رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أسرار استهداف الدولة المصرية ..بين خذلان الشقيق وتربص العدو وتقلبات الحليف..

توقفت أمام الكثير من المواقف التي تحدث على الساحة، من الصديق والجار الذي تجمعنا به وحدة الدم، والعدو الذي أعرف مدى تربصه وخداعه، والحليف الذي ربما تختبر المواقف صدق تحالفه ونقاء مقاصده؛ لأكتشف أننا نعيش حقبة فارقة تتكشف فيها الأقنعة وتسقط فيها الشعارات.
فبين خذلان شقيق يؤلم الروح، وتربص عدو لا يترك فرصة إلا واغتنمها، وحليف قد تتبدل بوصلته وتقلبه وفق المصالح الضيقة، تجد مصر نفسها دائماً في اختبار صعب للضمير الإنساني والصلابة الاستراتيجية.
لعل هذا المشهد المعقد يدفعنا للتوقف مطولاً لنسأل: لماذا تستهدف مصر وحدها في كل هذا الصخب؟ ولماذا باتت في مرمى المؤامرات تارة من القريب والحليف وتارة من الغريب؟
حين نتأمل أدوات هذا الاستهداف، تبرز على السطح سياسات مشبوهة وصفقات تمويل طائلة بالمليارات، تُضخ تارة لدعم مشروعات وتوجهات تؤثر على مسار التنمية في مصر وتعطل جهود بنائها، وتارة أخرى لدعم مليشيات مسلحة هدفها الرئيس إشعال المنطقة وتهديد الأمن القومي المصري في عمقها ومحيطها المباشر. بل وكانت تتوالى تلك المليارات لتمويل مخططات زعزعة الداخل المصري ودعم الإرهاب بغية هدم الاستقرار، وهو اختبار قاسٍ رأيناه بوضوح خلال الفترة الماضية، ونحمد الله أن مصر انتصرت فيه على الإرهاب بفضل وعي أبنائها وصلابة مؤسساتها وجيشها.
إن طرح هذين السؤالين يلامس جوهر الجيوبوليتكا العالمية وصراع الإرادات في الشرق الأوسط، فمصر ليست دولة عادية في خريطة العالم، فحجمها وموقعها وتاريخها ودورها الوظيفي يجعلها دائماً في عين العاصفة ومرمى للضغوط والمخططات.
والإجابة الجذرية عن أسباب الاستهداف الجيوسياسي والاستراتيجي تكمن في عبقرية المكان وطبيعة الدور؛ إذ تمتلك مصر مقومات فريدة تجعلها رمانة الميزان في المنطقة، وهناك أسباب رئيسية لتعرضها المستمر للاستهداف تبدأ من موقعها الجغرافي المتحكم في شرايين التجارة العالمية، بوصفها الجسر الرابط بين قارات العالم القديم، وتحكمها بأهم شريان ملاحي تجاري واقتصادي في العالم وهو قناة السويس، فضلاً عن امتداد سواحلها على البحرين الأحمر والمتوسط، حيث إن السيطرة على مصر أو إضعافها يعني بالضرورة التحكم في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية وهو هدف أصيل للقوى الطامحة للهيمنة.
ويضاف إلى ذلك الكتلة الحرجة والديموغرافيا وقوة الشعب؛ إذ تعد مصر أكبر تجمع سكاني عربي وتتميز بنسيج بشري واعٍ وممتد الجذور تاريخياً وثقافياً بمنأى عن العصبيات الضيقة والتعصب الطائفي الذي يعصف بالآخرين، وهذا الثقل الديموغرافي يمنحها وزناً نوعياً لا يمكن تجاوزه، فإضعاف مصر أو محاولة تفتيت لحمتها الوطنية يُعد الجائزة الكبرى لأي مشروع هادف لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتقسيم دوله إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة، فضلاً عن كونها حائط الصد الأخير أمام مشاريع الفوضى والتقسيم على مدار التاريخ الحديث، وخصوصاً وسط العواصف والأزمات التي ضربت الإقليم منذ عام 2011 وما سُمي بـ"الربيع العبري" الذي أراد النيل من أرض الكنانة، حيث ظلت مؤسسات الدولة المصرية الصلبة وفي مقدمتها القوات المسلحة هي الملاذ والركيزة الأساسية التي منعت انهيار الدولة الوطنية المصرية، وإن استهداف مصر هو محاولة لكسر هذا الدرع الأخير لتسهيل ابتلاع المنطقة بالكامل كما حدث في العراق وسوريا.
كما تمتلك مصر موارد طبيعية متنوعة وموقعاً فريداً لإنتاج الطاقة من طاقات متجددة وغاز طبيعي في شرق المتوسط، فضلاً عن كونها بوابة القارة الأفريقية وكنزها الاستراتيجي، وهو ما يجعلها محط طامعي النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي.
أما عن طبيعة التهديدات وأدوات الضغط المعاصرة التي تجعل مصر في مرمى المؤامرات، فلم تعد المؤامرات الحديثة تقتصر على الغزو العسكري المباشر، بل تطورت إلى حروب الجيل الرابع والخامس والضغوط غير التقليدية التي تستهدف الدولة من داخلها، وقد زادت حدة هذه المخططات لعدة أسباب في مقدمتها رفض التبعية وتبني قرار وطني مستقل، حيث تخوض مصر مساراً صعباً نحو الاستقلالية في قرارها السياسي والاقتصادي، وترفض الانخراط في المحاور الإقليمية الهادفة للهيمنة أو القبول بالحلول التي تنتقص من حقوقها التاريخية مثل قضايا الأمن القومي المائي وتصفية القضية الفلسطينية وأمن الحدود والسيادة في ليبيا والسودان، وهذا الرفض يزعزع مخططات قوى كبرى وإقليمية تسعى لفرض وصايتها.
وتعمل الدوائر المعادية على محاربة استقرار الجبهة الداخلية لأنها تدرك أن قوة مصر تبدأ من تماسك جبهتها الداخلية وتحالف شعبها مع مؤسساته، لذا تركزت نسبة كبرى من المؤامرات على الحرب النفسية والسيبرانية ونشاط الجيل الرابع عبر بث الشائعات وتأجيج الفتن واستغلال التحديات الاقتصادية المؤقتة لتأليب الرأي العام بهدف إسقاط الثقة بين المواطن ودولته وتكرار سيناريوهات الفوضى الهدامة.
وتجد مصر نفسها محاطة بحزام ملتهب من الأزمات على كافة اتجاهاتها الاستراتيجية، ففي الشرق تتطور القضية الفلسطينية ومحاولات تصفيتها وفرض التهجير القسري للأخوة في فلسطين المحتلة على حساب الأمن القومي المصري، وفي الجنوب تشتعل الأزمة السودانية ومخاطر تفكك الدولة الشقيقة على الحدود، وفي الغرب تتواصل الفوضى في ليبيا وتمدد الميليشيات والجماعات الإرهابية وتهريب السلاح وصولاً إلى تحديات ترسيم الحدود البحرية، ناهيك عن ملف المياه والضغط المستمر المرتبط بسد النهضة الإثيوبي لتقييد مياه النيل، وهذا الطوق من الأزمات ليس مصادفة بل هو ضغط استراتيجي ممنهج لإلهاء الدولة المصرية عن مسار تنميتها وإجبارها على استنزاف مواردها في إدارة الأزمات لا بناء المستقبل، فضلاً عن مساعي إجهاض الدور الريادي والتاريخي، إذ إن مصر بحكم مكانتها الروحية والثقافية والسياسية هي بوصلة العالم العربي، واستهدافها يهدف إلى ضرب الوعي العربي الجمعي وتفريغ المنطقة من قوتها الناعمة والصلبة ليخلو الجو لقوى إقليمية ودولية أخرى لفرض نفوذها واستنزاف مقدرات الأمة بأسرها.
إن مصر في مرمى المؤامرات لأنها باختصار ترفض السقوط وتصر على البقاء دولة كبرى فاعلة لا مستتبعة، وعلى الرغم من شراسة التحديات وضراوة الحروب غير التقليدية السياسية والاقتصادية والإعلامية، فإن التاريخ يعلمنا أن مناعة الدول الكبرى تقاس بقدرتها على وعي المخاطر وتحويلها إلى فرص، وإن امتلاك مصر لقرارها الوطني وتطوير قدراتها الشاملة عسكرياً وأمنياً وتنمويًا وتنويع شراكاتها الدولية يمثل الحصن الحصين في مواجهة كل هذه الدوائر المعادية.
ولا تفهمونا غلط؛ فالصراع ليس وليد اللحظة ولا هو وليد الظروف الاقتصادية العابرة، بل هو صراع بقاء وهويات وإرادات، ومصر بتاريخها وشعبها وجيشها قادرة دائماً على كسر طوق المؤامرات وعبور الأزمات.
[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء