رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليس أخطر على الرياضة المصرية من خسارة مباراة، ولا من ضياع ميدالية، ولا حتى من الخروج المبكر من بطولة دولية؛ الأخطر أن نُعدّ البطل المصري سنوات طويلة، وننفق على تدريبه، ونفرح بانتصاراته، ثم نفاجأ بأنه لا يريد العودة إلى وطنه بعد انتهاء البطولة!

كيف يصل لاعب ارتدى شعار مصر، وحلم برفع علمها، وبذل من عمره وصحته سنوات من أجل تمثيلها، إلى لحظة يرى فيها أن مستقبله خارج الحدود؟ وهل أصبحت البطولات الرياضية بالنسبة لبعض اللاعبين فرصة لاكتشاف حجم الفارق بين ما يحلمون به وما يجدونه في واقعهم؟

هذه ليست أسئلة عابرة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد حوادث فردية تنتهي ببيان رسمي أو تحقيق إداري. فتكرار وقائع مغادرة بعض لاعبي الألعاب الفردية للبعثات المصرية في الخارج يعيد فتح ملف يحتاج إلى مواجهة صريحة وشجاعة.

أولًا: الفقر خلف الميدالية الذهبية

قد يبدو المشهد من الخارج براقًا؛ لاعب على منصة التتويج، ميدالية حول عنقه، وعلم وطنه يرتفع أمام العالم. لكن ماذا يحدث بعد انتهاء مراسم التكريم؟

هل يجد هذا اللاعب دخلًا يضمن له حياة كريمة؟ هل يستطيع تحمل تكاليف التغذية والتدريب والانتقالات والأدوات الرياضية والعلاج؟ وهل يحصل على دعم منتظم يتناسب مع متطلبات رياضته، أم يظل هو وأسرته في صراع يومي لتوفير احتياجاته الأساسية؟

في بعض الألعاب الفردية، لا تعني البطولة بالضرورة وجود مصدر دخل مستقر، ولا تعني الميدالية أن صاحبها أصبح قادرًا على تأمين مستقبله.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نطالب اللاعب بأن يتصرف باعتباره بطلًا دوليًا، بينما قد لا نمنحه مقومات الحياة التي تساعده على الاستمرار بصفته رياضيًا محترفًا.

لا يمكن أن نطلب من لاعب أن يعيش بعقلية الأبطال، بينما نتركه يواجه أعباء المعيشة وحده.

ثانيًا: حين تصبح أوروبا حلمًا يتجاوز الرياضة

بالنسبة لبعض اللاعبين، لا تمثل أوروبا مجرد مكان للمنافسة، بل قد تبدو بوابة للحصول على فرص تدريب أفضل، ودعم مادي أكثر استقرارًا، ورعاية طبية متقدمة، وإمكانية الاستمرار في ممارسة الرياضة دون أن يتحول كل يوم إلى معركة لتدبير النفقات.

لكن علينا أن نكون واقعيين؛ فليست كل دولة أوروبية تضمن لكل لاعب حياة أفضل، وليس كل من يغادر بلده ينجح في بناء مستقبل رياضي جديد. ومع ذلك، فإن مجرد اقتناع بعض اللاعبين بأن فرصتهم في الخارج أكبر من فرصتهم في الداخل يجب أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا.

لماذا يعتقد لاعب مصري أن مستقبله قد يكون أكثر أمانًا تحت علم دولة أخرى؟

هل المشكلة في الطموح الزائد؟ أم في غياب مسار واضح يربط بين سنوات التدريب والبطولات والمكافآت وفرص العمل والاستقرار بعد الاعتزال؟

إن اللاعب لا يفكر في الميدالية وحدها، بل يفكر أيضًا فيما سيحدث له بعد أن تنتهي مسيرته الرياضية، أو إذا حرمته الإصابة من استكمالها.

ثالثًا: هل يدفع الإهمال الإداري بعض الأبطال إلى الرحيل؟

لا يمكن اختزال الأزمة في المال وحده. فالعلاقة بين اللاعب والمؤسسة الرياضية تقوم أيضًا على الثقة والاحترام والعدالة والشفافية.

عندما يشعر اللاعب بأن صوته لا يصل، أو أن شكواه لا تجد استجابة، أو أن فرص المشاركة والدعم لا تخضع لمعايير واضحة، فقد تتراكم داخله مشاعر الإحباط، خصوصًا إذا كان يعتقد أنه قدم الكثير دون أن يحصل على ما يستحقه من رعاية واهتمام.

وهنا يجب التمييز بين النقد المشروع والمبالغة في الاتهامات؛ فلا يصح اتهام اتحاد أو مسؤول بالتقصير دون أدلة، كما لا يصح تجاهل شكاوى اللاعبين دون فحص جاد.

المطلوب هو فتح الملفات، ومراجعة الميزانيات، وإعلان معايير الدعم والمكافآت، والتحقيق في كل شكوى موثقة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، أيًا كان موقعه.

فالمؤسسة الرياضية الناجحة لا تقاس فقط بعدد الميداليات التي تحصدها، بل بقدرتها على حماية الأبطال الذين يصنعون هذه الميداليات.

رابعًا: الأسرة التي تتحمل ثمن الحلم

وراء كل لاعب أسرة ربما أنفقت سنوات من عمرها وأموالها من أجل أن يصل ابنها إلى المنتخب.

أب يتحمل نفقات التدريب، وأم تساند ابنها نفسيًا، وأسرة تؤجل احتياجاتها حتى توفر للاعب أدواته ومستلزماته. ثم قد يجد هذا اللاعب نفسه أمام ضغوط مالية تجعله يشعر بأنه أصبح مسؤولًا عن إنقاذ أسرته بدلًا من التركيز على مستقبله الرياضي.

فهل من العدل أن تتحمل الأسرة وحدها فاتورة صناعة البطل، ثم نلوم اللاعب عندما يشعر بأن مستقبله ومستقبل أسرته مهددان؟

إن رعاية الرياضي ليست رفاهية، بل جزء من منظومة صناعة الإنجاز، تمامًا مثل المدرب والمعسكر والمعدات والمنافسات.

خامسًا: من المسؤول عن نزيف المواهب؟

المسؤولية هنا لا تقع على طرف واحد بالضرورة؛ بل يجب أن تُفحص أدوار جميع الأطراف:

* وزارة الشباب والرياضة: في وضع سياسات مستدامة لرعاية الأبطال، ومراقبة أداء الاتحادات، وتقييم أثر الإنفاق على اللاعبين.

* الاتحادات الرياضية: في تنظيم برامج الإعداد، وتوضيح الحقوق والالتزامات، والتعامل العادل مع الشكاوى، وتوفير الدعم وفق معايير معلنة.

* الأندية والمؤسسات الراعية: في المساهمة في توفير الموارد وفرص التدريب والعمل والرعاية.

* اللاعب نفسه: في الالتزام بالتعهدات والقوانين المنظمة للبعثات، واستخدام الطرق القانونية لحل النزاعات والحفاظ على حقوقه.

فمن الخطأ أن نحمل اللاعب وحده مسؤولية أزمة قد تكون لها جذور إدارية أو اقتصادية، ومن الخطأ أيضًا أن نعتبر كل مخالفة مقبولة لمجرد أن صاحبها يشكو من ظروف صعبة.

الحقوق لا تسقط بسبب الواجبات، والواجبات لا تسقط بسبب المطالبة بالحقوق.

سادسًا: ماذا نريد من الدولة؟

لا نريد بيانات تتكرر بعد كل واقعة، ثم ننتظر الحادثة التالية حتى يعود الملف إلى الواجهة. نريد حلولًا عملية يمكن قياس نتائجها ومحاسبة المسؤولين عنها.

أولًا، وضع حد أدنى واضح وشفاف للدعم المادي للاعبي المنتخبات، يراعي اختلاف الألعاب واحتياجات التدريب وتكاليف المعيشة.

ثانيًا، توفير تأمين صحي ورياضي حقيقي يغطي الإصابات والعلاج والتأهيل، مع وجود نظام دعم يضمن عدم ضياع مستقبل اللاعب إذا اضطر إلى التوقف عن المنافسة.

ثالثًا، إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى الرياضيين، تتيح لهم الإبلاغ عن المشكلات المالية والإدارية دون خوف من الانتقام أو الإقصاء.

رابعًا، نشر تقارير دورية توضح أوجه إنفاق موازنات الاتحادات، وحجم الدعم الذي يصل مباشرة إلى اللاعبين، ونتائج برامج الرعاية والتأهيل.

خامسًا، وضع خطة لمستقبل الأبطال بعد الاعتزال، من خلال التأهيل المهني والتعليم وفرص العمل والتدريب، حتى لا يشعر اللاعب بأن نهاية مسيرته الرياضية تعني بداية أزمة جديدة.

سادسًا، مراجعة إجراءات تنظيم البعثات والسفر والإشراف، مع احترام حقوق اللاعبين وكرامتهم، والتعامل مع كل واقعة وفق تحقيق عادل يحدد المسؤوليات بدقة.

سابعًا: هل الحل في العقاب أم في الإصلاح؟

العقاب وحده لا يصنع منظومة رياضية ناجحة، كما أن التعاطف وحده لا يحل الأزمة.

إذا ثبتت مخالفة قانونية أو إخلال بالتعهدات، فلا بد من تطبيق القواعد بعد تحقيق عادل. لكن إذا اكتشفنا في الوقت نفسه أن هناك خللًا في الدعم أو الرعاية أو الإدارة، فإن تجاهله يعني أننا نعالج النتيجة ونترك الأسباب كما هي.

فهل نكتفي بالبحث عن كيفية مغادرة اللاعب للبعثة، أم نسأل أيضًا عن الظروف التي سبقت قراره؟ وهل نراجع مسؤولية اللاعب فقط، أم نراجع كذلك مسؤولية المؤسسة التي تولت رعايته وإعداده؟

إن التحقيق الحقيقي لا يبحث عن كبش فداء لإغلاق الملف، بل عن الحقيقة لمنع تكرار الأزمة.

الخاتمة: لا تجعلوا الهجرة الرياضية حكمًا على مستقبل أبطالنا

مصر لا ينقصها الموهوبون، ولا تنقصها العقول القادرة على صناعة الأبطال، ولا تنقصها الطاقات التي تستطيع رفع علمها في المحافل الدولية. لكن الموهبة وحدها لا تكفي، والحماس الوطني وحده لا يدفع تكاليف التدريب والعلاج والمعيشة.

إن الحفاظ على أبطال مصر لا يتحقق بالمطالبة منهم بالولاء فقط، بل ببناء منظومة تجعلهم يشعرون بأن وطنهم يقدر تعبهم، ويحترم حقوقهم، ويقف إلى جوارهم في أوقات النجاح والإخفاق والإصابة.

لا نريد أن تصبح منصة التتويج بداية التفكير في الرحيل، ولا أن تتحول الميدالية المصرية إلى آخر ما يربط اللاعب بمنظومة لم يستطع أن يجد فيها الأمان الذي يبحث عنه.

نريد أن يكون رفع العلم المصري حلمًا قابلًا للاستمرار، لا لحظة مجد يعقبها خوف من المستقبل.

والسؤال الذي يجب أن يواجهه كل مسؤول عن الرياضة المصرية هو: كم بطلًا يجب أن نخسر قبل أن ندرك أن حماية اللاعب جزء من صناعة البطولة، وأن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في المنشآت والملاعب؟

إن الأوطان العظيمة لا تحافظ على أبطالها بالشعارات، بل بالعدل والرعاية والفرص الحقيقية. وإذا أردنا أن يظل أبطالنا تحت علم مصر، فعلينا أن نجعلهم يجدون في وطنهم مستقبلًا يستحق أن يقاتلوا من أجله في ميادين الرياضة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء