8 رصاصات في مواجهة عبد الناصر.. القصة الكاملة لمحاولة اغتياله
تحل اليوم الاثنين، 26 أكتوبر، ذكرى حادث المنشية الذي وقع بمدينة الإسكندرية عام 1954، خلال إلقاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خطابًا جماهيريًا بمناسبة اتفاقية الجلاء مع القوات البريطانية، في واقعة شكلت محطة مهمة في تاريخ مصر السياسي، وأثارت جدلًا واسعًا حول تداعياتها على العلاقة بين نظام ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين.
رصاصات في ميدان المنشية
في مساء 26 أكتوبر عام 1954، احتشد الآلاف في ميدان المنشية بالإسكندرية للاستماع إلى خطاب جمال عبد الناصر، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، عقب توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في 19 أكتوبر من العام نفسه.
وصعد عبد الناصر إلى المنصة الرئيسية، بحضور عدد من قيادات الثورة والمسؤولين، من بينهم صلاح سالم وعبد الحكيم عامر وحسن إبراهيم، إلى جانب شخصيات أخرى.
وبينما كان عبد الناصر يلقي خطابه، دوّت أصوات طلقات الرصاص، وسادت حالة من الاضطراب بين الحاضرين، بعدما أُطلقت ثماني رصاصات في اتجاهه، في محاولة اغتيال نجا منها دون إصابة.
دمي فداء لمصر
في لحظة اتسمت بالتوتر، واصل عبد الناصر حديثه عبر الميكروفون، داعيًا الجماهير إلى الثبات وعدم مغادرة أماكنهم، ومرددًا عبارات أكد فيها استعداده للتضحية من أجل مصر.
وقال في خطابه: «حياتي فداء لمصر، دمي فداء لمصر»، قبل أن يؤكد أن مستقبل البلاد لا يتوقف على حياة شخص واحد، مضيفًا: «فلن تكون حياة مصر معلقة بحياة عبد الناصر، إنها معلقة بكم أنتم وبشجاعتكم وكفاحكم».
وأثارت كلماته تفاعلًا واسعًا بين الحاضرين، وتعالت الهتافات المؤيدة له في الميدان، بينما تابع المستمعون عبر الإذاعة تفاصيل الواقعة والخطاب الذي ألقاه عقب محاولة اغتياله.
محمود عبد اللطيف في دائرة الاتهام
عقب الحادث، بدأت السلطات التحقيق في محاولة الاغتيال، وأُلقي القبض على عدد من المتهمين، من بينهم محمود عبد اللطيف، الذي اتُّهم بإطلاق الرصاص على عبد الناصر، إلى جانب هنداوي دوير، المحامي الذي ورد اسمه في القضية.
واتهمت السلطات آنذاك عناصر من جماعة الإخوان المسلمين بالتورط في التخطيط لمحاولة الاغتيال، فيما نفت الجماعة مسؤوليتها عن الحادث، ووصفت بعض رواياتها الواقعة بأنها مدبرة لتصفية الخصوم السياسيين.
وأُحيل المتهمون إلى محكمة الشعب، التي شُكلت عقب الحادث برئاسة جمال سالم، وعضوية أنور السادات وحسين الشافعي، وأصدرت أحكامًا تراوحت بين الإعدام والسجن، قبل تخفيف بعض الأحكام.
لم تتوقف آثار حادث المنشية عند محاولة الاغتيال نفسها، بل امتدت إلى المشهد السياسي المصري، إذ أعقبت الواقعة حملة واسعة ضد جماعة الإخوان المسلمين، شملت اعتقالات ومحاكمات، كما تصاعد الخلاف بين قيادة الثورة والجماعة.
وفي سياق التطورات السياسية التي شهدتها البلاد، عُزل الرئيس محمد نجيب من منصبه في نوفمبر 1954، وسط صراع على السلطة داخل النظام الجديد، وتباين في المواقف بشأن مستقبل الحكم والعلاقة بالقوى السياسية.
ويرى عدد من المؤرخين أن حادث المنشية مثّل نقطة تحول في مسار جمال عبد الناصر السياسي، إذ ساهمت طريقة تعامله مع الواقعة وخطابه أمام الجماهير في تعزيز صورته لدى قطاعات من المصريين، بينما ظل الحادث موضع نقاش بشأن ظروفه وملابساته وآثاره السياسية.
بيرم التونسي يغني لنجاة عبد الناصر
وفي أعقاب الحادث، كتب الشاعر بيرم التونسي قصيدة بعنوان «دولة الإخوانجية»، تخيل فيها شكل مصر إذا وصلت الجماعة إلى الحكم، في تعبير عن موقفه من الصراع السياسي الذي أعقب محاولة الاغتيال.
كما ارتبطت ذكرى نجاة عبد الناصر بأغنية «يا جمال يا مثال الوطنية»، التي غنتها أم كلثوم من كلمات بيرم التونسي وألحان رياض السنباطي، وجاءت احتفاءً بنجاته، وعكست أجواء التعبئة الوطنية التي صاحبت الواقعة في ذلك الوقت.
حادث المنشية في الذاكرة المصرية
بعد مرور عقود على الحادث، لا تزال واقعة المنشية واحدة من المحطات البارزة في تاريخ مصر الحديث، لما ترتب عليها من تحولات سياسية وأمنية، وما أثارته من نقاش حول علاقة السلطة بالقوى السياسية، ودور الخطاب الجماهيري والإعلام في تشكيل الرأي العام.
وبينما رسخت الواقعة صورة عبد الناصر بوصفه قائدًا نجا من محاولة اغتيال أمام الجماهير، فإن تداعياتها فتحت فصلًا جديدًا من الصراع السياسي في مصر، امتدت آثاره إلى السنوات التالية، وظلت حاضرة في قراءات المؤرخين لتاريخ ثورة يوليو.





