هل تقترب فرنسا من حرب أهلية؟ احتجاجات دامية تكشف عمق الانقسام
لم تعد الأزمة التي تشهدها فرنسا تقتصر على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة ونقص المدرسين، بل باتت تثير مخاوف أوسع بشأن اتساع الانقسام داخل المجتمع وقدرة الدولة على احتواء الغضب الشعبي قبل تحوله إلى مواجهات مفتوحة.
أعمال الشغب والنهب

ومع تصاعد أعمال الشغب والحرائق والنهب خلال احتجاجات 17 أكتوبر، عاد الحديث عن احتمال انزلاق البلاد نحو صراع داخلي، بعدما حذر الفيلسوف السياسي بيير هنري تافايو من أن فرنسا «تقترب من شيء من هذا القبيل»، في إشارة إلى الحرب الأهلية.
وجاء التحذير في مقابلة أجراها تافايو، رئيس «كلية الفلسفة» في باريس، مع مجلة «لو بوان»، إذ رأى أن المشهد الفرنسي بات يتسم بوجود قراءتين متناقضتين للواقع وعلاقتين مختلفتين جذرياً بالعنف، بما يعكس اتساع الهوة بين المعسكرات السياسية والاجتماعية.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحذير أن فرنسا باتت على أعتاب حرب أهلية بالمعنى العسكري المباشر، إذ لا تزال مؤسسات الدولة قائمة، ولا توجد جبهتان مسلحتان منظمتان أو انقسامات إقليمية تحول دون ممارسة السلطات مهامها. لكن تصاعد العنف وتراجع الثقة السياسية يطرحان تساؤلات جدية بشأن قدرة النظام السياسي على إدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمة أعمق.
مشاهد من العنف والفوضى

كشفت احتجاجات 17 أكتوبر عن مشهد مركب، لم يكن جميع المشاركين فيه جزءاً من حركة واحدة أو أصحاب أهداف متطابقة. فبحسب تغطية صحيفة «لوموند»، خرج عشرات الآلاف في مسيرات سلمية للمطالبة بزيادة أعداد المدرسين وإصلاح المدارس، فيما انضم إليهم أولياء أمور ومعلمون وعمال ومتقاعدون للتعبير عن استيائهم من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الأوضاع الاجتماعية.
وفي موازاة هذه التحركات، شهدت مناطق أخرى أعمال عنف شملت إغلاق الطرق وإحراق الحواجز والاشتباك مع الشرطة، قبل أن تستغل مجموعات من اللصوص حالة الاضطراب لنهب المتاجر والمحال التجارية.
وأمام هذا المشهد، سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الفصل بين الاحتجاجات السلمية وأعمال التخريب، مؤكداً أن الدولة مطالبة بالاستجابة لمطالب المواطنين، لكنها لن تساوي بين أصحاب المطالب المشروعة ومن تورطوا في التحطيم والنهب.
كما تعهد بملاحقة المتورطين في أعمال التخريب، وأشار إلى إمكانية منع بعض التجمعات بقرارات من المحافظين عندما تقتضي الضرورة ذلك، في محاولة لاستعادة السيطرة الأمنية من دون التخلي عن التعامل مع المطالب الاجتماعية.
حدود الاحتجاج التقليدي
لكن حجم الأحداث كشف عن تداعيات تتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي. فقد أفادت قناة «فرانس 24» بأن عدد الموقوفين اقترب من 2400 شخص، بينهم 855 في باريس وحدها، فيما أصيب نحو ألف من عناصر الشرطة والدرك، من بينهم سبعة في حالة خطرة، وفق بيانات وزارة الداخلية الفرنسية.
وطالت الأضرار مئات المنشآت والمتاجر، بينما فقد مراهق في مدينة سانت إتيان يده جراء قنبلة صوتية استُخدمت في عمليات السيطرة على الحشود.
وأكدت «لوموند» حصيلة التوقيفات، مشيرة إلى اعترافات رسمية بوجود أوجه قصور في جمع المعلومات الاستخباراتية والاستعداد المسبق للتعامل مع الاحتجاجات.
وفي حادث منفصل بمدينة نانت، لقي شرطي مساعد يبلغ من العمر 22 عاماً مصرعه بعدما صدمته سيارة خلال تدخل أمني على الطريق الدائري، وفق صحيفة «ويست فرانس»، فيما فتحت النيابة تحقيقاً في الواقعة بتهمة القتل غير العمد.
إخفاق أمني أم سوء تقدير سياسي؟

أعادت التطورات الأخيرة فتح النقاش بشأن قدرة الحكومة الفرنسية على قراءة التحركات الشعبية والتعامل مع تداعياتها. وتواجه حكومة سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز ضغوطاً متزايدة، على خلفية اتهامات بالتقليل من حجم الاحتجاجات الطلابية، وعدم الاستعداد الكافي لمواجهة مشهد جمع بين مسيرات معلنة ومجموعات عنيفة متحركة وعمليات نهب استغلت الفوضى.
ونقلت مجلة «لو بوان» عن مسؤولين ومنتقدين أن القدرات الأمنية لم تكن متناسبة مع حجم التحديات التي واجهتها السلطات، فيما رأى مسؤول محلي أن القيادة السياسية لم تحدد منذ البداية ما إذا كانت تتعامل مع أزمة اجتماعية تستوجب حواراً سياسياً، أم مع تهديد أمني يتطلب إجراءات استثنائية.
وفي تطور لافت، أقر وزير الداخلية لوران نونيز بتحمله المسؤولية عن أداء قوات الأمن، معترفاً بأن السيطرة فُقدت في بعض المدن يوم السبت، وأن حجم المشاركة ومجموعات النهب ونشاط عناصر من اليسار المتطرف تجاوز التقديرات الأمنية المسبقة.
وعلى خلفية هذه التطورات، قدم نونيز استقالته إلى الرئيس ماكرون، لكن الأخير رفضها، مبرراً قراره بضرورة استمرار القيادة الأمنية في أداء مهامها خلال المرحلة الراهنة. كما طلب من الوزير إعداد أساليب ميدانية جديدة للتعامل مع اللصوص ومثيري الشغب.
ولم تقتصر الانتقادات على وزارة الداخلية الفرنسية، إذ قال وزير العدل جيرالد دارمانان إن الدولة أخفقت في جمع المعلومات، وهو اعتراف يضعف الاكتفاء بتفسير أعمال العنف باعتبارها نتيجة لتحركات مجموعات من اليسار المتطرف أو مجرمين استغلوا الاحتجاجات.
وتكشف هذه التصريحات عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في احتمال وجود خلل في تقدير حجم الغضب الاجتماعي والاستعداد لتداعياته، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مسؤولية المؤسسات السياسية والأمنية عن منع تحول الاحتجاجات إلى موجة اضطرابات يصعب احتواؤها.
أسباب الأزمة وسبل معالجتها
في خضم الجدل حول المسؤولية عن أعمال الشغب، تصاعدت الخلافات بين الحكومة والمعارضة، بالتزامن مع دعوات إلى معالجة المطالب الاجتماعية وعدم اختزال المشهد في المواجهة الأمنية.
وقال عمدة مدينة ليون، غريغوري دوسيه، في تصريحات لصحيفة «لوموند»، إن الحكومة تحتاج إلى تقديم «رد سياسي» على مطالب المحتجين السلميين، بالتوازي مع دراسة جذور العنف والابتعاد عن الأحكام المسبقة والصور النمطية.
واعتبر دوسيه أن المجتمع الفرنسي يعاني استقطاباً حاداً، وأن الخطاب السياسي قد يسهم في تعميق الانقسام، بما يجعل خفض التصعيد أكثر صعوبة. ودعا إلى اتخاذ خطوات ملموسة على مستوى الدولة للاستجابة للمطالب الاجتماعية واستعادة الثقة.
أما عمدة مرسيليا الاشتراكي بنوا بايان، فأشار إلى أن مجموعات من مثيري الشغب هاجمت مباني تابعة للدولة من دون تقديم مطالب واضحة، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة مراجعة أساليب الشرطة والتساؤل بشأن مدى ملاءمتها للتعامل مع الاحتجاجات.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى المؤسسات التشريعية، إذ أفادت «لوموند» بأن رئيسة الجمعية الوطنية يائيل براون-بيفيه ستقترح تشكيل لجنة تحقيق برلمانية لكشف ملابسات أعمال العنف والنهب، وفحص أساليب حفظ النظام وما قد يكون شابها من اختلالات.
ويمثل هذا التحرك محاولة لنقل النقاش من تبادل الاتهامات إلى فحص الوقائع وتحديد المسؤوليات، لكنه لا يحسم مسبقاً ما إذا كانت الأزمة ناجمة أساساً عن ضعف الاستعداد الأمني، أم عن عنف مجموعات استغلت الاحتجاجات، أم عن تداخل العاملين معاً.
في المقابل، اتهمت قوى اليمين واليمين المتطرف الحكومة بالعجز عن فرض النظام، وطالب بعض السياسيين بإقالة وزير الداخلية أو اتخاذ إجراءات استثنائية. ووصفت مارين لوبان السلطة في عهد ماكرون بأنها «منهكة ومضطربة»، فيما اتهم جان لوك ميلونشون الحكومة بالفشل التنظيمي الذي أتاح اتساع الفوضى.
ورد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على الانتقادات بالقول إن تحميل الشرطة مسؤولية العنف يمثل «قلباً خطيراً للمسؤوليات»، في موقف يعكس حجم التباعد بين الأطراف السياسية بشأن تفسير الأحداث، وحدود مسؤولية الدولة عنها.
وبينما يركز فريق على ضرورة استعادة الأمن ومحاسبة المتورطين في التخريب، يشدد آخرون على أن المعالجة الأمنية وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع استجابة سياسية واجتماعية للأسباب التي دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى الاحتجاج.
وحدة المجتمع الفرنسي
تتجاوز المخاوف التي أثارها تافايو حدود المواجهات في الشوارع، لتصل إلى الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، التي يرى أنها قد تتحول من وسيلة لحسم الخلافات السياسية إلى عامل إضافي لتوسيع الانقسام.
وتكمن خطورة المرحلة، وفق هذا التصور، في أن الأزمة لا تتعلق فقط بالمطالب الاجتماعية أو مستوى الخدمات العامة، بل تمتد إلى مدى قبول القوى السياسية والمجتمعية بقواعد المنافسة الديمقراطية ونتائجها.
فحين يتحول الاحتجاج من وسيلة للتعبير عن الرفض والمطالبة بالتغيير إلى أداة لفرض الإرادة بالقوة، تصبح المؤسسات الانتخابية نفسها عرضة للضغط، خصوصاً إذا بدأت أطراف سياسية في التعامل مع العنف بوصفه امتداداً للصراع الانتخابي.
ويحذر تافايو من أن بعض القوى قد تتعامل مع أعمال العنف باعتبارها جزءاً من المواجهة السياسية، الأمر الذي يزيد صعوبة الفصل بين الاحتجاج المشروع ومحاولات فرض المواقف بالقوة. وإذا استمر هذا المسار، فقد تصبح الانتخابات المقبلة محاطة بمناخ من الخوف والشك، لا سيما إذا رفض أحد المعسكرات مسبقاً الاعتراف بشرعية النتائج.
ومع ذلك، لا يقدم الفيلسوف الفرنسي الوقائع الراهنة دليلاً حاسماً على أن البلاد تتجه حتماً نحو حرب أهلية. فاندلاع حرب من هذا النوع يتطلب عادة تبلور معسكرات متعادية قادرة على خوض مواجهة منظمة، أو انهياراً مؤسسياً واسعاً، أو انقساماً جغرافياً يحد من قدرة الدولة على أداء وظائفها؛ وهي مؤشرات لا تثبت الأحداث الحالية تحققها.
لكن غياب هذه المؤشرات لا يلغي خطورة الأزمة، إذ إن تصاعد الاستقطاب وتراجع الثقة بالمؤسسات وتكرار المواجهات العنيفة قد تهيئ بيئة أكثر هشاشة، يصعب فيها التوصل إلى حلول توافقية أو احتواء الأزمات المقبلة.
هل تستطيع فرنسا تجنب السيناريو الأسوأ؟
لا يتوقف مستقبل الأزمة الفرنسية على قدرة الشرطة على استعادة السيطرة في الشوارع فحسب، بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد المؤسسات السياسية لمعالجة جذور الغضب، واستعادة الثقة العامة، ووضع حدود واضحة تفصل بين الحق في الاحتجاج واستخدام العنف.
وفي هذا السياق، يطرح تافايو ضرورة إعادة بناء ما وصفه بـ«التشخيص المشترك» للواقع الفرنسي، بما يسمح للأطراف المختلفة بالاتفاق على فهم الحد الأدنى لأسباب الأزمة وطبيعتها، بدلاً من الاستمرار في تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنها.
ويتطلب ذلك، وفق هذا المنظور، محاسبة المسؤولين سياسياً عن أوجه القصور، ومراجعة أداء المؤسسات الأمنية، إلى جانب الاستجابة للمطالب الاجتماعية التي خرج المحتجون للتعبير عنها، كما يستدعي من القوى السياسية تجنب تحويل كل أزمة إلى مواجهة انتخابية صفرية لا تقبل التراجع أو التسوية.
وتبقى القاعدة الأساسية التي يطرحها التحذير واضحة: الاحتجاج حق ديمقراطي، لكن العنف لا يمكن أن يحل محل الحوار والإقناع والانتخاب.
وبينما لا توجد أدلة كافية للقول إن فرنسا تقف بالفعل على أعتاب حرب أهلية، فإن الاحتجاجات الأخيرة كشفت عن انقسام عميق واختبار صعب لقدرة الدولة على إدارة الخلافات. وسيعتمد مسار المرحلة المقبلة على ما إذا كانت باريس ستنجح في تحويل الأزمة إلى فرصة للإصلاح واستعادة الثقة، أم أن استمرار الاستقطاب سيجعل كل مواجهة جديدة أكثر خطورة من سابقتها.





