رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رويترز: شبكة عسكرية إيرانية تعمل في الخفاء.. 5 آلاف كيان تلتف على العقوبات الأمريكية

تعبيرية مولدة بالذكاء
تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

كشف تحقيق أجرته وكالة «رويترز» عن وجود شبكة عسكرية ومالية إيرانية واسعة تعمل بصورة سرية، وتضم أكثر من 5 آلاف كيان، تتولى استيراد المعدات والمكونات والمتفجرات والشاحنات الثقيلة اللازمة لتطوير برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، في منظومة تمكنت من مواصلة إمداد طهران بالعتاد عبر البر والبحر والجو، حتى خلال الحرب، رغم العقوبات الغربية والقيود الأميركية على حركة التجارة البحرية.

وبحسب التحقيق المنشور في 29 أكتوبر 2026، استوردت هذه الشبكة معدات ومكونات عسكرية بقيمة لا تقل عن ملياري دولار منذ يناير 2025، مستفيدة من شبكة معقدة من الشركات والواجهات التجارية والكيانات المسجلة بأسماء مختلفة، بما أتاح لإيران تجاوز القيود المفروضة على مشترياتها العسكرية وتأمين احتياجات برامجها التسليحية.

وتحمل هذه الكيانات أسماء تبدأ بحروف «ودجا»، وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية، وتشكل معًا منظومة مالية وعسكرية مترابطة، يمكن تتبع معاملاتها عبر بوالص الشحن وسجلات الاستيراد والبيانات المالية التي يعود بعضها إلى عام 2016. كما يرتبط عدد من هذه الكيانات بالحرس الثوري الإيراني، وبمجموعات تجارية تعرف باسم «البُنياد»، وتخضع لسيطرة النخبة الإيرانية.

5 آلاف كيان في منظومة سرية

تسلط نتائج التحقيق الضوء على أحد الأسئلة التي برزت خلال الحرب، والمتعلق بكيفية تمكن الحرس الثوري الإيراني من مواصلة تعزيز ترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم استخدام هذه الأسلحة بكثافة وإطلاقها بالآلاف خلال المواجهات.

ووفقًا لما توصلت إليه «رويترز»، فإن الشبكة العسكرية السرية وفرت لإيران قنوات متعددة للحصول على المعدات والمواد الضرورية لتصنيع أسلحتها، مستفيدة من كيانات تجارية تعمل تحت مظلة وزارة الدفاع، وتستخدم أسماء وواجهات مختلفة لإخفاء طبيعة نشاطها الحقيقي.

وخلال الفترة الممتدة من يناير 2025 إلى يونيو 2026، التي تشمل الأشهر الأربعة الأولى من حرب هذا العام، استورد كيان واحد فقط من هذه المنظومة، يحمل اسم «ودجا 346428»، كميات كبيرة من وقود الصواريخ والمتفجرات ومكونات الأسلحة المستخدمة في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ.

ولم تقتصر واردات هذا الكيان على المواد الخام والمكونات العسكرية، بل شملت أيضًا شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها منصات لإطلاق الصواريخ، ووصلت هذه الشحنات إلى إيران عبر مسارات برية وبحرية وجوية، فيما أظهرت سجلات الاستيراد أن جزءًا كبيرًا من المعدات جاء من الصين وروسيا وألمانيا.

ويستند التحقيق إلى آلاف السجلات المصرفية والحكومية الإيرانية، ووثائق تسجيل الشركات، وبيانات الاستيراد والشحن، في محاولة لتتبع آليات عمل الشبكة وتحديد طبيعة الكيانات التي تشارك في عمليات شراء المعدات ونقلها إلى إيران.

عنوان واحد وتواريخ تأسيس مختلفة

وأظهرت مراجعة سجلات الشركات أن الكيانات السرية التابعة للشبكة تتخذ عنوانًا واحدًا في العاصمة طهران، وهو العنوان نفسه المسجل لوزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية.

كما تدرج هذه الجهات تاريخ 11 فبراير 1979 موعدًا لتأسيسها، وهو اليوم الذي تولى فيه آية الله روح الله الخميني السلطة في إيران عقب الإطاحة بنظام الشاه، غير أن السجلات التي اطلعت عليها الوكالة تشير إلى أن معظم هذه الكيانات تأسست فعليًا عام 2013.

وجاء تأسيس العدد الأكبر منها في وقت كانت فيه إيران تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة نتيجة العقوبات الدولية، التي أدت إلى تراجع صادراتها من النفط الخام وانهيار قيمة عملتها، وهو ما تزامن مع توسع منظومة الكيانات المستخدمة في إدارة المشتريات العسكرية والالتفاف على القيود التجارية.

وحددت «رويترز» هذه الكيانات للمرة الأولى بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» الإسرائيلية الأميركية المتخصصة في استشارات المخاطر، وخلصت إلى أنها تمثل العمود الفقري لمنظومة المشتريات العسكرية الإيرانية، وتؤدي دورًا محوريًا في مساعدة طهران على تفادي العقوبات المفروضة على تجارتها.

عائدات نفط لتمويل المشتريات

وتعتمد الشبكة، بحسب التحقيق، على مجموعة من الأشخاص الذين يعملون كواجهات تجارية، إلى جانب شركات صورية مسجلة في دول أجنبية، ويُعرف هؤلاء باسم «الأمناء»، ويتولون تنفيذ عمليات شراء السلع والمعدات لصالح الجمهورية الإسلامية، مع إخفاء الصلات المباشرة بين الموردين والجهات العسكرية الإيرانية المستفيدة.

وتستخدم هذه المنظومة عائدات مبيعات النفط غير المشروعة في تمويل عمليات شراء المعدات، بما يسمح بتوفير احتياجات المؤسسات العسكرية الإيرانية بعيدًا عن القنوات التجارية والمالية التقليدية الخاضعة للرقابة والعقوبات.

وأشار التحقيق إلى أن الشبكة لا تقتصر على تنفيذ عمليات الاستيراد لصالح جهات حكومية، بل يستفيد منها أيضًا قادة عسكريون كبار يشاركون في إدارة برامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

ومن بين المؤشرات التي توصلت إليها الوكالة في هذا السياق، ظهور أرقام هواتف مسجلة باسم 91 كيانًا من هذه المنظومة ضمن سجلات بنك «سبه» الحكومي الإيراني، المرتبطة بأفراد من الحرس الثوري لديهم حسابات لدى البنك.

وتضم قائمة هؤلاء الأفراد قائدين عسكريين على الأقل اتهمتهما الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات بحق محتجين مدنيين، وهو ما يضيف بُعدًا آخر إلى الصلات التي كشفها التحقيق بين الشبكة التجارية والمالية والمؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية.

لم تطلها قوائم العقوبات الغربية

ورغم خضوع الجيش الإيراني لعقوبات أمريكية متعددة منذ عقود، أشار تحقيق «رويترز» إلى أنها لم تعثر على أدلة تثبت إدراج أي من الكيانات الواردة في الوثائق التي راجعتها على قوائم العقوبات الغربية.

ويثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة منظومة المشتريات الإيرانية على العمل من خلال كيانات لا تظهر، وفقًا للسجلات التي فحصتها الوكالة، ضمن قوائم العقوبات، رغم ارتباطها بعمليات استيراد معدات ومواد يمكن استخدامها في تصنيع الأسلحة.

وفي تعليقه على نتائج التحقيق، قال مياد مالكي، المسؤول الكبير السابق في وزارة الخزانة الأميركية، الذي ساهم في وضع برنامج العقوبات الأميركية على إيران، إن ما كشفته الوثائق يمثل شريان الحياة العسكري للنظام الإيراني خلال الصراع ولسنوات طويلة سبقت اندلاعه.

وأضاف مالكي: «ما نراه هنا هو شريان الحياة العسكري للنظام خلال هذا الصراع ولسنوات عديدة قبله. هذه هي المنظومة المتكاملة بأكملها للأعمال التجارية للجيش الإيراني».

وكان مالكي واحدًا من أربعة خبراء متخصصين في العقوبات المفروضة على إيران والأسلحة، اطلعوا على نتائج تحقيق الوكالة، وأكدوا أن كثيرًا من المواد التي استوردتها الشبكة يمكن استخدامها في برامج إيران لتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة.

واردات تدعم ترسانة الصواريخ

وتشير نتائج التحقيق إلى أن شبكة الاستيراد وفرت لطهران كميات كبيرة من المواد الخام والمكونات التي تحتاجها لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي الأسلحة التي تستخدمها إيران في هجماتها على منشآت الطاقة في منطقة الخليج.

ووفقًا لما أوردته الوكالة، أسهمت هذه الترسانة في تنفيذ هجمات إيرانية متواصلة ودقيقة على منشآت الطاقة الخليجية، كما أتاحت للجمهورية الإسلامية الحد من تأثير العمليات العسكرية الأميركية عليها، من خلال الاحتفاظ بقدرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.

ويربط التحقيق بين هذه الشبكة ووسائل أخرى اعتمدت عليها إيران لمواجهة العقوبات وتأمين مصادر تمويل خارج القنوات الرسمية، إذ سبق أن كشفت تقارير أخرى لـ«رويترز» خلال العام الجاري عن استخدام طهران منصات لتداول العملات المشفرة وشبكات للمقامرة غير القانونية في الحصول على إيرادات غير مشروعة والالتفاف على القيود الاقتصادية.

كما تناولت تقارير الوكالة تعزيز الحرس الثوري الإيراني سيطرته على مضيق هرمز، إلى جانب ما وصفته بدخول الحرب مرحلة جديدة من القمع داخل إيران.

سجلات الاستيراد تكشف طبيعة الشحنات

وفي إطار تتبع حركة الواردات، راجعت «رويترز» عينة من نحو 19 ألف سجل استيراد، وقارنت البيانات الواردة فيها بوثائق الشحن، ومقاطع مصورة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقارير وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية.

وأظهرت هذه المراجعة أن جميع المواد التي استوردتها إيران تقريبًا كانت معفاة من الرسوم الجمركية، كما صُنفت بصورة محددة على أنها معدات عسكرية.

ومن بين الأدلة التي استند إليها التحقيق مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر فيه شاحنات من طراز «إيفيكو» داخل ساحة تابعة للجمارك الإيرانية، وقد كُتبت عليها أرقام باللغتين العربية والفارسية. وتطابقت هذه الأرقام مع أرقام تعريف المركبات الخاصة بشاحنات «إيفيكو» مستوردة من أوروبا، بما وفر مؤشرًا إضافيًا على وصول شحنات المركبات إلى الأراضي الإيرانية.

ومع ذلك، أشار الخبراء الذين راجعوا نتائج التحقيق إلى أن كثيرًا من المواد المستوردة، بما في ذلك بعض أنواع المتفجرات، يمكن تصنيفها ضمن السلع مزدوجة الاستخدام، أي التي يمكن توظيفها في أغراض عسكرية أو مدنية، وهو ما قد يتيح تمريرها عبر قنوات تجارية يصعب تصنيفها جميعًا باعتبارها واردات عسكرية خالصة.

غياب الرد الإيراني على نتائج التحقيق

وفي المقابل، لم ترد الجهات الحكومية والشركات الإيرانية التي تواصلت معها «رويترز» على طلبات الوكالة للحصول على تعليقات تفصيلية بشأن نتائج التحقيق، وشمل ذلك بعثة طهران لدى الأمم المتحدة في جنيف والرئاسة الإيرانية.

وبذلك، تكشف الوثائق التي استند إليها التحقيق عن منظومة واسعة للمشتريات العسكرية، تعتمد على آلاف الكيانات والواجهات التجارية وشركات خارجية، وتستخدم مسارات متعددة لنقل المعدات والمواد إلى إيران، في وقت تواصل فيه البلاد مواجهة العقوبات الغربية والقيود الأميركية المفروضة على تجارتها، بينما تسعى إلى الحفاظ على قدراتها في إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء