«عبرنا قناة السويس».. من صاحب الصوت الشهير في بيان نصر أكتوبر؟
مع حلول ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تتجدد في الذاكرة المصرية تفاصيل اليوم الذي بدأت فيه القوات المسلحة المصرية معركة استعادة الأرض والكرامة، وتبقى البيانات الإذاعية التي نقلت أخبار الحرب لحظة بلحظة من أبرز المشاهد التي ارتبطت بهذا الانتصار التاريخي، ومن بين الأصوات التي ارتبطت ببيانات حرب أكتوبر، يبرز اسم الإذاعي حلمي البلك، الذي تولى إذاعة عدد من البيانات العسكرية عبر إذاعة صوت العرب، لتظل عبارة «هنا القاهرة» مرتبطة في أذهان المصريين بأخبار العبور والانتصارات التي تحققت على الجبهة.
بداية يوم العبور
في صباح السادس من أكتوبر عام 1973، كان العمل داخل مقر إذاعة صوت العرب بالقاهرة يسير بصورة طبيعية، ولم يكن العاملون في الإذاعة يعرفون أن الساعات المقبلة ستشهد واحداً من أهم الأحداث في تاريخ مصر الحديث، وكان حلمي البلك، رئيس إذاعة صوت العرب آنذاك، قد بدأ مسيرته داخل الإذاعة منذ عام 1958 محرراً ومذيعاً لنشرات الأخبار، واكتسب خلال سنوات عمله خبرة كبيرة في تحرير الأخبار وقراءتها على الهواء، وهو ما جعله من أبرز الأصوات الإذاعية في ذلك الوقت.
ومع مرور ساعات الصباح، تغيرت الأجواء تماماً داخل مبنى ماسبيرو، بعدما وصل أول بيان عاجل من القيادة العامة للقوات المسلحة، وفي نحو الساعة الثانية و10 دقائق ظهراً، تلقى رئيس إذاعة صوت العرب البيان الأول، ليتولى حلمي البلك إذاعته عبر الأثير، معلناً للمستمعين بدء العمليات العسكرية، ولم يكن البلك في تلك اللحظة يدرك أن صوته وهو يردد عبارة «هنا القاهرة» سيصبح جزءاً من الذاكرة التاريخية المرتبطة بحرب أكتوبر وانتصار القوات المسلحة المصرية.
بيانات حرب أكتوبر
بدأت البيانات العسكرية تتوالى على إذاعة صوت العرب مع تطورات العمليات على الجبهة، وكان كل بيان يحمل تفاصيل جديدة عن سير المعارك، وجاء البيان الأول ليعلن تعرض القوات المصرية لهجوم من جانب العدو، قبل أن تتوالى البيانات التي أكدت تصدي القوات المصرية للعدوان وبدء تنفيذ القوات الجوية مهامها ضد المواقع والأهداف العسكرية الإسرائيلية.
وفي الساعة الثانية و35 دقيقة تقريباً، صدر البيان الثاني للقوات المسلحة، وأذيع عبر الإذاعة ليكشف أن القوات الجوية المصرية بدأت قصف قواعد العدو وأهدافه العسكرية في الأراضي المحتلة، ثم جاء البيان الثالث في الثالثة عصراً، معلناً نجاح القوات الجوية في تنفيذ مهامها وإصابة مواقع العدو إصابات مباشرة، مع عودة الطائرات المصرية إلى قواعدها، باستثناء طائرة واحدة، وهو ما زاد من حالة الترقب لدى المصريين الذين كانوا يتابعون الأخبار عبر أجهزة الراديو.
إعلان عبور قناة السويس
مع استمرار العمليات العسكرية، جاء البيان الرابع ليكشف عن تطورات جديدة على الأرض، حيث أعلن تصدي القوات المصرية لمحاولة قوات معادية الاستيلاء على جزء من الأراضي غرب القناة، قبل أن تتمكن القوات المصرية من شن هجوم مضاد ناجح، مدعوم بقصف مدفعي مركز، كما تضمن البيان الإشارة إلى اقتحام القوات المصرية قناة السويس ومطاردة العدو إلى الضفة الشرقية في بعض المناطق، لتبدأ مرحلة جديدة من العمليات العسكرية التي مهدت لإعلان العبور.
وكانت اللحظة الأبرز في اليوم الأول عندما صدر البيان الخامس في الساعة الرابعة و6 دقائق عصراً، وأذاعه حلمي البلك، معلناً نجاح القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس على طول المواجهة والاستيلاء على منطقة الشاطئ الشرقي للقناة، كما أكد البيان استمرار القتال مع القوات الإسرائيلية، لتصبح كلمات البيان واحدة من أشهر التسجيلات الإذاعية التي وثقت لحظة العبور في حرب أكتوبر.

«هنا القاهرة» وصوت النصر
لم تكن أهمية البيانات العسكرية في مضمونها فقط، وإنما في الطريقة التي وصلت بها إلى ملايين المصريين والعرب الذين كانوا يتابعون مجريات الحرب عبر الإذاعة، وكانت عبارة «هنا القاهرة» مقدمة ثابتة للبيانات التي تحمل أخبار المعارك، ومع كل بيان جديد كان المستمعون ينتظرون معرفة ما حققته القوات المصرية على أرض سيناء.
ومع إعلان نجاح القوات المسلحة في عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، ارتبط صوت حلمي البلك في الذاكرة المصرية بتلك اللحظة الفارقة، فقد كانت الإذاعة في ذلك الوقت وسيلة رئيسية للحصول على الأخبار، ولذلك كان للمذيعين الذين نقلوا بيانات الحرب دور مهم في نقل تفاصيل المعركة إلى المواطنين داخل مصر وخارجها.
دور حلمي البلك في حرب الاستنزاف
لم يبدأ الدور الوطني لحلمي البلك مع حرب أكتوبر فقط، إذ سبق ذلك مشاركته في العمل الإعلامي خلال فترة حرب الاستنزاف، وخلال عمله في إذاعة صوت العرب، ارتبط ببرنامج «الشعب في سيناء»، الذي استُخدم في توجيه رسائل شفوية مشفرة إلى الفدائيين داخل الأراضي المحتلة في سيناء، بالتنسيق مع الجهات المعنية، بهدف المساهمة في تنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وكانت إذاعة صوت العرب في تلك الفترة واحدة من أبرز المنابر الإعلامية التي نقلت الأحداث المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، فيما لعب العاملون بها أدواراً إعلامية ووطنية متعددة، سواء من خلال نقل الأخبار أو تقديم البرامج التي ارتبطت بالقضية الفلسطينية وسيناء وحرب الاستنزاف.

مسيرة طويلة في الإذاعة
وُلد حلمي البلك في 9 أغسطس عام 1934 بمدينة العريش، وبدأ عمله في إذاعة صوت العرب عام 1958 محرراً للأخبار بالشؤون السياسية ومذيعاً لنشرات الأخبار، قبل أن يتدرج في المناصب الإدارية داخل الإذاعة، وتولى لاحقاً منصب نائب مدير إذاعة صوت العرب، ثم أصبح مديراً لها عام 1971، كما جمع بين عمله الإذاعي والعمل في التليفزيون المصري خلال مسيرته المهنية.
واختير حلمي البلك كذلك عضواً بالمجلس الشعبي لمحافظة سيناء عام 1971، قبل أن يواصل صعوده في المناصب القيادية داخل الإذاعة المصرية، وفي عام 1985 أصبح نائباً لرئيس شبكة صوت العرب، ثم تولى رئاسة الشبكة عام 1987، وبعد ذلك شغل منصب نائب رئيس قطاع الإذاعة عام 1991، قبل أن يتولى رئاسة الإذاعة في 8 نوفمبر من العام نفسه وحتى 7 أغسطس 1994.

مذيع بيان نصر أكتوبر
لم تتوقف مسيرة حلمي البلك عند العمل الإذاعي، فقد عمل أيضاً مراسلاً إذاعياً في عدد من الدول العربية، واختير لاحقاً مستشاراً بمجلس الشعب عام 1995، إلا أن اسمه ظل حاضراً بصورة خاصة عند الحديث عن حرب أكتوبر، بسبب ارتباط صوته ببيانات القوات المسلحة التي نقلت إلى المصريين تفاصيل اليوم الأول للمعركة.
ويبقى إعلان عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف من أبرز اللحظات التي ارتبطت بصوت حلمي البلك وعبارة «هنا القاهرة»، وبعد مرور عقود على حرب أكتوبر، لا تزال تلك البيانات الإذاعية شاهدة على واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري، كما يظل اسم حلمي البلك مرتبطاً باللحظة التي وصلت فيها أخبار العبور إلى ملايين المصريين عبر موجات الإذاعة.