مدارس وأنشطة تجارية بلا تراخيص تطرح سؤالًا مشروعًا: أين الرقابة؟ ومن يحاسب المقصر؟
ليست المشكلة في جنسية صاحب المدرسة أو المحل أو المطعم، وليست في وجود أبناء أي جالية على أرض مصر؛ فمصر دولة قانون، والقانون يجب أن يُطبَّق على الجميع دون تمييز. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول غياب الرقابة إلى باب مفتوح لممارسة نشاط تعليمي أو تجاري دون ترخيص، أو دون استيفاء اشتراطات السلامة والصحة العامة.
وفي مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة، مثل عين شمس وفيصل ومدينة نصر، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تمر الجهات المختصة بصورة منتظمة على الأنشطة الموجودة بالفعل على الأرض؟ وهل كل مدرسة أو مركز تعليمي أو مطعم أو محل يعمل بمستندات قانونية واضحة؟ ومن المسؤول إذا استمر نشاط مخالف رغم وجوده أمام أعين الجميع؟
واللافت أن الأجهزة المحلية نفسها تعلن من وقت لآخر عن حملات لضبط المخالفات. ففي حي عين شمس، أعلنت المحافظة خلال يونيو 2026 عن حملات رقابية وإزالة مخالفات، كما سبق للحي أن أعلن عن غلق محال تُدار دون ترخيص. وفي شرق مدينة نصر، أعلنت المحافظة في يونيو 2026 عن غلق وتشميع مطعم يعمل دون ترخيص، مع ضبط أغذية ولحوم مجهولة المصدر بمعرفة هيئة سلامة الغذاء.
أما في نطاق فيصل والهرم، فقد أعلنت محافظة الجيزة، في حملات سابقة، عن غلق منشآت ومطاعم وأنشطة تعمل دون تراخيص، وعن حملات شملت مناطق المريوطية وفيصل واللبيني وكفر طهرمس.
إذن، القضية ليست اختراع مخالفات من فراغ، وإنما السؤال هو: هل الرقابة مستمرة أم موسمية؟ وهل يتم التأكد من عدم عودة النشاط بعد الغلق؟
المدرسة ليست شقة عادية
وجود مدرسة أو مركز تعليمي داخل عقار سكني ليس مجرد لافتة تُعلَّق على باب. هناك اشتراطات تتعلق بالمكان والسلامة والكثافة والإدارة والعاملين والجهة التعليمية المختصة.
وقد ظهرت بالفعل تقارير حديثة تتناول ظاهرة ما يسمى «مدارس الشقق» في فيصل، مع التمييز بين مدارس سودانية معتمدة وأخرى محل مخالفات أو إجراءات تنفيذية؛ وبالتالي لا يجوز وضع جميع المدارس السودانية في سلة واحدة، أو اتهامها بالمخالفة لمجرد انتمائها إلى جالية معينة.
لكن، في المقابل، أي مؤسسة تعليمية غير مرخصة يجب أن تخضع للفحص والتحقق، أياً كانت جنسيتها أو الجهة التي تديرها.
الصحة العامة ليست مجالًا للشائعات
أما الحديث عن انتشار أمراض خطيرة بين جنسية بعينها، فيجب ألا يتحول إلى اتهامات جماعية بلا بيانات رسمية. لا يجوز علميًا ولا إنسانيًا ربط مرض مثل الإيدز بجنسية أو شعب بأكمله.
لكن هذا لا يعني إطلاقًا التساهل في الاشتراطات الصحية.
فوزارة الصحة لديها أجهزة مختصة بمكافحة الأمراض المعدية والترصد للأمراض الوبائية، كما أن معاملها المركزية تقوم بدور أساسي في مكافحة الأمراض المعدية والكشف عن مسببات الفاشيات، إضافة إلى فحص الأغذية والمياه.
ومن هنا يكون السؤال الصحيح: هل تتم الرقابة الصحية الدورية على أماكن إعداد الطعام وتداوله؟ وهل يتم التأكد من سلامة الأغذية والمياه والنظافة العامة؟
هذه أسئلة مشروعة تمامًا، ويجب أن تكون الإجابة عنها بالأرقام والمحاضر ونتائج التفتيش، لا بالشائعات ولا بالاتهامات الجماعية.
أين مسؤولية الأحياء؟
المواطن لا يطلب المستحيل.
هو يريد أن يعرف أن المحل الذي يشتري منه طعامه مرخص، وأن المدرسة التي يرسل إليها أبناءه مستوفية للاشتراطات، وأن المنشأة التي تقدم خدمة للجمهور تخضع للرقابة، وأن المخالفة إذا اكتُشفت لا تعود للعمل بعد أيام وكأن شيئًا لم يحدث.
لذلك نطالب بـ:
أولًا: حصر شامل للمدارس والمراكز التعليمية التي تعمل داخل الأحياء، وإعلان موقفها القانوني للجهات المختصة.
ثانيًا: مراجعة تراخيص المطاعم والمحلات والمنشآت الغذائية، مع تشديد الرقابة على مصادر الأغذية وسلامتها.
ثالثًا: عدم الاكتفاء بحملات الغلق، وإنما متابعة المنشأة بعد الغلق للتأكد من عدم إعادة فتحها بالمخالفة للقانون.
رابعًا: فتح تحقيق إداري في أي حالة يثبت فيها أن نشاطًا مخالفًا استمر لفترة طويلة دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
خامسًا: محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره أو تستره أو امتناعه عن أداء واجبه، لكن بناءً على تحقيق وأدلة، وليس على مجرد الاتهام.
سادسًا: التعامل مع المخالف باعتباره مخالفًا للقانون، وليس باعتباره مصريًا أو سودانيًا أو يمنيًا أو من أي جنسية أخرى؛ فالقانون لا جنسية له.
نريد دولة تراقب قبل أن تقع الكارثة
الرقابة الحقيقية ليست صورة لحملة تُنشر على صفحة الحي، ثم تختفي بعدها المشكلة.
الرقابة الحقيقية هي أن يعرف المخالف أن هناك عينًا تتابعه، وأن الموظف يعرف أن تقصيره سيُحاسَب عليه، وأن المواطن يعرف أن شكواه لن تضيع بين المكاتب.
مصر ليست ضد أحد، لكنها أيضًا ليست دولة بلا قانون.
ومن حق المواطن المصري أن يسأل: من سمح؟ ومن راقب؟ ومن قصّر؟
وإذا ثبت أن هناك منشآت تعمل بلا ترخيص أو تخالف اشتراطات التعليم أو الصحة أو السلامة، فالمطلوب ليس بيانات إنشائية ولا حملات مؤقتة، وإنما تطبيق القانون ومحاسبة المخالف، ومساءلة كل مسؤول يثبت تقصيره في أداء واجبه.
فالسكوت عن المخالفة ليس تسامحًا دائمًا، وأحيانًا يكون تقصيرًا في حق المواطن والدولة معًا.

