رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السيسي في ماليزيا.. حكاية علاقة بدأت من رحاب الأزهر وتجاوزت حدود الجغرافيا

السيسي في ماليزيا
السيسي في ماليزيا اليوم

لا تُقاس العلاقات بين الدول بما توقعه الحكومات من اتفاقيات، ولا بما تسجله دفاتر التجارة من أرقام، فهناك روابط أعمق تتشكل عبر المعرفة والثقافة والتعليم، وتنتقل من جيل إلى آخر، لتمنح العلاقات السياسية والاقتصادية جذورًا أكثر رسوخًا.

 

ومن هذا المنظور، تبدو علاقات مصر وماليزيا نموذجًا يستحق القراءة خارج الإطار الدبلوماسي التقليدي، إذ تمتد من قاعات الدراسة في الأزهر الشريف إلى التعاون السياسي، ومن التبادل الثقافي إلى المصالح الاقتصادية، في علاقة تتجاوز المسافة الجغرافية بين القاهرة وكوالالمبور.

 

ومع زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ماليزيا، تتجدد أهمية النظر إلى هذه العلاقة بوصفها شراكة متعددة الأبعاد، لا تختزلها الملفات الرسمية وحدها، بل يشارك في بنائها الطلاب والعلماء والمؤسسات التعليمية والمثقفون، إلى جانب الحكومات ودوائر الأعمال.

الأزهر.. الجسر الذي يصل القاهرة بكوالالمبور

يمثل الأزهر الشريف أحد أبرز جسور التواصل بين مصر وماليزيا، فمنذ عقود، يقصد طلاب ماليزيون مصر للدراسة في مؤسساته التعليمية، ولا سيما الأزهر، طلبًا للعلم الشرعي واللغة العربية، في رحلة لا تقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل تتيح لهم التعرف عن قرب إلى المجتمع المصري وتاريخه وثقافته.

 

وتكتسب هذه الصلة أهميتها من طبيعتها الممتدة؛ فالطالب الماليزي الذي يعيش سنوات في مصر لا يعود إلى بلاده حاملًا شهادة علمية فحسب، بل يحمل أيضًا خبرات إنسانية وثقافية، وذكريات عن المجتمع الذي عاش فيه، وصلات مع أساتذته وزملائه، ومعرفة مباشرة باللغة العربية ومؤسساتها العلمية.

 

وهكذا، تتحول الدراسة إلى قناة للتواصل بين المجتمعين، وتصبح العلاقات بين الشعوب أكثر من مجرد بيانات رسمية تصدر في أعقاب الزيارات المتبادلة.

ولا يقتصر أثر هذا التواصل على الطلاب وحدهم؛ إذ يمكن للخريجين الذين يتولون لاحقًا أدوارًا تعليمية أو دينية أو ثقافية في ماليزيا أن يسهموا في استمرار الصلات مع المؤسسات المصرية، وأن يمثلوا حلقة وصل بين البيئتين العلمية والثقافية في البلدين.

ومن هنا، فإن أحد الأبعاد التي تستحق الاهتمام خلال زيارة السيسي هو كيفية تطوير التعاون التعليمي، وتعزيز المنح الدراسية، والتبادل الأكاديمي، والشراكات بين الجامعات، بما يواكب احتياجات الأجيال الجديدة.

من قاعات الدراسة إلى الحوار بين الثقافات

لا تنحصر قيمة العلاقات التعليمية في إعداد المتخصصين، وإنما تمتد إلى بناء معرفة متبادلة بين مجتمعين يختلفان في اللغة والتاريخ والتجربة الجغرافية، لكنهما يلتقيان في مساحات ثقافية ودينية وإنسانية متعددة.

 

فمصر، بما تمتلكه من مؤسسات تعليمية وثقافية عريقة، تمثل وجهة مهمة للطلاب الماليزيين الراغبين في دراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية.

 

وفي المقابل، تتيح ماليزيا لمصر نافذة للتعرف إلى تجربة آسيوية تجمع بين التنوع الثقافي والتطور الاقتصادي والتكنولوجي.

ويمكن لهذا التواصل أن يتسع عبر برامج لتبادل الطلاب والأساتذة، وزيارات الباحثين، وتعليم اللغة العربية، ودراسة اللغة الماليزية، وتنظيم المؤتمرات والفعاليات الثقافية المشتركة.

كما يمكن أن تمتد آفاقه إلى الإعلام وصناعة المحتوى، من خلال تعزيز معرفة الجمهور المصري بماليزيا، وتقديم صورة أكثر تنوعًا عن المجتمع الماليزي وتجربته، في مقابل التعريف بتاريخ مصر وثقافتها ومؤسساتها لدى الجمهور الماليزي.

ستة عقود من العلاقات.. السياسة تحمي المسار

تعود العلاقات الدبلوماسية بين مصر وماليزيا إلى عام 1959، وقد تطورت على مدى العقود لتشمل التعاون السياسي والتعليمي والثقافي والاقتصادي.

وشكلت زيارة رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إلى القاهرة في نوفمبر 2024 محطة مهمة في هذا المسار، إذ ناقش الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في مجالات متعددة، مع التطلع إلى الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

 

وتمنح زيارة السيسي إلى كوالالمبور فرصة لمواصلة هذا المسار، وتعزيز التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية، بما فيها القضية الفلسطينية، فضلًا عن بحث فرص تطوير العلاقات المؤسسية بين البلدين.

لكن القيمة السياسية لهذه العلاقات لا تنفصل عن الروابط المجتمعية والتعليمية؛ فكلما تعددت قنوات التواصل بين البلدين، أصبحت العلاقة أكثر قدرة على الاستمرار والتطور عبر تغير الحكومات والظروف الدولية.

فلسطين.. مساحة مشتركة في العلاقات

تحتل القضية الفلسطينية مكانة مهمة في العلاقات المصرية الماليزية، في ضوء المواقف المعلنة للبلدين بشأن الحقوق الفلسطينية وضرورة معالجة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

وتختلف أدوات التعامل مع القضية من بلد إلى آخر وفق موقعه الجغرافي ودوره السياسي، لكن التشاور بشأن التطورات الإقليمية يتيح للقاهرة وكوالالمبور مواصلة التنسيق في المحافل الدولية، ودعم الجهود الإنسانية، وبحث المسارات السياسية الممكنة.

ويمثل هذا الملف جانبًا مهمًا من العلاقات التي لا يمكن قياسها بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، إذ يرتبط بالدبلوماسية والتضامن الدولي والمواقف من القضايا الإنسانية.

الاقتصاد.. الوجه الآخر لشراكة متعددة الأبعاد

على الرغم من أهمية الروابط الثقافية والتعليمية، تظل المصالح الاقتصادية عنصرًا أساسيًا في تطوير العلاقات بين مصر وماليزيا، خصوصًا مع اتساع مجالات التعاون الممكنة في التجارة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

 

وتستطيع مصر الاستفادة من الخبرات الماليزية في بعض الصناعات المتقدمة والخدمات اللوجستية، فيما تتيح السوق المصرية وموقعها الجغرافي فرصًا للشركات الماليزية الراغبة في الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية.

 

لكن التحدي لا يكمن في زيادة التبادل التجاري وحدها، وإنما في بناء علاقات اقتصادية متبادلة المصالح، تتيح زيادة الصادرات المصرية، وتدعم الاستثمار والإنتاج ونقل المعرفة، وتخلق فرصًا للتعاون بين الشركات والمؤسسات في البلدين.

ومن الممكن أن تتكامل هذه الشراكة الاقتصادية مع التعاون التعليمي، عبر برامج تدريب وتأهيل تتصل باحتياجات سوق العمل، ومشروعات بحثية مشتركة، وشراكات بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج.

ما الذي يمكن أن تضيفه زيارة السيسي؟

تتيح الزيارة فرصة للنظر إلى العلاقات المصرية الماليزية بوصفها مشروعًا طويل الأمد، تتكامل فيه السياسة مع الاقتصاد، والتعليم مع الثقافة، والمصالح الحكومية مع التواصل بين الشعوب.

ومن بين المسارات التي تستحق المتابعة: تطوير المنح والتبادل الطلابي، وتعزيز التعاون بين الأزهر والمؤسسات التعليمية الماليزية، وتوسيع الشراكات الجامعية والبحثية، إلى جانب دعم الحوار الثقافي والإعلامي، وتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية.

وتظل هذه المسارات فرصًا يمكن البناء عليها، وليست نتائج تتحقق بمجرد انعقاد الزيارة؛ إذ يرتبط نجاحها بما يُتفق عليه من برامج محددة، وما يتوافر لتنفيذها من مؤسسات وتمويل وآليات متابعة.

العلاقة التي لا تختصرها الاتفاقيات

في نهاية المطاف، لا تتمثل أهمية العلاقات المصرية الماليزية في عدد الاتفاقيات التي توقعها الحكومات، ولا في حجم التبادل التجاري وحده، وإنما في قدرتها على الجمع بين المصالح المادية والروابط الإنسانية.

ففي الوقت الذي تتفاوض فيه الحكومات بشأن السياسة والتجارة والاستثمار، يواصل الطلاب الماليزيون الدراسة في مصر، وتتواصل المؤسسات التعليمية والثقافية، وتتكون عبر السنوات شبكة من الخبرات والصلات التي تمنح العلاقات بين البلدين امتدادًا يتجاوز اللحظة السياسية.

ومن هنا، فإن أحد أهم الأسئلة التي تطرحها زيارة السيسي إلى ماليزيا هو كيفية الانتقال من العلاقات القائمة إلى شراكة أكثر حضورًا في حياة المجتمعين، بحيث لا تظل ثمارها محصورة في الدوائر الرسمية، وإنما تمتد إلى الجامعات ومراكز البحث والثقافة والشباب وقطاعات الإنتاج.

فالعلاقة بين القاهرة وكوالالمبور لا تبدأ من طاولة المفاوضات ولا تنتهي عند توقيع الاتفاقيات؛ إنها علاقة تستطيع أن تجمع بين المعرفة والمصالح، وبين التاريخ والمستقبل، وبين طالب ماليزي يتعلم في القاهرة وشراكة تتطلع إلى آفاق أوسع في آسيا والعالم العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء