العدل: مرونة سعر الصرف لا تكفي.. حان وقت ضبط توقعات التضخم
أصدر مركز العدل لدراسات السياسات العامة مذكرة بشأن اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده الخميس 29 أكتوبر 2026، أكد فيها أن مرونة سعر الصرف، رغم أهميتها في تصحيح آليات السوق، لا تمثل وحدها معيارًا كافيًا لنجاح السياسة النقدية، وأن التحدي الحقيقي أصبح استعادة الثقة في مسار التضخم وترسيخ توقعات الأسعار.
وأوضح المركز أن تراجع التضخم السنوي لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط السعرية، خاصة في ظل التحركات الأخيرة لسعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل، مشيرًا إلى أن الأسواق والشركات تتخذ قرارات التسعير وفقًا للتكاليف المتوقعة، وليس فقط وفقًا لمستهدفات التضخم المعلنة.
واستندت المذكرة إلى تقديرات البنك المركزي التي تشير إلى أن انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 1% يؤدي، في المتوسط، إلى ارتفاع التضخم السنوي بنحو 0.18 نقطة مئوية خلال السنة الأولى، مع بلوغ التأثير ذروته بعد نحو تسعة أشهر، بما يعكس أهمية استباق انتقال ضغوط سعر الصرف إلى الأسعار المحلية، مع مراعاة أن هذه التقديرات تعكس متوسطات نموذجية وليست علاقة ثابتة في جميع الظروف.
وأشار المركز إلى أن التضخم السنوي للحضر تراجع إلى 13.9% في سبتمبر مقابل 14.5% في أغسطس، بينما ارتفعت الأسعار شهريًا بنسبة 1.3%، مؤكدًا أن التحسن السنوي لا يلغي استمرار الضغوط على مستويات الأسعار، ولا يكفي وحده للحكم على استقرار توقعات التضخم.
وأكد أن البنك المركزي يستهدف الوصول بالتضخم لـ7% بهامش نقطتين مئويتين، بينما تشير تقديراته إلى أن العودة إلى نطاق التضخم المستهدف لن تتحقق قبل النصف الثاني من عام 2027، وهو ما يفرض ضرورة تقييم مدى كفاية السياسة النقدية الحالية لتحقيق هذا المسار.
وفي هذا السياق، أوضح المركز أن البنك المركزي يقدر سعر الفائدة الحقيقية المحايدة بين 3% و4%، ويرى أن السياسة النقدية الحالية لا تزال تقييدية، إلا أن القضية الأساسية لا تتعلق بمجرد وجود فائدة حقيقية موجبة، وإنما بمدى كفاية هامش التقييد في مواجهة المخاطر الجديدة، خاصة مع احتمالات ارتفاع توقعات التضخم.
ورجّح المركز أن تتجه لجنة السياسة النقدية إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعها المقبل، استمرارًا لنهجها الحذر، لكنه أوصى برفع وقائي قدره 100 نقطة أساس، بهدف تعزيز مصداقية مستهدف التضخم والحفاظ على فاعلية السياسة النقدية، مؤكدًا أن هذه التوصية لا تعني الدعوة إلى دورة مفتوحة من التشديد، وإنما تمثل استجابة احترازية للمخاطر القائمة، مشيرا إلى أن ارتفاع عوائد أدوات الدين الحكومية يعكس إعادة تسعير السوق لمخاطر التضخم والسيولة والتمويل السيادي، وأن تثبيت أسعار السياسة النقدية لا يعني بالضرورة استقرار الأوضاع التمويلية.
وشدد المركز على إدراكه للتكلفة المالية لرفع الفائدة، في ظل ارتفاع أعباء خدمة الدين العام، لكنه أكد أن الاعتبارات المالية لا ينبغي أن تتحول إلى قيد يحول دون أداء البنك المركزي لمهمته الأساسية في الحفاظ على استقرار الأسعار، وأن جدوى التحرك النقدي يجب أن تُقاس بقدرته على احتواء توقعات التضخم والحد من مخاطر استمرار الضغوط السعرية.
وفي المقابل، أكد المركز ضرورة الفصل الواضح بين مسؤوليات البنك المركزي والحكومة، موضحًا أن مسؤولية البنك المركزي عن ضبط توقعات التضخم لا تلغي مسؤولية الحكومة عن معالجة الاختلالات الهيكلية، وزيادة صافي الموارد الدولارية، وتقليص فجوات الطاقة والتمويل، وتحقيق الانضباط المالي.
واعتبر أن مصر لا تستطيع معالجة فجوة تمويل دولارية هيكلية عبر خفض قيمة الجنيه وحده، كما لا يمكن مطالبة السياسة النقدية بتعويض غياب الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، مشددًا على أن الاعتراف بحدود قدرة البنك المركزي لا يجوز أن يتحول إلى إعفاء من واجباته.
واختتم المركز بيانه بالتأكيد على أن استقلال البنك المركزي يحمي قدرته على استخدام أدواته، بينما تضمن المساءلة تقييم نتائجها، وأن وضوح المسؤوليات بين الحكومة والبنك المركزي ضرورة لمنع تبادل الأعذار، وتحويل مستهدفات استقرار الأسعار إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد.




