«كان مطلوبا ذكر إيران».. كيف تحولت سرقة بنزين بقاعدة فيرفورد لقضية إرهاب؟
منذ اللحظة الأولى لواقعة غامضة قرب قاعدة «RAF Fairford» البريطانية، بدا أن واشنطن وتل أبيب تريدان دفع الحادث في اتجاه واحد: إيران والإرهاب، حتى قبل أن تظهر حقيقة ما جرى على الأرض.
سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحديث عن مخطط إرهابي وتورط جهة أجنبية، بينما دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خط القضية متحدثًا عن معلومات استخباراتية إسرائيلية وتحذير بريطاني من هجوم إيراني محتمل.
وفي المقابل، كانت التحقيقات البريطانية لا تزال تبحث عن أدلة مادية، وسط عدم العثور على متفجرات وإطلاق سراح عدد من المشتبه بهم بكفالة، بينما ظهرت فرضيات أخرى تتحدث عن احتمال أن تكون القضية مرتبطة بمحاولة سرقة وقود.
وهكذا، تحولت واقعة لم تتضح ملابساتها بعد إلى عنوان لصراع سياسي واستخباراتي كبير، وكأن المطلوب كان العثور على «إيران» داخل القصة، حتى لو انتهت التحقيقات في النهاية إلى شيء أكثر بساطة بكثير: مجموعة أشخاص تحاول سرقة بعض البنزين.
من مخطط إرهابي لمكالمة طوارئ

بعيدًا عن قصة الطائرة والسباك، دعونا ننتقل إلى قصة أمنية بريطانية شديدة الغرابة، شارك في تفاصيلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولون بريطانيون وأمريكيون، إلى جانب الشرطة البريطانية ووحدات مكافحة الإرهاب، قبل أن تنتهي القصة بمفارقة لافتة تتعلق بمكالمة إلى رقم الطوارئ البريطاني.
بدأت القصة في الساعات الأولى من يوم 27 سبتمبر، عندما ألقت الشرطة البريطانية القبض على خمسة رجال في العشرينيات من أعمارهم بالقرب من قاعدة "فيرفورد" العسكرية في مقاطعة غلوسترشير جنوب غرب إنجلترا.
وكان الرجال يستقلون ثلاث مركبات بيضاء، ما دفع السلطات إلى التعامل مع الواقعة باعتبارها تهديدًا أمنيًا محتملًا، خاصة أن القاعدة تعد من أهم المنشآت الجوية الأمريكية في بريطانيا، وتستخدم لاستقبال القاذفات الاستراتيجية الأمريكية.
وعلى الفور، فرضت السلطات طوقًا أمنيًا واسعًا حول المنطقة، واستُدعيت وحدات متخصصة في التعامل مع المتفجرات، كما جرى إخلاء نحو 85 منزلًا كإجراء احترازي، وسط انتشار أمني مكثف.
وتكتسب قاعدة فيرفورد أهمية خاصة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ تتمتع بقدرات تمكنها من استقبال وتشغيل القاذفات الاستراتيجية الثقيلة، بينها قاذفات B-1 وB-52، ما جعل أي نشاط مشبوه في محيطها يحظى باهتمام أمني بالغ.
من حادث أمني محلي إلى قضية ذات أبعاد دولية.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث عن الواقعة، وأعرب عن اعتقاده بأن المشتبه بهم كانوا يعتزمون إلحاق أضرار كبيرة بالقاعدة، بينما تحدث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن وجود مؤشرات على تورط جهة أجنبية في القضية، في تصريحات ربطت الواقعة بالسياق الأوسع للصراع مع إيران.
وفي بريطانيا، قال رئيس الوزراء آندي بورنهام إن هناك مؤشرات قوية إلى احتمال وجود دور إيراني في الواقعة، لكنه شدد على أن التحقيق لا يزال مستمرًا وأن تفاصيله لا يمكن الكشف عنها في هذه المرحلة.
طهران تنفي صلتها بالحادث
وفي خضم هذه التطورات، دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خط القضية، إذ قال إن إسرائيل زودت بريطانيا بمعلومات استخباراتية تتعلق بتهديد إيراني محتمل، مشيرًا إلى أن المعلومات الإسرائيلية ساعدت في إحباط هجوم كان يمكن أن يؤدي إلى سقوط ضحايا.
لكن هذه التصريحات لم تكن مصحوبة بإعلان بريطاني رسمي عن تفاصيل المعلومات الاستخباراتية التي تحدث عنها نتنياهو، كما لم تعلن السلطات البريطانية أن التحقيق انتهى إلى إثبات قضائي بشأن الجهة التي تقف وراء الواقعة.
وفي الوقت الذي كانت فيه التكهنات السياسية والأمنية تتصاعد، كانت الشرطة البريطانية تواصل تفتيش المركبات الثلاث.
وهنا ظهرت إحدى المفاجآت.

فبعد عمليات التفتيش والفحص، لم تعثر السلطات على متفجرات داخل المركبات، رغم العثور على كمية من الوقود.
وأمام عدم العثور على متفجرات أو أدلة مادية تثبت تنفيذ هجوم، أُطلق سراح الرجال الخمسة بكفالة، مع استمرار التحقيق معهم.
وأثار قرار الإفراج انتقادات وتساؤلات، خصوصًا في ظل التصريحات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية السابقة عن احتمال وجود مخطط إرهابي مرتبط بجهة أجنبية.
لكن السلطات البريطانية أوضحت أن الإفراج عن المشتبه بهم لا يعني انتهاء التحقيق أو استبعاد الاشتباه فيهم، وإنما جاء في إطار الإجراءات القانونية والتحقيقية المتبعة.
ولم تنتهِ القضية عند هذا الحد.
فقد أعلنت السلطات البريطانية لاحقًا توقيف مشتبه بهم آخرين على صلة بالتحقيق، ليرتفع عدد الأشخاص الذين أوقفوا في إطار القضية إلى سبعة، بينما واصلت أجهزة مكافحة الإرهاب التحقيق في احتمال وجود صلة بجهة أجنبية.
وفي تطور آخر، اتخذت الولايات المتحدة إجراءً احترازيًا لافتًا تمثل في سحب قاذفات أمريكية من طراز B-1 من قاعدة فيرفورد، وسط تقارير تحدثت عن مخاوف من تهديد إيراني محتمل باستخدام طائرات مسيرة.
وبينما كانت القضية تتخذ طابعًا استخباراتيًا وعسكريًا متزايدًا، ظهرت معلومة أخرى أكثر غرابة.
فبحسب ما أوردته تقارير إعلامية بريطانية، لم تكن المكالمة الأولى التي وصلت إلى الشرطة بشأن المجموعة هي التي أجرتها امرأة من سكان المنطقة بعد أن شاهدت أشخاصًا مقنعين ومركبات بالقرب من القاعدة.
إذ تبين أن هناك مكالمة أخرى إلى رقم الطوارئ البريطاني 999 سبقت بلاغ المرأة بنحو ساعة، والمفارقة أن أحد الأشخاص الذين أُلقي القبض عليهم كان هو من أجرى تلك المكالمة.
وهنا بدأت التساؤلات: لماذا اتصل أحد المشتبه بهم بالشرطة قبل أن يتم الإبلاغ عن المجموعة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة رسمية نهائية تكشف سبب إجراء تلك المكالمة أو ما الذي كان يدور داخل المجموعة في ذلك الوقت.
وفي ظل غياب إجابة قاطعة، ظهرت عدة فرضيات بشأن سبب وجود الرجال الثلاثة أو الخمسة والمركبات في المنطقة.
ومن بين الفرضيات التي تناولتها بعض التقارير الإعلامية احتمال ارتباط الأمر بسرقة الوقود، خصوصًا أن المنطقة المحيطة بالقاعدة ريفية وتضم عددًا كبيرًا من المزارع والمنشآت الزراعية التي تستخدم خزانات وقود لتشغيل المعدات والجرارات.
وبحسب هذه الفرضية، ربما كانت المجموعة تستهدف الوقود، قبل أن تتعقد الأمور قرب القاعدة العسكرية.
لكن هذه الرواية لم تعلنها الشرطة باعتبارها حقيقة، ولم تثبت حتى الآن أن المشتبه بهم كانوا ينفذون عملية لسرقة الوقود.
المفارقة التي جعلت القضية مثار اهتمام واسع.
ففي الوقت الذي كانت فيه التصريحات السياسية تتحدث عن تهديد إرهابي، واحتمال تدخل دولة أجنبية، ودور إيراني محتمل، وتحذيرات استخباراتية، وتحركات للقاذفات الأمريكية، كانت الشرطة البريطانية تحقق في مجموعة من الأشخاص والمركبات في منطقة ريفية، فيما لا تزال طبيعة مهمتهم الحقيقية غير محسومة.
القصة إذن لم تنتهِ بعد إلى نتيجة تقول إن الواقعة كانت مجرد محاولة لسرقة الوقود، كما أنها لم تنتهِ كذلك إلى إثبات أن الرجال كانوا جزءًا من مخطط إيراني لاستهداف القاعدة.
المؤكد حتى الآن أن خمسة رجال أوقفوا بالقرب من قاعدة عسكرية أمريكية شديدة الحساسية، وأن السلطات فرضت طوقًا أمنيًا وأخلت عشرات المنازل، وأن المركبات خضعت للتفتيش دون العثور على متفجرات، وأن المشتبه بهم أُفرج عنهم بكفالة، ثم توسع التحقيق ليشمل مشتبه بهم آخرين.
كما أن مسؤولين أمريكيين وبريطانيين وإسرائيليين تحدثوا عن مؤشرات أو معلومات تتعلق بدور إيراني محتمل، في حين نفت طهران أي علاقة لها بالواقعة.
الجناة اتصلوا بالشرطة
أما أكثر تفاصيل القضية إثارة للدهشة، فهي أن أحد الأشخاص الذين أصبحوا لاحقًا محورًا للتحقيق كان قد اتصل بالشرطة بنفسه قبل وصول البلاغ الذي قاد إلى توقيف المجموعة.
وهكذا، تحولت ثلاث مركبات بيضاء ظهرت في محيط قاعدة عسكرية بريطانية إلى قضية دولية تداخلت فيها السياسة والاستخبارات ومكافحة الإرهاب والحرب الأمريكية الإيرانية.
وبينما انشغل السياسيون والمحللون بالبحث عن "الأصابع الأجنبية" والتهديدات الخفية، بقي السؤال الأهم بلا إجابة نهائية:
ماذا كان هؤلاء الأشخاص يفعلون بالفعل بالقرب من قاعدة فيرفورد، ولماذا اتصل أحدهم بالشرطة قبل أن تبلغ عنهم الشرطة نفسها؟
حتى انتهاء التحقيقات وإعلان نتائجها رسميًا، تبقى الإجابة مفتوحة، وتظل قصة فيرفورد واحدة من أكثر الوقائع الأمنية إثارة للجدل والغموض في بريطانيا خلال الفترة الأخيرة.





