كيف غادر حسن باشا الجزايرلي مصر وبدأ صعود محمد علي؟
في مثل هذا اليوم من عام 1787، غادر القائد العثماني حسن باشا الجزايرلي مصر، بعد فشله في القضاء على المماليك وإنهاء حالة العصيان التي شهدتها البلاد، لتدخل مصر مرحلة جديدة من الاضطرابات والصراعات السياسية والعسكرية، انتهت بعد سنوات بصعود محمد علي باشا وتوليه حكم مصر.
رجل عثماني
كان حسن باشا الجزايرلي، المعروف باسم الصدر الأعظم غازي حسن محمد باشا بن المختار جزايرلي بلابيك أبو شنب، من أبرز رجال السياسة والجيش في الدولة العثمانية، وارتبط اسمه بالعديد من الأحداث العسكرية والسياسية خلال القرن الثامن عشر.
ولد حسن باشا عام 1713، وترجع أصوله إلى منطقة القوقاز، وتحديدًا جورجيا، حيث أُسر خلال طفولته بالقرب من الحدود الإيرانية التركية، ثم بيع عبدًا في مدينة رودوستو، المعروفة حاليًا باسم تيكيرداغ، إلى تاجر يُدعى حجي أوصمان أغا، ونشأ مع أبناء التاجر.
من التجارة للجيش
بعد اندلاع الحرب النمساوية العثمانية، ترك حسن باشا العمل في التجارة مع سيده وانضم إلى الجيش العثماني، وبرز خلال مشاركته في معركة بلجراد، وبعد عودته تزوج ابنة التاجر الذي كان قد أعتقه.
وانتقل لاحقًا إلى الجزائر بعد استيلائه على سفينة تجارية، وانضم إلى البحرية، ليواصل صعوده داخل المؤسسة العسكرية العثمانية، حتى أصبح من الشخصيات البارزة في الدولة.
مهمة في مصر
وفي عام 1786، أرسل حسن باشا الجزايرلي إلى الإسكندرية في مهمة تهدف إلى وقف العصيان الذي اندلع في مصر، في وقت كانت البلاد تشهد اضطرابات وصراعًا على النفوذ بين القوى الموجودة فيها، وفي مقدمتها المماليك.
لكن مهمته لم تحقق الهدف الذي أُرسل من أجله، فعاد إلى إسطنبول عام 1787، وانتشرت أخبار عن تعرضه للفشل بسبب عجزه وكبر سنه، الأمر الذي دفع السلطان سليم الثالث إلى عزله، قبل أن يتراجع لاحقًا عن هذا القرار.
دولة المماليك
جاءت مهمة حسن باشا في مصر في ظل تاريخ طويل من سيطرة المماليك على البلاد، إذ امتدت فترة حكمهم من عام 1250 حتى عام 1517، وانقسمت إلى دولتين رئيسيتين.
بدأت المرحلة الأولى عام 1250 بقيام دولة المماليك البحرية، التي أسسها عز الدين أيبك، واستمرت حتى عام 1382. ثم بدأت المرحلة الثانية، وهي دولة المماليك البرجية أو الجراكسة، التي ارتبط تأسيسها بالظاهر برقوق، واستمرت حتى سقوط دولة المماليك وانتقال الحكم في مصر إلى العثمانيين عام 1517.
وعرفت دولة المماليك بتعدد السلاطين وقصر فترات حكم عدد كبير منهم، فعلى مدار نحو 144 عامًا من حكم المماليك البحرية، تولى الحكم 29 سلطانًا، ولم يتجاوز متوسط مدة حكم السلطان في كثير من الحالات خمس سنوات، بينما حكم بعض السلاطين عامًا أو عامين فقط.
صراعات وانقلابات
وشهدت دولة المماليك كذلك العديد من الانقلابات والاضطرابات العسكرية، إذ كان الصراع على السلطة وسيلة أساسية لتغيير الحكام، وتشير الروايات التاريخية إلى مقتل 10 من سلاطين المماليك البحرية، بينما خُلع 12 سلطانًا منهم.
وكانت هذه الاضطرابات جزءًا من المشهد السياسي والعسكري الذي جعل مصر ساحة لصراعات متكررة على النفوذ، سواء بين المماليك أنفسهم أو بينهم وبين السلطة العثمانية، وهو السياق الذي جاءت فيه مهمة حسن باشا الجزايرلي في أواخر القرن الثامن عشر.
بداية مرحلة جديدة
ومع مغادرة حسن باشا الجزايرلي مصر عام 1787، لم تنته الاضطرابات التي كانت تعاني منها البلاد، إذ استمرت المنافسة على النفوذ بين القوى المختلفة، وظلت مصر تشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي والعسكري.
وبعد سنوات من هذه التطورات، ظهر محمد علي باشا على مسرح الأحداث في مصر، واستطاع تدريجيًا بناء نفوذه وسط الصراعات القائمة، حتى تولى حكم البلاد عام 1805، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ مصر ارتبطت باسمه واستمرت لسنوات طويلة.
وهكذا، لم تكن مغادرة حسن باشا الجزايرلي لمصر مجرد نهاية لمهمة عسكرية عثمانية، وإنما جاءت في سياق مرحلة مضطربة من تاريخ البلاد، سبقت التحولات السياسية التي انتهت بصعود محمد علي وتأسيسه نظام حكم جديد في مصر.









