رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«سيرة أهل الحي».. حين يتحول المكان إلى ذاكرة لا تغادر أصحابها

إيجبتكِ

في رواية «سيرة أهل الحي» الصادرة عن دار الرواق للروائي أسامة زيد، لا يظهر المكان مجرد خلفية تتحرك فوقها الشخصيات، وإنما يتحول إلى كائن حي يمتلك ذاكرته وأثره وخصوصيته، ويصبح جزءًا من تكوين الإنسان الذي نشأ فيه. فمنذ العنوان، تضع الرواية القارئ أمام مفردة تحيل إلى مساحة جغرافية واجتماعية، لكنها سرعان ما تتجاوز معناها المباشر لتصبح فضاءً تتقاطع داخله الحكايات والذكريات والتحولات.

المكان والإنسان

تنبع أهمية المكان في الرواية من كونه ليس محايدًا؛ فالإسكندرية، بما تحمله من طبقات اجتماعية وإنسانية وتاريخية، لا تظهر بوصفها مدينة جاهزة، وإنما من خلال علاقتها بمن يعيشون فيها. وفي هذا النوع من الكتابة، يصبح المكان مرآة للشخصيات بقدر ما يكون مسرحًا لأفعالها، فالإنسان لا يسكن المكان وحده، وإنما يسكنه المكان أيضًا، ويترك في وعيه علامات يصعب محوها.

وتبدو الطفولة واحدة من المفاتيح المهمة للدخول إلى عالم «الوسعاية»، إذ لا تأتي العودة إليها باعتبارها مجرد استعادة لمرحلة عمرية مضت، وإنما بوصفها محاولة لفهم الحاضر من خلال جذوره. فما يبدو في الذاكرة بسيطًا وعابرًا قد يكشف بعد مرور السنوات عن معنى مختلف، فالطفولة لا تحتفظ بالأحداث فقط، وإنما تحتفظ أيضًا بالطريقة الأولى التي رأينا بها العالم، وبالأشخاص الذين أسهموا في تشكيل صورتنا المبكرة عنه.

ذاكرة لا تنتهي

ومن هنا تكتسب الذاكرة حضورها الخاص في الرواية، فهي ليست أرشيفًا دقيقًا لما حدث، وإنما مساحة يعيد الإنسان من خلالها ترتيب حياته. قد يستعيد تفصيلًا صغيرًا وينسى حدثًا كبيرًا، وقد يمنح مكانًا عابرًا أهمية تفوق أماكن أخرى ارتبطت في ظاهره بها مراحل أكثر خطورة. وفي المسافة بين ما حدث فعلًا وما بقي منه في الذاكرة، تتشكل واحدة من أكثر مناطق الرواية إنسانية.

ولعل ما يمنح «سيرة أهل الحي» خصوصيتها هو ذلك التوتر بين عالم يتغير باستمرار، وإنسان يحاول الاحتفاظ بشيء من ثباته الداخلي. فالأماكن تتبدل، والعلاقات تتغير، والزمن يمضي، لكن تظل هناك رغبة في الإمساك بما يبدو مهددًا بالاختفاء. ولهذا يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها محاولة لإنقاذ بعض التفاصيل من النسيان، ليس عبر تسجيلها بصورة توثيقية، وإنما من خلال إعادة منحها حياة جديدة داخل السرد.

 

أثر المكان

كما أن الشخصيات لا تبدو منفصلة عن بيئتها، فسلوكها ووعيها ومخاوفها وطريقتها في النظر إلى المستقبل تتشكل، في جانب كبير منها، من خلال علاقتها بالمكان والجماعة المحيطة بها. وهنا تتجاوز الرواية الحكاية الفردية لتلامس سؤالًا أوسع حول مدى تأثير المكان في تكوين الإنسان، وما إذا كان بإمكان المرء أن يبتعد عن المكان من دون أن يحمل جزءًا منه داخله.

وفي هذا السياق، يصبح المكان في «سيرة أهل الحي» أكثر من مجرد مساحة للأحداث؛ فهو عنصر فاعل في تشكيل الوعي والذاكرة، ووسيلة تستعيد من خلالها الشخصيات علاقتها بماضيها، بينما يظل الزمن عاملًا أساسيًا في إعادة قراءة تلك العلاقة.

في النهاية، تبدو «سيرة أهل الحي» أقرب إلى رواية عن الإنسان وهو يواجه الزمن، أكثر من كونها رواية عن مكان بعينه. فالمكان فيها هو الباب، أما الموضوع الأعمق فهو الذاكرة وما تفعله السنوات بالإنسان وبعلاقته بالبدايات.

وكلما ابتعد الإنسان عن بداياته، اكتشف أنها لم تكن خلفه تمامًا، وإنما انتقلت معه واختبأت في لغته وحنينه ونظرته إلى الأشياء. ومن هنا يكتسب عنوان الرواية دلالته الأوسع؛ فـ«سيرة أهل الحي» ليست فقط حكاية مساحة جغرافية يمكن الوصول إليها أو مغادرتها، وإنما هي أيضًا مساحة داخلية يظل الإنسان يعود إليها كلما حاول أن يفهم من أين جاء، وكيف صار ما هو عليه الآن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء