رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد سيطرة القوات اليمنية على باب المندب.. هل تعود الملاحة للبحر الأحمر؟

مضيق باب المندب
مضيق باب المندب

أعاد التقدم العسكري للقوات الحكومية اليمنية على مضيق باب المندب والذي يعتبر واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم إلى دائرة الاهتمام الدولي، بعدما أعلنت القوات المدعومة من السعودية إحراز تقدم واسع في مديرية ذوباب والسيطرة على مواقع استراتيجية قريبة من المضيق، وأسر عددا من العناصر الحوثية في المنطقة، وإعطاء مهلة للعناصر الأخرى من تسليم نفسها، في إطار عملية عسكرية تستهدف استعادة المناطق التي كانت قد تقدمت إليها جماعة الحوثي.

وبحسب مصادر عسكرية نقلت عنها «رويترز»، تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على أجزاء واسعة من مديرية ذوباب المطلة على باب المندب، في وقت تستمر فيه المواجهات على جبهات أخرى في جنوب غرب اليمن. 

ويأتي هذا التطور بعد أسابيع شهدت تقدمًا حوثيًا على الساحل الغربي واقتراب الجماعة من مناطق استراتيجية عند مدخل المضيق.

لكن السؤال الذي يتجاوز حدود المعركة اليمنية هو: هل يمكن لهذا التقدم أن يمهد فعلًا لعودة السفن التجارية إلى البحر الأحمر وقناة السويس، أم أن الطريق لا يزال طويلًا أمام شركات الملاحة؟

باب المندب.. بوابة قناة السويس إلى المحيط الهندي

تنبع أهمية باب المندب من موقعه الجغرافي، فهو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم يمثل البوابة الجنوبية لحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.

وتعني أي اضطرابات أمنية في المضيق أن السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا قد تضطر إلى تجنب البحر الأحمر وقناة السويس، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وهو مسار أطول بكثير ويزيد زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» إلى أن النقل البحري يحمل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، وأن الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر وقناة السويس أعادت تشكيل طرق الإبحار والجداول الزمنية لسلاسل الإمداد العالمية.

لماذا تراقب شركات الشحن تطورات باب المندب؟

بالنسبة لشركات الملاحة، لا يكفي أن تعلن قوة عسكرية السيطرة على منطقة قريبة من المضيق حتى تعود السفن إلى مسارها السابق.

فقرار شركات الشحن يعتمد على تقييم أوسع للمخاطر، يشمل احتمال تعرض السفن للصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الهجمات البحرية، إضافة إلى تكلفة التأمين وإمكانية توفير حماية بحرية فعالة ومستدامة.

وهذا تحديدًا ما يجعل التطور العسكري الأخير خطوة في اتجاه تحسين الظروف الأمنية، وليس دليلًا بمفرده على عودة الملاحة إلى طبيعتها.

وقد كشفت التجربة السابقة في البحر الأحمر أن شركات النقل يمكن أن تغير مساراتها بسرعة عندما ترتفع المخاطر الأمنية. وأدت هجمات الحوثيين خلال السنوات الماضية إلى تحويل جزء كبير من حركة السفن بعيدًا عن باب المندب وقناة السويس باتجاه رأس الرجاء الصالح.

هل بدأت مؤشرات العودة بالفعل؟

المشهد أكثر من مجرد «عودة» أو «غياب» للسفن، فبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تظهر أن حركة النفط عبر باب المندب ارتفعت خلال الربع الثاني من 2026 إلى متوسط 8.1 مليون برميل يوميًا، مقابل 5.4 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025. كما بلغت تدفقات النفط عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد نحو 5.8 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها.

لكن ارتفاع تدفقات النفط لا يعني بالضرورة أن حركة الحاويات والشحن التجاري عادت إلى مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر؛ إذ تختلف قرارات ناقلات النفط والغاز عن قرارات شركات الحاويات وشركات الشحن الأخرى، كما تختلف درجة المخاطرة من سفينة إلى أخرى.

وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة أن تدفقات النفط عبر باب المندب وقناة السويس شهدت تقلبات كبيرة خلال الفترة الماضية نتيجة الظروف الأمنية في المنطقة.

قناة السويس.. المستفيد المحتمل الأكبر

إذا أدى التطور العسكري في باب المندب إلى استقرار طويل الأمد، فإن قناة السويس ستكون من أبرز المستفيدين المحتملين، فالطريق البحري بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس أقصر بكثير من الطريق حول رأس الرجاء الصالح. وبالتالي فإن عودة شركات الملاحة إلى المسار الطبيعي تعني خفض المسافات وأوقات الرحلات وتكاليف الوقود والتشغيل.

وكانت اضطرابات البحر الأحمر قد أثرت بصورة كبيرة على حركة قناة السويس. ووفق بيانات مصرية رسمية، تراجع عدد السفن العابرة للقناة خلال 2024 إلى نحو 13.2 ألف سفينة، مقابل أكثر من 26.4 ألف سفينة في 2023، كما هبطت إيرادات القناة من نحو 10.25 مليار دولار إلى حوالي 3.99 مليار دولار.

ولهذا فإن عودة الاستقرار إلى باب المندب لا تعني فقط تحسنًا أمنيًا بالنسبة لمصر، وإنما قد تمثل عاملًا مهمًا في استعادة جزء من حركة التجارة التي اتجهت إلى طرق بديلة.

النفط أيضًا يراقب باب المندب

لا تقتصر أهمية المضيق على سفن الحاويات، فباب المندب يعد أحد الممرات المهمة لنقل النفط والمنتجات النفطية من منطقة الخليج والبحر الأحمر باتجاه أوروبا والأسواق الأخرى.

وتشير أحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر باب المندب بلغ 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، مقارنة بـ4.1 مليون برميل يوميًا خلال عام 2024 و4.2 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من 2025.

وهذا يوضح سبب حساسية أسواق الطاقة تجاه أمن المضيق، فكلما زادت المخاطر، ارتفعت احتمالات تغيير مسارات ناقلات النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين. أما إذا أصبح المرور آمنًا ومستقرًا، فإن جزءًا من هذه المخاطر يمكن أن يتراجع.

لكن ذلك لا يعني تلقائيًا انخفاض أسعار النفط، فالأسعار العالمية تتأثر في الوقت نفسه بمستويات الإنتاج والطلب والمخزونات والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى أمن مضائق أخرى، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

باب المندب وهرمز.. معادلة واحدة لأسواق الطاقة

تزداد حساسية الأسواق تجاه باب المندب لأن المنطقة شهدت خلال 2026 اضطرابات متزامنة في أكثر من ممر بحري استراتيجي.

وتشير إدارة معلومات الطاقة إلى أن مضيق هرمز وباب المندب يمثلان معًا ممرين حاسمين لحركة الطاقة من منطقة الشرق الأوسط. كما أن باب المندب يوفر أحد المسارات البديلة لنقل النفط السعودي إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن مضيق هرمز.

وبالتالي فإن تحسن الوضع الأمني في باب المندب يمكن أن يوفر قدرًا من المرونة أمام حركة النفط، خصوصًا في حال استمرار المخاطر في ممرات بحرية أخرى.

وفي المقابل، فإن تجدد الهجمات على السفن قد يعيد شركات النقل إلى سياسة تجنب البحر الأحمر، حتى إذا كانت القوات الحكومية قد حققت مكاسب عسكرية على الساحل اليمني.

هل تكفي السيطرة العسكرية لعودة السفن؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع: لا، ليس بمفردها، السيطرة على مواقع استراتيجية حول باب المندب يمكن أن تكون عنصرًا مهمًا في تحسين البيئة الأمنية، لكن شركات الشحن تحتاج إلى رؤية استقرار مستمر قبل اتخاذ قرار بالعودة الكاملة.

وهناك عدة مؤشرات ستراقبها الأسواق وشركات الملاحة خلال الفترة المقبلة:

- هل تستمر القوات الحكومية في الاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها؟
- هل تتوقف الهجمات على السفن التجارية؟
- هل تتراجع قدرة الحوثيين على استهداف الملاحة من الساحل اليمني؟
- هل تستمر القوات البحرية الدولية في توفير الحماية للسفن؟
- هل تنخفض تكاليف التأمين على السفن التي تعبر البحر الأحمر؟
- وهل تبدأ شركات الحاويات الكبرى في إعادة مساراتها إلى قناة السويس؟

هذه المؤشرات ستكون أكثر أهمية من الإعلان العسكري عن السيطرة على منطقة بعينها.

الأسواق لا تزال حذرة

وتكشف تحركات سوق النفط عن استمرار حساسية المستثمرين تجاه المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.

فوفق أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة، ارتفع متوسط سعر خام برنت إلى **91 دولارًا للبرميل في أغسطس 2026**، في ظل القيود التي طالت صادرات الشرق الأوسط واضطرابات الملاحة في المنطقة. كما أشارت الوكالة إلى أن الهجمات على صادرات النفط السعودية عبر باب المندب خفضت صادرات ميناء ينبع في أغسطس إلى نحو نصف مستويات يوليو، بينما اضطرت السعودية إلى زيادة شحنات النفط عبر قناة السويس، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة بالنسبة لبعض العملاء في آسيا.

وهذا يعكس أهمية باب المندب بالنسبة إلى أسواق الطاقة: أمن المضيق لا يتعلق فقط بحركة السفن، وإنما بتكلفة وصول النفط إلى المستهلكين أيضًا.

ماذا يعني ذلك لمصر والسعودية ودول البحر الأحمر؟

بالنسبة إلى مصر، فإن عودة الاستقرار إلى باب المندب قد تكون ذات أهمية اقتصادية مباشرة، لأنها قد تساعد على استعادة حركة السفن إلى قناة السويس ورفع الإيرادات المرتبطة بعبور السفن.

أما السعودية، فإن استقرار باب المندب يوفر حماية أكبر لأحد المسارات البحرية المهمة لصادراتها من الساحل الغربي، ويحد من مخاطر تعرض الموانئ وحركة ناقلات النفط للتهديد.

وبالنسبة إلى جيبوتي وإريتريا، فإن استقرار المضيق والبحر الأحمر يعني بيئة أكثر أمانًا لحركة التجارة والموانئ والخدمات البحرية.

لكن المكاسب المحتملة لهذه الدول تظل مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على تحويل التطور العسكري إلى **استقرار أمني مستدام**.

باب المندب أمام اختبار جديد

التقدم الذي أعلنته القوات الحكومية اليمنية في محيط باب المندب يمثل تطورًا مهمًا في معركة السيطرة على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وتؤكد التقارير أن القوات الحكومية تمكنت من السيطرة على مواقع واسعة في مديرية ذوباب القريبة من المضيق، في محاولة لعكس المكاسب الحوثية الأخيرة على الساحل الغربي.

لكن العودة الكاملة للسفن إلى قناة السويس لن تُحسم في ساحة المعركة وحدها.

فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد تثبيت السيطرة: هل يصبح باب المندب آمنًا بما يكفي لكي تغير شركات الشحن حساباتها؟ وهل تتراجع مخاطر الهجمات والتأمين؟ وهل يستمر الاستقرار لأسابيع وأشهر وليس لأيام فقط؟

إذا تحولت السيطرة العسكرية إلى أمن ملاحي مستدام، فقد تبدأ شركات النقل تدريجيًا في إعادة تقييم قرارها بشأن البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما قد يخفض تكاليف الشحن ويعزز حركة التجارة ويدعم إيرادات قناة السويس.

أما إذا استمرت المواجهات أو بقي خطر استهداف السفن قائمًا، فمن المرجح أن تظل الشركات حذرة، حتى مع السيطرة على المواقع الساحلية.

لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة للأسواق ليس: من يسيطر على باب المندب؟ وإنما: هل يستطيع هذا الطرف ضمان بقاء باب المندب مفتوحًا وآمنًا أمام السفن؟

وهنا تحديدًا ستتحدد إمكانية عودة قناة السويس إلى موقعها الطبيعي في قلب حركة التجارة بين الشرق والغرب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء