النصر لم يبدأ يوم 6 أكتوبر.. وإنما بدأت قصته يوم قررت مصر أن تمحو آثار الهزيمة.
هناك انتصارات تبدأ بصافرة المعركة، وهناك انتصارات تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين يرفض وطن أن يعيش أسيرًا لهزيمة.
ونصر أكتوبر 1973 لم يكن لحظة منفصلة عن التاريخ، ولم يولد فجأة في السادس من أكتوبر، وإنما كان ثمرة طريق طويل بدأ بعد نكسة يونيو 1967، وتداخلت فيه أدوار قيادات سياسية وعسكرية وأجيال من المقاتلين.
وهنا يأتي الدور التاريخي للرئيس جمال عبد الناصر.
عبد الناصر.. مرحلة استعادة القدرة والثقة
بعد نكسة يونيو، كانت مصر أمام مهمة تبدو شديدة الصعوبة: إعادة بناء القوات المسلحة، واستعادة الروح المعنوية، وإثبات أن الهزيمة ليست نهاية التاريخ.
بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة، وإعادة تنظيمها وتدريبها، بالتوازي مع خوض حرب الاستنزاف التي امتدت من 1967 إلى 1970.
ولم تكن حرب الاستنزاف مجرد معارك متفرقة، وإنما كانت مدرسة قتالية حقيقية للمقاتل المصري، ساعدت على استعادة الثقة واكتساب الخبرة، كما ساهمت في تطوير منظومة الدفاع الجوي وإعادة بناء القوات الجوية والقوات المسلحة عمومًا.
ومن المهم هنا أن نقول بوضوح: عبد الناصر لم يحقق نصر أكتوبر لأنه رحل قبل الحرب بثلاث سنوات، لكنه وضع جزءًا أساسيًا من الأرضية التي بُني عليها النصر.
لقد ترك للقائد الذي جاء بعده جيشًا كان قد بدأ يستعيد عافيته، وخبرة قتالية تراكمت على الجبهة، وإرادة وطنية لم تقبل أن تصبح سيناء أمرًا واقعًا.
وتشير وثائق رئاسة الجمهورية إلى أن مرحلة ما بعد 1967 شهدت بناء القوات المسلحة والاستعدادات العسكرية فيما سُمي بحرب الاستنزاف، وأن السادات تابع بعد ذلك مسيرة الكفاح واسترداد الأرض حتى تحقق النصر.
السادات.. من إعداد القوة إلى قرار الحرب
ثم جاء أنور السادات.
وهنا انتقلت مصر من مرحلة إعادة البناء والاستنزاف إلى مرحلة اتخاذ القرار التاريخي بالحرب.
السادات أدرك أن استمرار الوضع بعد 1967 ليس حلًا، وأن استرداد الأرض يحتاج إلى قرار سياسي وعسكري بالغ الصعوبة.
وفي 6 أكتوبر 1973، تحول الإعداد الطويل إلى فعل عسكري غير مسبوق: عبرت القوات المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وأقامت رؤوس الكباري على الضفة الشرقية، وكسرت الصورة التي أراد الاحتلال أن يفرضها عن استحالة عبور القناة.
وهنا يجب أن يُنسب الفضل إلى صاحبه:
السادات هو صاحب قرار الحرب وقائد الدولة في لحظة الحرب، ولذلك ارتبط اسمه ارتباطًا تاريخيًا بنصر أكتوبر.
لكن القرار وحده لا يصنع نصرًا؛ فالقرار يحتاج إلى جيش جاهز، وتخطيط، وقيادة، ومقاتل مؤمن بقضيته.
وماذا عن حسني مبارك؟
عندما نتحدث عن أكتوبر، لا يصح أن نتجاوز دور محمد حسني مبارك.
فمبارك كان قائد القوات الجوية المصرية أثناء حرب أكتوبر 1973، وكان جزءًا من القيادة العسكرية التي نفذت واحدة من أهم مراحل الحرب، وهي الضربة الجوية الافتتاحية. وتؤكد صفحة الرئاسة المصرية الخاصة به توليه قيادة القوات الجوية أثناء الحرب.
وقد لعبت القوات الجوية دورًا مهمًا في بداية المعركة، إذ استهدفت الضربة الجوية أهدافًا عسكرية إسرائيلية في سيناء المحتلة، وأسهم نجاحها في إرباك العدو وتهيئة الظروف لبدء العمليات البرية.
ومن هنا فإن وضع مبارك في الصورة ليس مجاملة سياسية ولا محاولة لإعادة كتابة التاريخ، بل هو توثيق لدوره العسكري قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية.
ثلاثة أسماء.. ولكن البطولة لم تكن لأشخاص فقط
عبد الناصر وضع لبنة إعادة البناء وخاض حرب الاستنزاف.
السادات اتخذ قرار الحرب وقاد الدولة في معركة استرداد الأرض.
ومبارك، بصفته قائدًا للقوات الجوية، كان أحد القادة العسكريين الذين شاركوا في تنفيذ الضربة الجوية في بداية المعركة.
لكن خلف هؤلاء جميعًا كان هناك الجندي المصري.
كان هناك الضابط والطيار والمهندس ورجل الدفاع الجوي ورجل البحرية ورجل الصاعقة والمشاة والمدرعات، وكل من شارك في صناعة ذلك اليوم.
ولذلك فإن اختزال أكتوبر في اسم واحد يظلم الحقيقة التاريخية.
أكتوبر كان سلسلة متصلة من العمل: إعادة بناء، واستنزاف، وتدريب، وتخطيط، وقرار، وتنفيذ، وتضحيات.
عبد الناصر بدأ الطريق.. والسادات عبر به إلى النصر
وربما تكون العبارة الأكثر إنصافًا للتاريخ:
لم يحارب عبد الناصر حرب أكتوبر، لكنه ساهم في إعداد الطريق إليها.
ولم يكن السادات مجرد رئيس يوم العبور، بل كان صاحب قرار الحرب وإدارة الدولة في لحظة المواجهة.
ولم يكن مبارك رئيسًا للجمهورية وقتها، بل كان قائدًا للقوات الجوية وأحد رجال المعركة العسكريين.
وهكذا يصبح أكتوبر أكبر من الخلافات السياسية التي جاءت بعده.
فحين نتحدث عن نصر أكتوبر، فإننا نتحدث عن مصر.
مصر التي رفضت الهزيمة، وبنت جيشها من جديد، وخاضت حرب الاستنزاف، ثم عبرت القناة في السادس من أكتوبر لتثبت للعالم أن الشعوب التي تتمسك بأرضها وكرامتها تستطيع أن تحول أصعب الهزائم إلى أعظم الانتصارات.
رحم الله جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وكل شهداء مصر، وحفظ أبطال قواتنا المسلحة، ورحم من رحل من قادة أكتوبر، وحفظ مصر وجيشها وشعبها.
ويبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على حقيقة لا تتغير:
الأرض لا تسترد بالأماني.. وإنما بالإرادة والعلم والتخطيط والتضحية.