رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هناك مرحلة من العمر نكتشف فيها أننا منحنا الحياة كلها لأبنائنا، ولم نترك لأنفسنا منها إلا القليل… وربما لا شيء.

 

نركض من أجلهم، ونتعب لنراهم سعداء، نؤجل أحلامنا، ونخفي أوجاعنا، ونبتلع دموعنا حتى لا يشعروا بأننا متعبون. نمنحهم من أعمارنا يومًا بعد يوم، ونظن أن العمر طويل، وأن أمامنا متسعًا لنعيش لأنفسنا حين يكبرون ويستقلون بحياتهم.

 

لكننا لا ننتبه إلى أن العمر لا ينتظر أحدًا، وأن السنوات التي تمر ونحن نرعى أبناءنا لا تعود مرة أخرى.

 

وفجأة، نقف أمام المرآة، ونسأل أنفسنا في دهشة: متى تسلل كل هذا البياض إلى شعري؟ ومتى حفرت التجاعيد طريقها إلى وجهي؟ ومتى أصبحت تلك الملامح التي عرفتها شابةً مليئة بالأحلام، ملامح امرأة أنهكها الزمن؟

 

نلتفت إلى الخلف، فنكتشف أننا لم نشعر بسنوات العمر وهي تتسرب من بين أيدينا. كنا مشغولين بتجهيز حقائب المدرسة، ومتابعة الامتحانات، وعلاج المرض، وتوفير الاحتياجات، والفرح بالنجاح، والخوف من الفشل، ثم نكبر معهم عامًا بعد عام، حتى نجد أنفسنا فجأة أمام حقيقة لم نستعد لها: لقد كبر الأبناء، وكبرنا نحن أيضًا.

 

لقد انتهت مرحلة كانت فيها الحياة كلها تدور حولنا وحولهم، وبدأت مرحلة أخرى لم نعد نحن أبطالها الأساسيين.

 

يشق كل ابن طريقه، ويصبح له أصدقاؤه وأسراره، ثم يأتي الحبيب والزوج والأبناء، وتتشكل له حياة كاملة، لها أولوياتها ومسؤولياتها وانشغالاتها.

 

وهذا هو الطبيعي، بل هو ما تمنيناه لهم طوال العمر. أردناهم أقوياء، مستقلين، قادرين على مواجهة الحياة، ولم نربِّهم ليظلوا أسرى بجوارنا، بل ليقفوا على أقدامهم ويصنعوا مستقبلهم.

 

لكن ما لم يخبرنا به أحد أن نجاحنا في تربيتهم قد يترك في داخلنا فراغًا لا نعرف كيف نملؤه، وأن البيت الذي كان يضج بالحركة والأسئلة والطلبات قد يصبح هادئًا إلى حد يؤلم القلب.

 

نجد أنفسنا نعود إلى النقطة التي بدأنا منها؛ وحدنا مرة أخرى، لكننا هذه المرة نحمل أجسادًا أنهكها العمر، وظهرًا انحنى من كثرة ما حمل، وساقين لم تعودا تقويان على قطع المسافات كما كانتا تفعلان من قبل.

 

ويا للمفارقة!

حين كان أبناؤنا صغارًا، نحملهم على أذرعنا، ونسهر بجوار أسرّتهم، ونمشي بهم إلى المدارس والأطباء، كان ظهرنا قويًا، وكانت أرواحنا تستمد من وجودهم طاقة لا تنفد.

 

أما حين كبروا، وأصبح لكل منهم عالمه الخاص، بدأ الظهر ينحني، وثقلت الخطوات، وأصبح الطريق الذي قطعناه من أجلهم بسهولة يبدو طويلًا وشاقًا ونحن نسير فيه من أجل أنفسنا.

 

ليس لأن الأبناء بالضرورة جاحدون، ولا لأنهم لا يحبوننا، ولكن لأن الحياة تمضي، ولكل مرحلة مسؤولياتها، ولأن الحب لا يعني دائمًا أن يكون الإنسان حاضرًا في كل لحظة، ولأن ما ننتظره نحن من اهتمام قد لا يدرك الأبناء أننا في حاجة إليه.

 

وهنا تأتي الحقيقة التي يجب أن نتعلمها مبكرًا، قبل أن يسرق العمر ما تبقى منه:

لا تنتظروا من أبنائكم أن يردوا لكم العمر الذي منحتموه لهم، ولا تجعلوا عطـاءكم لهم دينًا تنتظرون سداده. اعملوا لوجه الله، وأحسنوا لأن المحبة في ذاتها عبادة، ولأن الخير الذي نفعله لا يفقد قيمته إذا لم يأتِ الرد بالصورة التي تمنيناها.

 

لا تربوا أبناءكم على الشعور بالذنب، ولا تذكروهم كل يوم بما فعلتموه من أجلهم، ولا تجعلوا تضحياتكم حبلًا يلتف حول أعناقهم. امنحوهم الحب دون شروط، وادعوا لهم بالتوفيق، وافرحوا بنجاحهم، حتى إن كان هذا النجاح يأخذهم إلى أماكن بعيدة عنكم.

 

لكن، وفي الوقت نفسه، لا تنسوا أنفسكم!

فأنتم أيضًا تستحقون الحياة، وتستحقون أن تكون لكم أحلام لم تتحقق بعد، وأصدقاء تحبون صحبتهم، وكتب تقرؤونها، وأماكن تزورونها، وأشياء صغيرة تسعد قلوبكم. لا تؤجلوا سعادتكم إلى أن يكبر الأبناء، ولا تجعلوا وجودهم المصدر الوحيد لمعنى حياتكم.

 

احتفظوا بشيء من أعماركم لأنفسكم، تعلموا شيئًا جديدًا، مارسوا هواية تحبونها، اعتنوا بصحتكم، واصنعوا لأنفسكم حياة لا تنهار بمجرد أن ينشغل الأبناء بحياتهم.

 

فبر الأبناء نعمة، وقربهم سعادة، واهتمامهم بوالديهم واجب أخلاقي وديني عظيم، لكن الحكمة أن نعطي دون أن نفقد ذواتنا، وأن نحب دون أن نربط سعادتنا بالكامل بتصرفات الآخرين.

 

أما أنا، فإذا سألتني اليوم: ماذا تتمنين بعد كل هذه السنوات؟

فسأجيبك بلا تردد: أتمنى أن أعيش ما تبقى من عمري بكرامة، وأن أظل قادرة على الوقوف، وأن أواجه الحياة بقوة ما استطعت، وألا أحمّل أحدًا عبء ضعفي أو أستجدي اهتمامًا لا يأتي من القلب.

 

أتمنى أن أموت واقفة على قدمي، لا أستند إلى كتف أحد، لا كراهيةً في أحد، ولا رفضًا لحب أبنائي، بل حفاظًا على كرامة امرأة أمضت عمرها تحاول أن تكون سندًا للجميع.

 

ومع ذلك، فإن القوة الحقيقية ليست في أن نرفض أيدي أبنائنا حين تمتد إلينا، ولا في أن نعتبر طلب المساعدة ضعفًا؛ فالإنسان يظل إنسانًا، مهما اشتد عوده، ومن حقه أن يحتاج إلى الحنان والرعاية. القوة أن نحتفظ بكرامتنا، وأن نقبل الحب حين يأتي، دون أن نجعل قيمتنا مرهونة به.

 

يا كل أب وأم، أعطوا أبناءكم من الحب ما استطعتم، ولكن لا تنسوا أن لكم حقًا في الحياة أيضًا. لا تنتظروا المقابل، ولا تحاسبوا أبناءكم على كل تضحية، ولا تجعلوا سنوات العمر التي منحتموها لهم سببًا في مرارة ما تبقى لكم.

 

اعملوا لوجه الله، وازرعوا الخير، واتركوا لهم حرية الحياة، واحتفظوا لأنفسكم بمساحة من الفرح والأمل.

 

فالأبناء ليسوا ملكية خاصة، ولا ضمانًا ضد الوحدة، ولا عقدًا يلزمهم بأن يعيشوا أعمارهم كما نريد. إنهم أمانة نرعاها حتى تقوى على السير، ثم ندعو الله أن يحفظها في الطريق.

 

وفي النهاية، لعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه بعد رحلة العمر كلها أن نقول:

لقد أحببتكم بصدق، وأعطيتكم ما استطعت، ولم أندم على خير قدمته لكم، لكنني تعلمت أخيرًا ألا أنسى نفسي وأنا أحبكم.

 

فالعمر الذي مضى لن يعود، والسنوات التي أكلها الانتظار لن تستردها دمعة، وما تبقى لنا من أيام يستحق أن نعيشه بسلام، ورضا، وكرامة، وقلب لا يحمل ضغينة لأحد.

 

اللهم ارزق كل أب وأم برّ أبنائهم، وراحة قلوبهم، وحسن خاتمتهم، واجعل ما قدموه من حب وتعب في ميزان حسناتهم.

 

فالذي يعطي لوجه الله لا يخسر، والذي يحب بصدق لا يندم على إحسانه، والذي يتعلم أن يحب الآخرين دون أن ينسى نفسه، هو الأقدر على إكمال الطريق.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء