بعد اسكتلندا.. هل حان وقت دفن المومياوات المصرية؟.. 5 آراء تحسم الجدل| خاص
لم تعد المومياوات المصرية مجرد كنوز أثرية تقف خلف زجاج المتاحف، بعدما بدأت مؤسسات ثقافية حول العالم في إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع الرفات البشرية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى توافق عرض أجساد الموتى أمام الجمهور مع المعايير الأخلاقية الحديثة، ومخاوف تتعلق بكرامتهم وحقهم في الخصوصية.
وتأتي هذه المراجعات بالتزامن مع تحديث المجلس الدولي للمتاحف «ICOM» مدونة أخلاقياته، التي شددت على ضرورة صون «الكرامة المتأصلة» للرفات البشري، والتعامل معه بما يحترم قيمته الإنسانية وأهميته الثقافية والتاريخية.
وفي هذا السياق، قرر متحفان في مدينة غلاسكو الاسكتلندية إخفاء مومياوات مصرية عن أعين الزوار، في خطوة أعادت القضية إلى الواجهة، وفتحت بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل عرض المومياوات المصرية في المتاحف العالمية: هل ينبغي أن تظل جثامين المصريين القدماء معروضة أمام الجمهور باعتبارها جزءًا من التراث الإنساني، أم أن كرامة أصحابها تفرض إعادتها إلى توابيتها ومقابرها؟
العودة الأبدية
واكتسبت القضية زخمًا أكبر في مصر مع إعادة المؤرخ والباحث الأثري الدكتور بسام الشماع تدشين حملة «العودة الأبدية»، التي تطالب بوقف عرض الجثامين البشرية المصرية داخل المتاحف وإعادتها إلى توابيتها ومقابرها، انطلاقًا من احترام حرمة الموتى ومعتقدات المصري القديم، التي أولت طقوس الدفن والحفاظ على جسد المتوفى أهمية خاصة.
لكن الدعوة لا تحظى بإجماع المتخصصين؛ فهناك من يرى أن دفن المومياوات سيحرم الأجيال الحالية والمقبلة من مصادر علمية وتاريخية لا يمكن تعويضها، وأن الحل يكمن في تطوير طريقة العرض ووضع ضوابط أخلاقية تحمي كرامة أصحابها.
«إيجبتك» استطلعت آراء 5 متخصصين، بينهم علماء آثار وباحثون وأستاذ للشريعة الإسلامية، في محاولة للإجابة عن السؤال: هل عرض المومياوات إهانة لحرمة الموتى، أم وسيلة لحفظ التاريخ ودراسة الحضارة؟
بسام الشماع: لماذا نعرض جثامين أجدادنا؟
يرى المؤرخ والباحث الأثري الدكتور بسام الشماع أن عرض الجثامين البشرية داخل المتاحف يمثل انتقاصًا من كرامة أصحابها، مؤكدًا أن مرور آلاف السنين على وفاة الإنسان لا يسقط حقه في الخصوصية والاحترام.
وقال الشماع في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» إن اتجاه عدد من المتاحف العالمية إلى وقف عرض البقايا البشرية يمثل خطوة مهمة نحو احترام حرمة الموتى، مشيرًا إلى إعادة تدشين حملته «العودة إلى الأبدية» عام 2026 للمطالبة بوقف عرض الجثامين المصرية القديمة وإعادتها إلى توابيتها ومقابرها.
وأوضح أن حملته التي أطلقها عام 2006 تستند إلى ضرورة احترام معتقدات المصري القديم المتعلقة بقدسية الجثمان والمقبرة، مشيرًا إلى أن النصوص المصرية القديمة تضمنت تحذيرات من انتهاك حرمة المقابر والعبث بمحتوياتها الجنائزية.
وانتقد الشماع عرض الجثامين داخل الفاترين الزجاجية أمام الجمهور، متسائلًا عن رد فعل أي شخص إذا وُضع جثمان أحد والديه أو أجداده داخل فاترينة زجاجية وأصبح متاحًا للمشاهدة مقابل رسوم.
كما أشار إلى اتجاه بعض المتاحف والمتخصصين إلى استخدام مصطلح «البقايا البشرية» بدلًا من «المومياء»، معتبرًا أن هذا التحول يعكس رؤية مختلفة للجثمان باعتباره بقايا إنسان وليس مجرد قطعة أثرية.

حسام زيدان: الجثامين ليست فرجة سياحية
ويتفق الباحث الأثري حسام زيدان مع الدعوة إلى وقف عرض الجثامين أمام الجمهور، لكنه يطرح بدائل متحفية تسمح بالحفاظ على القيمة العلمية والتاريخية للمومياوات دون عرض أجساد أصحابها.
وقال زيدان لـ«إيجبتك» إن القضية لا تتعلق فقط بمنع عرض المومياوات، وإنما أيضًا بالمصطلحات المستخدمة في وصفها، مفضلًا استخدام تعبيرات مثل «الجثمان» و«الرفات البشرية» و«البقايا البشرية».
وتساءل عن الفائدة من عرض جثامين الملوك المصريين القدماء أمام الجمهور، مؤكدًا أن شخصيات مثل الملكة تي والملك رمسيس الثاني والملك سقنن رع تستحق أن تُعامل رفاتها بما يحفظ كرامتها وحرمة أجساد أصحابها.
ويرى زيدان أن احترام الموتى قيمة إنسانية لا تتغير بمرور الزمن، مستشهدًا بشخصيات تاريخية أقرب زمنيًا، ومتسائلًا عما إذا كان من المقبول عرض جثمان شخصية مثل صلاح الدين الأيوبي أو الرئيس جمال عبد الناصر أمام الجمهور.
ويطرح الباحث الأثري بديلًا يقوم على إبقاء الجثامين داخل توابيتها المغلقة، مع استخدام الصور والمواد المرئية والشاشات التفاعلية لشرح تاريخها ونتائج الدراسات التي أجريت عليها.
وأكد أن وقف عرض الجثامين لا يعني وقف دراستها، مشيرًا إلى أن تجربة الملك توت عنخ آمون تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه، حيث يوجد الجثمان داخل مقبرته، بينما تعرض مقتنياته الأثرية ويقدم للزائر تاريخ الملك وقصة اكتشاف مقبرته.

مجدي شاكر: المومياء سجل تاريخي لا مجرد جسد
على الجانب الآخر، يرفض مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة الآثار، فكرة دفن المومياوات، مؤكدًا أن عرضها لأغراض علمية وتاريخية وبحثية لا يمثل إهانة لأصحابها، طالما يتم وفق ضوابط تحافظ على كرامتهم.
وقال شاكر لـ«إيجبتك» إن تغطية الأجزاء التي لا ينبغي إظهارها تمثل خطوة مهمة، مشيرًا إلى اتباع هذا النهج في المتحف المصري والمتحف القومي للحضارة المصرية.
وأوضح أن المومياوات تمثل مصادر مهمة لدراسة علوم التحنيط والكيمياء والطب والتاريخ، فضلًا عن إمكانية التعرف على الأمراض التي عانى منها المصريون القدماء، وأعمارهم التقريبية عند الوفاة وبعض خصائصهم الجسدية.
كما أن فحص المومياوات والمواد المستخدمة في التحنيط يمكن أن يكشف الكثير عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمصريين القدماء، واختلاف طرق التحنيط بحسب المكانة الاجتماعية والقدرة الاقتصادية.
ويرى شاكر أن دفن المومياوات سيحرم الباحثين من فرص مهمة لمواصلة الدراسات العلمية، مؤكدًا أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى اختيار بين العلم واحترام الموتى، وإنما إلى إيجاد طريقة تحقق الأمرين معًا.

حسين عبد البصير: المومياوات جزء من ذاكرة مصر
وفي الاتجاه نفسه، يرى الدكتور حسين عبد البصير، مدير متاحف مكتبة الإسكندرية، أن المومياوات المصرية ليست مجرد أجساد محفوظة، وإنما تمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر وهويتها وذاكرتها الحضارية.
وقال عبد البصير لـ«إيجبتك» إن المومياوات تحمل معلومات لا تقدر بثمن عن حياة المصريين القدماء وصحتهم وأمراضهم وأنماط غذائهم وطرق علاجهم وعلوم التحنيط ومعتقداتهم الدينية.
وأوضح أن القضية لا ينبغي أن توضع في إطار الاختيار بين احترام الموتى ورفض العلم، وإنما في التمييز بين الدراسة العلمية المسؤولة والإساءة المتعمدة.
ويرى عبد البصير أن عرض المومياوات لا يمثل بالضرورة انتهاكًا لحرمة أصحابها، طالما يتم وفق معايير علمية وأخلاقية واضحة، مؤكدًا ضرورة ألا تتحول الجثامين إلى مادة للاستعراض أو الإثارة التجارية.
وشدد على أهمية دراسة المومياوات وعرضها لأغراض التعليم والتوعية الحضارية، مع الالتزام بالقوانين المنظمة لحماية الآثار ومراعاة اختصاصات الجهات المصرية المعنية.

الشيخ أحمد كريمة: عرض الأجساد البشرية لا يجوز شرعًا
أما من الناحية الشرعية، فيرى الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة، أن عرض الأجساد البشرية في المتاحف والمعارض لا يجوز شرعًا، بصرف النظر عن الفترة التاريخية التي تنتمي إليها.
وقال كريمة لـ«إيجبتك» إن الشريعة الإسلامية وضعت أحكامًا للتعامل مع الإنسان بعد وفاته، مستشهدًا بقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، وقوله سبحانه: «ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ».. كما استشهد بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسره حيًا»، مؤكدًا أن حرمة الجسد البشري لا تنتهي بالموت.
وشدد كريمة على أن مرور آلاف السنين على وفاة أصحاب المومياوات لا يلغي حقهم في الاحترام، رافضًا تحويل جثامين الموتى إلى معروضات يشاهدها الجمهور، وفي الوقت نفسه، فرق بين الجثامين والآثار التاريخية الأخرى، موضحًا أن موقفه يتعلق بالأجساد والرفات البشرية تحديدًا، ولا يشمل الآثار الحجرية أو المعدنية.

العلم في مواجهة حرمة الموتى
تكشف آراء المتخصصين أن القضية لا تدور حول أهمية الحضارة المصرية أو ضرورة دراسة تاريخها، فالجميع يتفق على قيمة المومياوات كمصدر للمعلومات التاريخية والعلمية، لكن الخلاف يتمحور حول سؤال أكثر حساسية: هل تبرر القيمة العلمية عرض الجثمان نفسه أمام الجمهور؟
فبسام الشماع وحسام زيدان يريان أن احترام الموتى يجب أن يتقدم على العرض الجماهيري، مع إمكانية الاستفادة من الصور والتقنيات الحديثة والتوابيت المغلقة والمواد التوثيقية.
في المقابل، يؤكد مجدي شاكر وحسين عبد البصير أن المومياوات تحمل معلومات علمية وتاريخية لا يمكن الاستغناء عنها، وأن عرضها لا يمثل إهانة في حد ذاته إذا خضع لضوابط أخلاقية تحفظ كرامة أصحابها.
أما الرؤية الشرعية التي طرحها أحمد كريمة، فتضع حرمة الجسد البشري بعد الوفاة في مقدمة الاعتبارات، وترفض عرض الأجساد البشرية أمام الجمهور.
هل يمكن إيجاد حل وسط؟
ربما لا يكون الخلاف الحقيقي حول دراسة المومياوات، وإنما حول الطريقة التي ينبغي أن تتم بها هذه الدراسة وعرض نتائجها، فوقف العرض لا يعني بالضرورة وقف البحث العلمي، كما أن استمرار الدراسات لا يعني بالضرورة إبقاء الجثامين مكشوفة أمام الجمهور.
ومن هنا يمكن أن تطرح المتاحف بدائل تجمع بين المعرفة والاحترام، مثل إبقاء الجثامين داخل توابيتها، واستخدام الصور والمواد الوثائقية والنماذج الرقمية وتقنيات الواقع الافتراضي والشاشات التفاعلية لشرح تاريخها ونتائج الدراسات العلمية التي أجريت عليها، لكن مع تصاعد النقاش الدولي حول أخلاقيات عرض الرفات البشرية، وبدء بعض المؤسسات في إعادة النظر في طريقة تقديمها للجمهور، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تدخل المومياوات المصرية عصرًا جديدًا تصبح فيه كرامة الجثمان جزءًا أساسيًا من قرار عرضه؟ وهل يمكن أن تمتد هذه المراجعة مستقبلًا إلى المطالبة بإعادة المومياوات المصرية الموجودة خارج البلاد إلى موطنها؟
القضية لم تعد مجرد خلاف بين من يريد عرض المومياوات ومن يريد دفنها، وإنما أصبحت نقاشًا أوسع حول الحدود الفاصلة بين حفظ التاريخ واحترام الإنسان، وبين حق الأجيال في المعرفة وحق الموتى في الكرامة.









