطراف المعنية. ومن ثم، فإن أي تسوية محتملة للصراع الإيراني الأميركي قد تحمل انعكاسات تتجاوز المنطقة، لتصل إلى حسابات موسكو الاقتصادية والاستراتيجية.

صفقة الديزل

على الجبهة الأوكرانية، تتحرك إدارة ترامب في اتجاه مختلف ظاهرياً، عبر تقديم حوافز اقتصادية لموسكو أملاً في دفعها إلى استئناف المفاوضات بشأن الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.

ووفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» عن مصادر مطلعة، أبلغ المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مسؤولين أوكرانيين بأن اتفاق توريد الديزل الروسي يندرج ضمن مساعي واشنطن لتليين موقف موسكو وإعادتها إلى طاولة المفاوضات، بعد تعثر الجهود السابقة للتوصل إلى تسوية.

وبحسب المصادر، أرادت واشنطن أن توصل إلى الكرملين رسالة مفادها أن الإدارة الأميركية مستعدة لإبرام تفاهمات اقتصادية معه، على أمل أن يقابل ذلك بخطوة في المسار السياسي. كما طُرحت فكرة وقف كييف استهداف المصافي الروسية، مقابل تقديم واشنطن الحافز الاقتصادي لموسكو وانتظار استجابة روسية مقابلة. 

وتثير هذه المقاربة جدلاً بشأن مدى فاعلية استخدام الحوافز الاقتصادية في تغيير حسابات الكرملين. فبينما تراهن الإدارة الأميركية على أن تخفيف القيود وفتح المجال أمام صادرات الطاقة الروسية قد يشجعان بوتين على تقديم تنازلات، يخشى منتقدون من أن تؤدي الخطوة إلى تعزيز الموارد المتاحة لموسكو من دون ضمان مقابل سياسي واضح.

وقد أثار الاتفاق انتقادات من مسؤولين أوكرانيين، إذ اعتبر الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن تخفيف القيود عن روسيا قد يشجعها على مواصلة الحرب، خصوصاً في ظل استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية. 

كما انتقدت أصوات سياسية أميركية الاتفاق، معتبرة أن تقديم تنازلات اقتصادية لموسكو قبل إحراز تقدم ملموس في التسوية قد يضعف الضغط عليها. 

وبذلك، لا تقتصر القضية على تجارة الديزل أو تخفيف بعض القيود، بل تتصل بطبيعة الاستراتيجية الأميركية في التفاوض مع روسيا: هل يمكن تحقيق اختراق دبلوماسي عبر تقديم حوافز تدريجية، أم أن هذه الحوافز قد تمنح موسكو مكاسب من دون أن تغير شروطها الأساسية لإنهاء الحرب؟

 قمة ترامب وشي

في مؤشر آخر إلى رغبة موسكو في استثمار التقارب مع واشنطن، أفادت تقارير صحفية في 19 أكتوبر بأن بوتين اقترح عقد قمة تجمعه بترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، لمناقشة تسوية للحرب في أوكرانيا.

ووفقاً لما أوردته «رويترز» نقلاً عن تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، طُرح المقترح خلال اتصال هاتفي بين بوتين وترامب في التاسع من أكتوبر، وهو الاتصال الذي شهد أيضاً التوصل إلى تفاهم بشأن توريد الديزل الروسي وتخفيف بعض القيود الأميركية على صادرات الطاقة.

وتُدرس إمكانية عقد اللقاء على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في مدينة شنتشن الصينية خلال نوفمبر المقبل، لكن الكرملين أكد أنه لا توجد حتى الآن ترتيبات نهائية أو أجندة واضحة، كما لم يعلن ترامب موافقته على المشاركة. 

ويثير المقترح قلق كييف، لأن أي نقاش بشأن مستقبل الحرب يجري بين القوى الكبرى من دون مشاركة أوكرانيا قد يُفسَّر باعتباره محاولة لاتخاذ قرارات تتعلق بمصيرها بعيداً عن حكومتها.

وقد انتقد مسؤولون أوكرانيون فكرة عقد محادثات لا تشارك فيها بلادهم، محذرين من أن استبعادها قد يعزز موقف موسكو التفاوضي.

ومن وجهة نظر الكرملين، قد تتيح القمة المقترحة توسيع نطاق التفاوض وإشراك الصين في أي تسوية محتملة، بما يمنح موسكو فرصة لمناقشة مستقبل الحرب ضمن إطار دولي أوسع. أما بالنسبة إلى واشنطن، فقد تمثل القمة المحتملة مساراً إضافياً لتحقيق هدف ترامب المعلن بإنهاء الحرب، وإن كان نجاحها يتوقف على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات بشأن القضايا الأساسية.

لكن مجرد طرح القمة لا يعني أن اتفاقاً قد اقترب، إذ لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة بشأن الأراضي الأوكرانية وشروط التسوية والضمانات الأمنية. كما أن غياب جدول أعمال متفق عليه يجعل من المبكر تحديد ما إذا كان المقترح سيؤدي إلى مفاوضات جدية أم سيظل جزءاً من الضغط الدبلوماسي المتبادل.

واشنطن وموسكو تتبادلان التنازلات

تزامن التحركات في الملفين يفتح الباب أمام فرضية أن موسكو وواشنطن قد تحاولان توظيف نفوذهما في كل أزمة للحصول على مكاسب في الأخرى. فروسيا تمتلك قنوات اتصال وثيقة مع طهران، وقد عرضت المساعدة في إنهاء الحرب، بينما تملك واشنطن أدوات اقتصادية وسياسية يمكن استخدامها للتأثير في حسابات موسكو بشأن أوكرانيا.

لكن هذا التقاطع لا يكفي وحده لإثبات وجود صفقة متكاملة. فحتى الآن، لا توجد معلومات معلنة تؤكد أن واشنطن وعدت بتغيير موقفها من الحرب مع إيران مقابل تنازل روسي في أوكرانيا، أو أن موسكو ربطت دورها في الوساطة الإقليمية بمكاسب محددة في ملف العقوبات أو التسوية الأوكرانية.

وقد تكون التحركات الروسية محاولة لتعزيز مكانة موسكو الدولية وإظهار قدرتها على التواصل مع أطراف متعارضة، في وقت تسعى فيه إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها. وفي المقابل، قد ترى واشنطن أن إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الكرملين يخدم جهودها لإنهاء الحرب الأوكرانية، حتى لو استلزم ذلك إجراءات اقتصادية مؤقتة مثيرة للجدل.

كما أن لكل ملف خصوصيته وتعقيداته. فالتسوية في أوكرانيا تتصل بالأراضي والسيادة والضمانات الأمنية وترتيبات ما بعد الحرب، بينما يرتبط إنهاء الصراع مع إيران بوقف العمليات العسكرية، وأمن الخليج ومضيق هرمز، والعقوبات، وشروط التفاهم بين طهران وواشنطن.

ومن ثم، فإن أي مقايضة محتملة ستواجه عقبات كبيرة، لأن التنازل في أحد الملفين قد تكون له كلفة سياسية واستراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة بمكاسب في الملف الآخر. كما أن أوكرانيا وإيران ليستا مجرد ورقتين في يد القوى الكبرى، بل طرفان لهما مصالحهما وحساباتهما وقدرتهما على قبول التسويات أو رفضها.

اختبار المصالح المتقاطعة

تضع زيارة لافروف إلى طهران والتحركات الأميركية الروسية الأخيرة الدبلوماسية الدولية أمام مشهد تتداخل فيه ملفات الحرب والطاقة والعقوبات والتنافس بين القوى الكبرى. وتبدو موسكو حريصة على توسيع دورها في جهود إنهاء الحرب مع إيران، بالتزامن مع سعيها إلى استثمار الانفتاح الأميركي في ملف أوكرانيا، بينما تحاول إدارة ترامب استخدام الحوافز الاقتصادية لاستئناف المفاوضات.

غير أن المسار الفعلي لهذه التحركات سيُقاس بما إذا كانت ستنتج خطوات متبادلة وملموسة، لا بمجرد التصريحات أو المقترحات. فنجاح الوساطة الروسية في إيران، أو التوصل إلى تفاهم بشأن أوكرانيا، لا يزال مرهوناً بتجاوز خلافات عميقة تتعلق بشروط إنهاء الحرب ومصالح الأطراف المعنية.

وبين احتمال تنسيق أوسع بين واشنطن وموسكو، واستمرار التعامل مع كل أزمة على حدة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول الحروب إلى مدخل لتفاهمات دولية متبادلة، أم أن تقاطع المصالح الراهن لن يتجاوز حدود المناورة الدبلوماسية؟ الإجابة ستتضح من طبيعة الاتفاقات التي قد تخرج من قنوات الاتصال الحالية، ومدى استعداد الطرفين لتحويل الحوافز والوساطات إلى تنازلات فعلية ومتبادلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء