آدم حموي.. رحلة طبيب مصري من ميادين القتال بغزة للكونجرس الأمريكي
من علاج المصابين في حرب غزة الأخيرة، إلى خوض واحدة من أبرز المعارك الانتخابية في الولايات المتحدة، رسم الطبيب الأمريكي من أصل مصري آدم حموي مسارا سياسيا مختلفا، جعل من تجربته الإنسانية في قطاع غزة نقطة انطلاق لمشروعه الانتخابي.
فبعد سنوات قضاها في العمل الطبي والعسكري، قرر الانتقال من غرف العمليات إلى ساحة السياسة، حاملا خطابا يربط بين وقف الحروب وإعادة توجيه الإنفاق الأمريكي نحو الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، ليحقق فوزا بمقعد الدائرة الثانية عشرة في ولاية نيوجيرسي بمجلس النواب، ويصبح أول مسلم يمثل الولاية في الكونغرس، وفقا للمعلومات الواردة عن فوزه.
لم يكن وصول آدم حموي إلى الكونغرس مجرد محطة جديدة في مسيرة طبيب أمريكي من أصول مصرية، بل جاء تتويجا لرحلة امتدت بين ميادين القتال والمستشفيات الأمريكية ومراكز علاج ضحايا الحروب، وصولا إلى قطاع غزة، حيث تطوع للعمل جراحا خلال الحرب، في تجربة تركت بصمتها على مواقفه السياسية، ودفعته إلى خوض الانتخابات تحت شعار يلخص رؤيته: «الرعاية الصحية لا القنابل».
من مصر إلى نيوجيرسي

وُلد حموي في مصر، وانتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة عندما كان عمره نحو سبعة أشهر، بحثا عن فرصة لحياة أفضل، ليستقر في ولاية نيوجيرسي، حيث نشأ في بيئة من الطبقة العاملة، وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية بمدينتي بلينفيلد وأولد بريدج.
ومنذ سنواته الأولى، ارتبطت حياته بفكرة الخدمة العامة، إذ التحق عام 1989 بالحرس الوطني لجيش نيوجيرسي، في خطوة ساعدته على تمويل تعليمه الجامعي، وفتحت أمامه طريقا امتد لأكثر من عقدين في الخدمة العسكرية الأمريكية.
وحصل عام 1991 على درجة جامعية في علم الأحياء من جامعة روتجرز، قبل أن يلتحق بكلية الطب في الجامعة نفسها، ويبدأ تكوينه المهني في مجال الجراحة.
ولم ينتظر حموي انتهاء دراسته الطبية حتى يخوض أولى تجاربه الإنسانية خارج الولايات المتحدة؛ ففي عام 1994 شارك في مهمة طبية تطوعية في البوسنة بالتعاون مع الأمم المتحدة، لتوصيل الإمدادات الطبية إلى المستشفيات، وشاهد خلال وجوده هناك آثار المجازر والنزاعات المسلحة، وهي تجربة مبكرة عززت ارتباطه بالعمل الإنساني في مناطق الصراع.
جراح في الجيش الأمريكي
كانت المحطة الأكثر تأثيرا في مسيرته المهنية هي انضمامه إلى الخدمة العسكرية الفعلية بالجيش الأمريكي عام 2003، قبل أن يُرسل إلى العراق عام 2004، في ذروة العمليات العسكرية الأمريكية، للعمل جراحا متخصصا في إصابات الحروب والصدمات البالغة.
وخلال وجوده في العراق، شارك حموي وفريقه الطبي في إنقاذ حياة عدد من المصابين، من بينهم تامي دكوورث، التي أصبحت لاحقا عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية إلينوي، بعد أن تعرضت مروحيتها العسكرية لإطلاق نار في العراق عام 2004، وأصيبت بجروح خطيرة أدت إلى بتر ساقيها.
وأصبحت هذه الواقعة واحدة من أبرز المحطات التي ارتبطت باسمه، إذ لم تقتصر علاقته بدكوورث على إنقاذ حياتها، بل تحولت لاحقا إلى علاقة دعم سياسي، حيث أيدت ترشحه للكونجرس، مستندة إلى معرفتها الشخصية بتاريخه العسكري والمهني.
وبعد عودته من العراق، اختير لاستكمال تدريبات تخصصية في جراحة التجميل والترميم بجامعة تكساس ساوث وسترن في دالاس، في ظل الحاجة المتزايدة إلى أطباء متخصصين في التعامل مع إصابات الجنود والمصابين في الحروب.
وفي عام 2011، أنهى خدمته العسكرية برتبة مقدم في الجيش الأمريكي، بعد مسيرة تجاوزت 20 عاما من الخدمة، جمع خلالها بين العمل العسكري والتخصص الطبي.
طبيب في مناطق الكوارث والحروب
لم يكن العراق التجربة الوحيدة التي شكلت شخصية حموي، إذ واصل بعد انتهاء خدمته العسكرية المشاركة في البعثات الطبية الإنسانية، متنقلا بين مناطق الحروب والكوارث الطبيعية.
ففي عام 2010، انضم إلى الفرق الطبية التي قدمت الرعاية للمصابين والناجين من الزلزال المدمر الذي ضرب هايتي، كما شارك على مدار سنوات في مهمات تطوعية شملت البوسنة والسودان وكولومبيا وبليز وسوريا ولبنان وفلسطين وتركيا والأردن.
وفي عام 2013، أسس عيادته الطبية الخاصة في مدينة برينستون بولاية نيوجيرسي، قبل أن يعمل جراحا في عدد من أقسام الطوارئ والمستشفيات بالولاية، من بينها مركز بن ميديسن برينستون الطبي ومستشفى جامعة روبرت وود جونسون.
ولم يتوقف عند خبرته الطبية، بل واصل تطوير مساره الأكاديمي والإداري، وحصل عام 2018 على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة روتجرز، ليجمع بين الخبرة الطبية وإدارة المؤسسات والعمل الخاص.
لكن هذه الحياة المهنية المستقرة لم تمنعه من العودة إلى مناطق النزاعات، حيث ظل يعتبر العمل الطبي في البيئات الأكثر خطورة امتدادا لرسالته الإنسانية.
غزة.. من العمل الإنساني إلى المواجهة السياسية

شكّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نقطة تحول محورية في حياة حموي، بعدما قرر التوجه إلى القطاع عام 2024 ضمن بعثة طبية إنسانية، للمشاركة في علاج المصابين داخل المستشفيات التي كانت تعمل تحت ضغط هائل نتيجة تدفق الجرحى والقتلى ونقص الإمكانات الطبية.
وهناك، واجه مشاهد وصفها بأنها تختلف جذريا عن كل ما شاهده خلال سنوات عمله جراحا عسكريا وفي مناطق الحروب والكوارث، رغم خبرته الطويلة في التعامل مع الإصابات البالغة.
وتحدث حموي خلال وجوده في غزة عن الارتفاع الكبير في أعداد الأطفال الذين يحتاجون إلى عمليات بتر الأطراف نتيجة الإصابات الخطيرة، مشيرا إلى أنه أجرى خلال أسبوعين عمليات بتر رضحية للأطفال أكثر مما تعامل معه طوال مسيرته المهنية السابقة.
كما وصف حجم الدمار والإصابات التي شاهدها بأنه يتجاوز الأنماط المعتادة للحروب التي سبق أن عمل فيها، معتبرا أن ما يجري في القطاع يمثل تدميرا واسعا للحياة المدنية والمنظومة الصحية.
ولم تقتصر تجربته على العمل داخل المستشفيات، إذ عاد إلى غزة في مهمات طبية خلال عامي 2024 و2025، ضمن بعثات نظمتها الجمعية الطبية الفلسطينية الأمريكية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية.
وخلال إحدى تلك المهمات، وجد حموي نفسه عالقا مع زملائه الطبيين بعد سيطرة إسرائيل على معبر رفح، ووفقا لروايته، رفض مغادرة القطاع قبل ضمان خروج جميع أفراد فريقه الطبي بأمان، بمن فيهم حاملو الإقامة الأمريكية وجنسيات أخرى، إلى جانب المواطنين الأمريكيين الموجودين ضمن المجموعة.
وكانت هذه التجربة من أبرز الأسباب التي دفعته إلى الانتقال من العمل الإنساني إلى العمل السياسي، بعدما رأى أن تقديم العلاج للضحايا لا يكفي وحده، طالما استمرت السياسات التي تساهم في استمرار الحروب، بحسب رؤيته.
وقال حموي في تصريحات نقلتها تقارير إعلامية إنه شعر بأن المسؤولين في واشنطن لا يستجيبون للتحذيرات المتعلقة بالكارثة الإنسانية في غزة، رغم أن الأموال الأمريكية تسهم في تمويل السياسات العسكرية الإسرائيلية.
ومن هنا، تحولت تجربته في القطاع إلى ركيزة أساسية في خطابه الانتخابي، الذي ربط فيه بين ما شاهده داخل غرف العمليات وبين مسؤولية صناع القرار في الولايات المتحدة عن توجيه المساعدات والإنفاق العسكري.
«الرعاية الصحية لا القنابل»
بعد سنوات من العمل الطبي والعسكري، قرر حموي دخول المعترك السياسي، مستندا إلى قناعة بأن تغيير السياسات الأمريكية تجاه الحروب والمساعدات العسكرية يجب أن يبدأ من داخل المؤسسات التشريعية.
واختار شعار «الرعاية الصحية لا القنابل» ليكون العنوان الأبرز لحملته الانتخابية، في تعبير عن رؤيته التي تدعو إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي الأمريكي، وتوجيه الموارد نحو احتياجات المواطنين بدلا من تمويل العمليات العسكرية الخارجية.
وطرح برنامجا سياسيا يتضمن المطالبة بإنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ورفض تقديم دعم عسكري غير مشروط للدول التي تنتهك حقوق الإنسان، إلى جانب تبني مشروع التأمين الصحي الشامل المعروف باسم «ميديكير للجميع».
كما دعا إلى إلغاء ديون الطلاب والديون الطبية، وزيادة تمويل المدارس الحكومية، وتحسين قدرة الأسر الأمريكية على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، فضلا عن تعزيز حقوق العمال والنقابات ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى.
وامتدت مواقفه إلى ملف الهجرة، إذ طالب بإلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية «ICE»، معتبرا أن موارد الدولة ينبغي أن تُستخدم في تحسين حياة المواطنين والمهاجرين بدلا من تمويل سياسات وصفها بالقمعية.
ولم يقتصر برنامجه على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، بل شمل أيضا الدعوة إلى إعطاء الأولوية للدبلوماسية في السياسة الخارجية، وحماية حقوق المحاربين القدامى، وزيادة خدمات الرعاية الصحية النفسية لهم، ومواجهة التغير المناخي والاستثمار في الطاقة النظيفة.
وبذلك حاول حموي تقديم نفسه باعتباره مرشحا لا يتبنى القضية الفلسطينية وحدها، وإنما يسعى إلى طرح برنامج تقدمي أوسع يربط بين العدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية والإنفاق العام.
كيف وصل إلى الكونغرس؟
خاض حموي انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية في الدائرة الثانية عشرة بولاية نيوجيرسي، لاختيار المرشح الذي سيخلف النائبة الديمقراطية بوني واتسون كولمان، التي قررت عدم الترشح مجددا بعد تمثيل الدائرة منذ عام 2015.
ورغم خوضه المنافسة وسط عدد كبير من المرشحين، تمكن من حسم الانتخابات التمهيدية في يونيو 2026، مستفيدا من دعم شخصيات بارزة في التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، على رأسها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز.
كما حظي بدعم السيناتورة تامي دكوورث، التي سبق أن أنقذ حياته خلال خدمته العسكرية في العراق، وهو ما أضفى على حملته بعدا شخصيا وسياسيا لافتا.
واستفاد حموي أيضا من مساندة نقابات عمالية ومنظمات مناهضة للحروب، وقوى سياسية تدعو إلى الحد من نفوذ جماعات الضغط والمصالح الخاصة في توجيه القرار الأمريكي.
ولم تكن المنافسة خالية من الانتقادات، إذ واجه اعتراضات من بعض الجمهوريين وأطراف داخل المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي بسبب مواقفه الحادة من إسرائيل والحرب في غزة، فضلا عن إثارة تساؤلات بشأن علاقات سابقة له في أوساط الجالية المصرية الأمريكية.
ومن بين الملفات التي أعيد طرحها خلال الحملة علاقته السابقة بالشيخ عمر عبد الرحمن، المعروف بـ«الشيخ الضرير»، والذي أدين في قضايا تتعلق بالتآمر ضد أهداف أمريكية. وكان حموي قد قال إنه عرفه من خلال مجتمع المصريين الأمريكيين، كما أدلى بشهادة دفاع عنه عام 1995. كذلك أثيرت تساؤلات حول مشاركته في نشاط تطوعي بالبوسنة عام 1994 مع مؤسسة خيرية ارتبط اسمها لاحقا بتحقيقات حول تمويل أنشطة متطرفة.
وفي المقابل، أكد حموي رفضه العنف والإرهاب، ولم توجه إليه اتهامات جنائية في هذه القضايا.
%70 من الأصوات
وفي الانتخابات العامة التي جرت في 3 نوفمبر 2026، تمكن حموي من حسم المنافسة أمام المرشح الجمهوري جريج ميلي، ليحقق فوزا بمقعد الدائرة الثانية عشرة، التي تضم مناطق في وسط نيوجيرسي.
ووفقا للنتائج التي نشرتها شبكة «إن بي سي»، حصل حموي على نحو 70.2% من الأصوات، مقابل 28.3% لمنافسه الجمهوري، مع استمرار تحديث النتائج الأولية.
وبهذا الفوز، أصبح حموي أول مسلم وأول أمريكي من أصل عربي يمثل ولاية نيوجيرسي في مجلس النواب الأمريكي، كما أصبح ثاني أمريكي من أصل مصري يصل إلى الكونغرس، بعد جورج حلمي الذي عُين عضوا في مجلس الشيوخ عام 2024.
المساعدات العسكرية لإسرائيل

يمثل وصول آدم حموي إلى مجلس النواب الأمريكي اختبارا جديدا لقدرته على نقل القضايا التي تبناها خلال حملته من الخطاب الانتخابي إلى العمل التشريعي، خاصة ما يتعلق بالمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، والحرب في الشرق الأوسط، والحقوق الفلسطينية.
فالرجل الذي قضى سنوات في علاج ضحايا الحروب، وشارك في إنقاذ جنود أمريكيين ومدنيين في مناطق النزاعات، يدخل الكونغرس حاملا تجربة ميدانية جعلت من السياسة الخارجية جزءا أساسيا من هويته السياسية.
لكن التحدي الأكبر أمامه سيكون تحويل هذه المواقف إلى سياسات قابلة للتنفيذ داخل مؤسسة تشريعية تتداخل فيها الحسابات الحزبية ومصالح جماعات الضغط والاعتبارات الاستراتيجية الأمريكية.
وفي الداخل، ينتظره اختبار آخر يتعلق بقدرته على الوفاء بوعوده بشأن التأمين الصحي الشامل، وخفض تكاليف المعيشة، وتحسين الخدمات العامة، وهي ملفات تمس الحياة اليومية للناخبين في دائرته.
وبين ماضٍ قضاه في غرف العمليات وساحات القتال، وحاضر يبدأ من مقاعد الكونغرس، يقدم آدم حموي نموذجا لطبيب اختار أن يوسع مفهوم مهمته الإنسانية؛ فبعدما أمضى سنوات في إنقاذ المصابين من آثار الحروب، يسعى الآن إلى التأثير في القرارات السياسية التي يرى أنها تحدد مصير الملايين.





