رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جولات وزير التعليم في المدارس.. 47 زيارة مفاجئة.. هل نجحت في فرض الانضباط؟

وزير التعليم
وزير التعليم

لم تعد جولات وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف داخل المدارس مجرد زيارات تفقدية تقليدية، بل أصبحت واحدة من أبرز أدوات متابعة تنفيذ السياسات التعليمية على أرض الواقع، في ظل سعي الوزارة إلى ضبط انتظام الدراسة، ورفع نسب الحضور، ومتابعة مستوى التحصيل الدراسي، والتأكد من تطبيق التقييمات الأسبوعية والبرامج العلاجية للطلاب.

وجاءت الجولة المفاجئة التي أجراها الوزير، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، بمحافظة بني سويف، لتعيد طرح تساؤلات مهمة حول مدى قدرة الجولات الميدانية على إحداث تغيير حقيقي ومستدام داخل المدارس، وما إذا كانت حالة الانضباط التي تستهدفها الوزارة انعكاسًا لتطوير منظومة التعليم، أم أنها ترتبط بالدرجة الأولى بوجود رقابة مفاجئة ومستمرة من القيادات المركزية.

الجولة التي بدأت في السابعة والنصف صباحًا، بمشاركة اللواء عبد الله عبد العزيز محافظ بني سويف، والدكتور عصام عمارة وكيل وزارة التربية والتعليم بالمحافظة، امتدت إلى عدد من المدارس بمراحل تعليمية مختلفة، وشملت متابعة طابور الصباح والفصول الدراسية ومستوى القراءة والكتابة، إلى جانب لقاءات مباشرة مع الطلاب وأولياء الأمور، وانتهت باجتماع مع القيادات التعليمية لمناقشة ملفات الانضباط والكثافات والفترات الدراسية.

طابور الصباح وفصول الابتدائي.. اختبار عملي لمستوى الطلاب

بدأ وزير التعليم جولته بزيارة مفاجئة لمدرسة جمال عبد الناصر الابتدائية التابعة لإدارة بني سويف التعليمية، حيث حضر طابور الصباح واستمع إلى الإذاعة المدرسية، ثم تفقد فصول الصفوف الثالث والرابع والخامس الابتدائي، لمتابعة مستوى استيعاب الطلاب للمناهج الدراسية، والوقوف على مدى تنفيذ التقييمات الأسبوعية والبرامج العلاجية المخصصة لتحسين مهارات القراءة والكتابة.

وبحسب مصدر رافق الجولة، فإن الوزير دخل فصل 4/3، وطلب من أحد التلاميذ قراءة قطعة من كتاب اللغة العربية، وأبدى إعجابه بمستواه، كما شدد على ضرورة استمرار البرامج العلاجية، وعدم الاكتفاء بتنفيذها بصورة شكلية، مع الاهتمام بانتظام الطلاب داخل الفصول.

وتكتسب هذه المتابعة أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه المرحلة الابتدائية، وعلى رأسها تفاوت مستويات القراءة والكتابة بين الطلاب، وهي مشكلة لا ترتبط فقط بانتظام الحضور، وإنما تحتاج إلى قياس دوري لمستوى التحصيل، وتحديد أوجه القصور، ووضع خطط علاجية قابلة للقياس.

وأشار المصدر إلى أن نسبة الحضور التي استند إليها الوزير خلال الجولة بلغت 91.6% على مستوى الجمهورية، وهو ما يعيد الاهتمام بملف الانتظام المدرسي، ومدى ارتباطه بتطبيق التقييمات المستمرة.

إهناسيا.. غرف المصادر والصيانة والكثافات تحت المتابعة

لم تتوقف الجولة عند مدرسة جمال عبد الناصر، إذ انتقل الوزير إلى إدارة إهناسيا التعليمية، وتفقد مدرسة إهناسيا بنين 2، ومجمع مدارس الشهيد أحمد عبد العظيم للتعليم الأساسي، ومدرسة إهناسيا الثانوية بنات.

وشملت الجولة متابعة غرفة المصادر والاطلاع على الخدمات المقدمة لطلاب الدمج، حيث التقى الوزير بأحد الطلاب وتابع مهاراته، في إطار الوقوف على مدى تفعيل الخدمات التعليمية المخصصة للطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية المختلفة.

كما وجه برفع كفاءة المباني المدرسية والاهتمام بصيانة دورات المياه، بما يعكس أن تقييم جودة العملية التعليمية لا يقتصر على أداء المعلم داخل الفصل أو مستوى الطلاب في الاختبارات، وإنما يمتد إلى البيئة المدرسية ومدى صلاحيتها لاستقبال الطلاب وتوفير ظروف تعليمية مناسبة لهم.

وتكشف هذه الملفات عن جانب آخر من التحديات التي تواجه المدارس، يتمثل في احتياجات الصيانة والتجهيزات، وهي مشكلات لا يمكن التعامل معها من خلال الجولات وحدها، بل تتطلب توفير الموارد اللازمة، ومتابعة تنفيذ قرارات الإصلاح والصيانة على مستوى الإدارات التعليمية.

حوار الوزير مع أولياء الأمور.. الدروس الخصوصية وإجازة رمضان في دائرة النقاش

ومن أبرز مشاهد الجولة، لقاء الوزير بعدد من أولياء الأمور خارج أسوار إحدى المدارس، حيث حرص على الاستماع إلى آرائهم بشأن مستوى العملية التعليمية، وسألهم عما إذا كانت المذاكرة والتحصيل الدراسي للطلاب أفضل حاليًا مقارنة بالسنوات السابقة.

وجاءت إجابات بعض أولياء الأمور بالإيجاب، مع الإشارة إلى استمرار اعتمادهم على الدروس الخصوصية، وهو ما يفتح ملفًا مهمًا بشأن قدرة المدرسة على تقديم خدمة تعليمية متكاملة تقلل احتياج الأسر إلى مصادر تعليمية إضافية.

كما طلبت إحدى الأمهات منح الطلاب إجازة خلال شهر رمضان، ورد الوزير متسائلًا عن أهمية استمرار الدراسة، مستشهدًا بقدرة الأجيال السابقة على العمل والقتال خلال الشهر الكريم، ومؤكدًا أهمية إعداد الطلاب لتحمل المسؤولية واكتساب القوة والانضباط.

وبعيدًا عن طبيعة الحوار، فإن استمرار مطالبة بعض أولياء الأمور بتخفيف الأعباء الدراسية خلال رمضان يعكس وجود احتياجات ومخاوف مجتمعية تستحق النقاش، خاصة فيما يتعلق بتنظيم اليوم الدراسي ومواعيد الدراسة والامتحانات، وتحقيق التوازن بين انتظام العملية التعليمية والظروف الأسرية للطلاب.

البكالوريا والبرمجة.. الوزير يدخل حوارًا مباشرًا مع الطلاب

وفي مدرسة الشهيد نور عبد العزيز الثانوية، تابع الوزير حصة للغة العربية تناولت أدب عصر صدر الإسلام، للمعلم أحمد عثمان، قبل أن يتحول اللقاء إلى حوار مع الطلاب حول نظام البكالوريا المصرية ومستقبل تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي.

وسأل الوزير الطلاب عن رأيهم في نظام البكالوريا، فجاءت إجابتهم الجماعية بأنهم يرغبون في الالتحاق به، مشيرين إلى ما يوفره من فرص متعددة للتعامل مع الامتحانات.

كما تحدث الوزير عن أهمية البرمجة، مؤكدًا أنها من المهارات المرتبطة بمستقبل سوق العمل، وأن العديد من الوظائف ستحتاج إلى امتلاك مهارات رقمية وتكنولوجية.

ويعكس هذا الحوار أهمية تعريف الطلاب بالمسارات التعليمية الجديدة، وعدم الاكتفاء بإعلان القرارات المتعلقة بها، وإنما فتح المجال أمامهم لفهم طبيعة النظام ومزاياه ومتطلباته، مع ضرورة إتاحة معلومات واضحة لأولياء الأمور حول فرص الالتحاق به وتكاليفه وآليات الدراسة والامتحانات.

اجتماع القيادات.. القضاء على الفترات المسائية وتحديات الكثافة

واختتم الوزير جولته باجتماع موسع داخل ديوان عام محافظة بني سويف، بحضور قيادات مديرية التربية والتعليم ومديري الإدارات التعليمية، لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بانتظام الدراسة وتطوير الأداء المدرسي.

وتصدر ملف القضاء على الفترة المسائية بالمرحلة الابتدائية جدول المناقشات، إلى جانب متابعة التقييمات الأسبوعية والاختبارات الشهرية، باعتبارها أدوات لقياس مستوى الطلاب بصورة منتظمة، والكشف المبكر عن أوجه الضعف الدراسي.

ويظل ملف الفترات المسائية من الملفات المرتبطة بعدة تحديات، أبرزها الكثافات الطلابية، وتوافر الفصول، وحالة المباني المدرسية، وتوزيع المعلمين، وهي عوامل تجعل الوصول إلى يوم دراسي مستقر تحديًا يتطلب حلولًا تنظيمية وإنشائية في الوقت نفسه.

47 جولة في 14 شهرًا.. هل تغيرت ثقافة العمل داخل المدارس؟

وتأتي جولة بني سويف ضمن سلسلة الجولات الميدانية التي يحرص وزير التعليم على تنفيذها في المحافظات المختلفة، والتي شملت عددًا من المدارس في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية والدقهلية والمنيا وسوهاج وأسيوط وكفر الشيخ والبحيرة، وفقًا للبيانات المتداولة بشأن تحركات الوزير.

ومن بين أبرز هذه الجولات زيارات مدارس بإمبابة والمرج، والتي شهدت متابعة النظافة والانضباط وانتظام الدراسة، واتخاذ إجراءات إدارية بشأن بعض أوجه القصور التي رصدتها الزيارات.

وتشير مصادر بوزارة التربية والتعليم لـ«إيجبتك» إلى أن الوزير يحرص على اختيار المدارس بصورة مفاجئة، دون إخطار مسبق للمديريات بخط سير الجولة، بهدف الوقوف على الأوضاع الفعلية داخل المدارس، بعيدًا عن الاستعدادات الاستثنائية التي قد تسبق الزيارات الرسمية.

وترى المصادر أن هذا الأسلوب ساهم في تعزيز الرقابة داخل المؤسسات التعليمية، ورفع درجة استعداد الإدارات المدرسية للتعامل مع متطلبات العمل اليومية، بدلًا من ربط الانضباط بمواعيد الزيارات المعلنة.

لكن تقييم أثر هذه الجولات يحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من عدد الزيارات أو القرارات التي تصدر خلالها، فالمعيار الحقيقي يتمثل في استمرار التحسن بعد مغادرة الوزير، ومدى تنفيذ التوصيات، وتكرار قياس النتائج، وقدرة المدارس على الحفاظ على مستوى الانضباط بصورة مستقلة.

موجهون وأولياء أمور.. بين الإشادة بالميدان والمطالبة بحلول مستدامة

وقال محمد عبد التواب، موجه عام اللغة العربية ببني سويف، لـ«إيجبتك»، إن جولة الوزير جاءت مفاجئة للعاملين بالمنظومة التعليمية، مشيرًا إلى أن المناقشات تناولت آليات تدريس مواد الهوية، وتفعيل الشاشات التفاعلية، ومتابعة التقييمات داخل المدارس.

وأضاف أن الزيارات الميدانية تتيح للقيادات التعليمية التعرف على طبيعة المشكلات التي تواجه المعلمين والطلاب، وتساعد على متابعة تنفيذ التعليمات بصورة مباشرة، بدلًا من الاعتماد الكامل على التقارير المكتبية.

ومن جانبه، قال سيد رمضان، أحد أولياء الأمور الذين التقاهم الوزير أمام مدرسة جمال عبد الناصر، لـ«إيجبتك»، إن الحوار المباشر مع الوزير أتاح له ولعدد من أولياء الأمور فرصة عرض آرائهم ومطالبهم، مشيرًا إلى أن انتظام الدراسة أصبح أكثر وضوحًا بالنسبة إليه، خاصة مع ارتباط الحضور بالتقييمات المدرسية.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن الحكم على نجاح منظومة الانضباط لا ينبغي أن يرتبط فقط بزيادة الحضور، وإنما يجب أن يشمل قياس مستوى التحصيل، ومدى استفادة الطلاب من الحصص، وتأثير الإجراءات الجديدة على أعباء الأسر، خصوصًا في ظل استمرار ظاهرة الدروس الخصوصية.

خبراء التعليم: الرقابة مهمة.. لكن الإصلاح لا يتوقف عند الزيارات

وترى الدكتورة وفيه عبدالمجيد، أستاذة المناهج وطرق التدريس بجامعة جنوب الوادي، في تصريحات لـ«إيجبتك»، أن الجولات المفاجئة تمثل إحدى أدوات المتابعة المهمة داخل المنظومة التعليمية، لأنها تتيح رصد الواقع المدرسي بصورة مباشرة، وتدفع الإدارات والمعلمين إلى الالتزام بالمهام اليومية.

وأضافت أن استمرار الرقابة الميدانية يمكن أن يعزز ما يُعرف بالرقابة الذاتية داخل المدارس، لكن تحقيق نتائج طويلة الأجل يتطلب تحويل الملاحظات التي ترصدها الجولات إلى خطط تنفيذية واضحة، مع تحديد المسؤوليات ومواعيد المتابعة ومؤشرات قياس الأداء.

وأشارت إلى أن الاهتمام بالبرامج العلاجية للقراءة والكتابة يمثل أحد أهم محاور الإصلاح، لأن تحسين مستوى الطالب في المراحل الأولى ينعكس على قدرته على استيعاب المناهج في المراحل التعليمية التالية.

 

وشددت على ضرورة عدم الاكتفاء بمتابعة تنفيذ البرامج العلاجية، بل قياس أثرها الفعلي على مهارات الطلاب، من خلال اختبارات تشخيصية قبل تنفيذ البرنامج وبعده، بما يضمن أن تتحول الإجراءات من مجرد تعليمات إدارية إلى نتائج تعليمية ملموسة.

ماذا بعد جولة بني سويف؟

وبحسب مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم لـ«إيجبتك»، فإن الجولات الميدانية ستتواصل خلال الفترة المقبلة في عدد من المحافظات، مع متابعة تنفيذ الملاحظات والتوصيات التي يتم رصدها خلال الزيارات.

وأشار المصدر إلى أن المتابعة ستركز على ملفات صيانة المدارس بإدارة إهناسيا، واحتياجات مدرسة جمال عبد الناصر الابتدائية، إلى جانب التعامل مع الكثافات الطلابية وتوفير المقاعد اللازمة، في ظل وصول كثافة أحد الفصول إلى نحو 65 طالبًا، وفقًا لما ذكره المصدر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء