بعد تهديد إيران باستهدافها..ما خسائر قطع كابلات الإنترنت في مضيق هرمز؟
أعادت التهديدات الإيرانية باستهداف كابلات الإنترنت البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية الرقمية في المنطقة، وحجم الاعتماد على هذه الشبكات في تشغيل الخدمات اليومية والأنشطة الاقتصادية والأنظمة المالية ومراكز البيانات.
ومع تزايد الاعتماد على الإنترنت في مختلف مناحي الحياة، من المعاملات المصرفية والتجارة الإلكترونية إلى الخدمات الحكومية والاتصالات، يثير احتمال تضرر هذه الكابلات تساؤلات بشأن مدى تأثيره على دول الخليج والمنطقة العربية، وما إذا كانت تداعياته ستتجاوز حدود الدول المطلة على المضيق لتصل إلى شبكات الاتصال العالمية.
وتبرز خطورة هذا السيناريو في أن الكابلات البحرية تحت مضيق هرمزلا تمثل مجرد وسيلة لنقل البيانات، بل تشكل أحد الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها البنية التحتية للاتصالات الدولية، رغم التوسع في استخدام خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية.
قطر تحذر من تداعيات تطال إيران وجيرانها

وفي هذا السياق، حذر مدير إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الخارجية القطرية، إبراهيم بن سلطان الهاشمي، من أن الأضرار المحتملة لقطع الكابلات البحرية لن تقتصر على طرف بعينه، بل ستمتد إلى إيران والدول المجاورة لها.
وجاءت هذه التحذيرات خلال الإحاطة الأسبوعية لوزارة الخارجية القطرية، في ظل المخاوف من أن يؤدي استهداف البنية التحتية للاتصالات إلى تداعيات تتجاوز الجانب التقني، لتؤثر في قطاعات اقتصادية وخدمية تعتمد بصورة متزايدة على الاتصال الرقمي.
وتعكس هذه المخاوف الطبيعة العابرة للحدود لشبكات الإنترنت، إذ لا تتوقف حركة البيانات عند حدود الدولة التي تستضيف الكابل أو تمر بالقرب منها، بل ترتبط بمسارات دولية تستخدمها شركات الاتصالات ومزودو الخدمات الرقمية في دول متعددة.
نحو 17 كابلًا بحريًا في المنطقة
يمر عبر مضيق هرمز نحو سبعة كابلات بحرية رئيسية، تواصل مساراتها داخل الخليج العربي باتجاه الكويت والعراق ودول أخرى في المنطقة، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
ولا تقتصر البنية التحتية المعرضة للمخاطر على الكابلات الموجودة في المضيق وحده، إذ تمتد شبكة الاتصالات البحرية إلى مناطق أخرى تشمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث تربط الكابلات بين دول الخليج ومناطق مختلفة من العالم.
وبحسب تقرير سابق نشره موقع «هاوس أوف سعود» الإخباري السعودي، يصل عدد الكابلات البحرية في المنطقة، بما يشمل الكابلات الممتدة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب، إلى نحو 17 كابلًا.
وتعني هذه الشبكة الواسعة أن أي اضطراب في أحد الممرات البحرية قد يفرض ضغوطًا على حركة البيانات، خصوصًا إذا تزامن مع أضرار في مسارات أخرى أو مع زيادة الطلب على الكابلات البديلة.
كما أن بعض الكابلات الممتدة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يقع خارج نطاق التأثير الإيراني المباشر، وفق التقرير، ما يجعل استهدافها مرتبطًا بعوامل أخرى، من بينها تطورات الصراع في اليمن واحتمالات تدخل جماعة الحوثيين أو جهات أخرى.
كيف يؤثر قطع الكابلات البحرية على الإنترنت؟
تعتمد حركة الإنترنت الدولية بدرجة كبيرة على الكابلات البحرية المصنوعة لنقل البيانات بين القارات والدول، وتتيح هذه الكابلات تبادل المعلومات وتشغيل مجموعة واسعة من الخدمات الرقمية التي يستخدمها الأفراد والشركات والمؤسسات الحكومية.
وفي حال تعرض عدد من الكابلات الرئيسية للقطع أو التلف، قد تواجه شبكات الاتصالات اضطرابات تتفاوت حدتها بحسب مواقع الأضرار وعدد الكابلات المتضررة وقدرة الشركات على تحويل حركة البيانات إلى مسارات بديلة.
ولا يعني قطع كابل واحد بالضرورة انقطاع الإنترنت بصورة كاملة عن دولة أو منطقة، إذ تعتمد النتيجة على تصميم الشبكة، ومدى توافر مسارات احتياطية، وحجم السعة المتاحة في الكابلات الأخرى.
لكن تضرر عدة كابلات في وقت واحد قد يؤدي إلى انخفاض سرعة الاتصال، وارتفاع زمن الاستجابة، وتراجع جودة الخدمات الرقمية، فضلًا عن احتمال حدوث انقطاعات محلية أو إقليمية إذا لم تتمكن الشبكات البديلة من استيعاب حركة البيانات.
مراكز البيانات والخدمات المالية أمام مخاطر التعطل
تتجاوز التداعيات المحتملة مجرد صعوبة تصفح المواقع أو استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، إذ تعتمد قطاعات اقتصادية رئيسية على تدفق مستمر للبيانات بين مراكز المعلومات والخوادم والمنشآت الموجودة في دول مختلفة.
ومن بين هذه القطاعات الخدمات المصرفية والمدفوعات الإلكترونية والتجارة الرقمية والخدمات السحابية، إضافة إلى المؤسسات التي تعتمد على نقل البيانات في الوقت الفعلي لتشغيل أنظمتها.
وقد يؤدي تضرر الكابلات إلى تأخر بعض المعاملات أو تراجع كفاءة الخدمات التي تتطلب اتصالًا دوليًا مستقرًا، كما يمكن أن تتأثر الشركات التي تستضيف بياناتها أو تشغل تطبيقاتها عبر مراكز بيانات خارج الدولة.
وتزداد أهمية هذه المخاطر مع توسع دول الخليج في الاستثمار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، وهي قطاعات تعتمد على بنية اتصالات قادرة على نقل كميات ضخمة من البيانات بسرعة واستقرار.
ومع ذلك، فإن حجم التأثير الفعلي سيتوقف على مدى اتساع الأضرار، وتوزيع مراكز البيانات، وقدرة الشركات على تشغيل أنظمتها عبر مسارات بديلة.
هل يمكن للإنترنت الفضائي تعويض الكابلات البحرية؟
رغم التوسع في خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، مثل «ستارلينك»، فإن هذه الخدمات لا تمثل بديلًا مكافئًا للكابلات البحرية من حيث القدرة الإجمالية على نقل البيانات.
وتوفر الأقمار الصناعية وسيلة اتصال مهمة، خصوصًا في المناطق النائية أو عند تعطل بعض شبكات الاتصالات الأرضية، لكنها تختلف عن الكابلات البحرية في السعة المتاحة وطبيعة الاستخدام والتكلفة والقدرة على استيعاب حركة البيانات الدولية الضخمة.
وتؤدي الكابلات البحرية دورًا أساسيًا في نقل كميات هائلة من البيانات بين القارات، ولذلك فإن الاعتماد على الإنترنت الفضائي وحده لن يكون كافيًا، في الظروف المعتادة، لتعويض فقدان عدد كبير من الكابلات الرئيسية التي تخدم المنطقة.
وفي المقابل، يمكن للمسارات الفضائية وغيرها من وسائل الاتصال البديلة أن تسهم في الحفاظ على بعض الخدمات الحيوية، لكن مدى قدرتها على تخفيف آثار أي انقطاع واسع سيعتمد على حجم الطلب والتجهيزات المتاحة.
هل يؤدي استهداف الكابلات إلى أزمة إقليمية؟
تكمن خطورة التهديدات المتعلقة بالكابلات البحرية في أن الأضرار المحتملة لا تتوقف عند الدولة التي تتعرض بنيتها التحتية للاستهداف، بل قد تمتد إلى دول أخرى تستخدم المسارات نفسها لتبادل البيانات.
فشبكات الإنترنت مترابطة، والكابل الواحد قد يخدم عددًا من الدول ومزودي الاتصالات، ما يجعل تعطل أحد المسارات مسألة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
وإذا تضررت عدة كابلات في الخليج العربي بالتزامن مع اضطرابات في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب، فقد تتقلص الخيارات المتاحة لتحويل حركة البيانات، الأمر الذي يزيد احتمالات حدوث اختناقات في الشبكات وارتفاع كلفة الاتصالات وإصلاح الأعطال.
كما أن إصلاح الكابلات البحرية يتطلب سفنًا متخصصة ومعدات فنية ووقتًا لتحديد موقع الضرر ومعالجته، وقد تصبح عمليات الإصلاح أكثر صعوبة في مناطق تشهد مواجهات عسكرية أو مخاطر أمنية.
وبالتالي، فإن استهداف الكابلات البحرية، إذا نُفذ على نطاق واسع، قد يحول البنية التحتية للاتصالات إلى إحدى ساحات التصعيد، مع تداعيات محتملة على الخدمات الرقمية والاقتصادات الإقليمية وحركة البيانات الدولية.





