ذكرى ميلاد المعتصم بالله.. الخليفة «المثمن» الذي فتح عمورية وأسس سامراء
تمر اليوم ذكرى ميلاد الخليفة العباسي المعتصم بالله، الذي ارتبط اسمه بفتح مدينة عمورية عام 838م، في واحدة من أبرز الحملات العسكرية في التاريخ الإسلامي، كما شهد عهده تحولات سياسية وعسكرية مهمة، من بينها تأسيس مدينة سامراء واتساع نفوذ القادة الأتراك داخل الجيش العباسي، وهو ما ترك أثرًا ممتدًا في مسار الخلافة خلال العقود التالية.
ابن هارون الرشيد
هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، وُلد عام 179 أو 180هـ، الموافق نحو 796م، ونشأ في بيت الخلافة العباسية، خلال فترة اتسع فيها نفوذ الدولة، بالتزامن مع تحديات سياسية وصراعات على السلطة وإدارة الأقاليم.
واكتسب المعتصم خبرة في الشؤون العسكرية والإدارية خلال عهد أخيه المأمون، قبل أن يتولى الخلافة عام 833م، عقب وفاة أخيه، ويستمر في الحكم حتى عام 842م. واعتمد خلال عهده على القوة العسكرية لمواجهة التمردات الداخلية والتصدي للتهديدات الخارجية.
سر لقب «المثمن»
يُعد لقب «المثمن» من أشهر الألقاب المرتبطة بالمعتصم بالله، وقد أورد جلال الدين السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» رواية تربط اللقب بتكرار الرقم ثمانية في عدد من محطات حياته وحكمه.
وتذكر الرواية أنه كان ثامن الخلفاء العباسيين، وأن مدة خلافته بلغت ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية أيام. كما ارتبط اللقب بتفاصيل أخرى تتعلق بحياته وأسرته وفتوحاته، وردت في كتب التراث ضمن روايات تجمع المصادفات العددية، ولا تحظى جميع تفاصيلها باتفاق تاريخي.
من أبرز قرارات المعتصم بالله تأسيس مدينة سامراء عام 836م واتخاذها مقرًا للحكم، في خطوة ارتبطت بالتوترات التي نشأت بين سكان بغداد وبعض الجنود الأتراك، الذين تزايد حضورهم داخل الجيش العباسي.
واعتمد المعتصم على الجنود الأتراك ووسع دورهم في المؤسسة العسكرية، ما عزز قدرته على مواجهة خصومه، لكنه أدى أيضًا إلى احتكاكات مع سكان بغداد. ومن ثم، مثّل إنشاء سامراء حلًا لتنظيم وجود الجيش وإدارة شؤونه بعيدًا عن مركز العاصمة القديمة.
ولم يقتصر أثر الانتقال إلى سامراء على الجانب العمراني، بل ارتبط بتحولات أوسع في بنية السلطة العباسية، مع تنامي نفوذ القادة العسكريين الأتراك ودورهم في الحياة السياسية خلال العهود التالية.
واجه المعتصم بالله حركة بابك الخرمي، التي نشطت في أذربيجان ومناطق مجاورة، وشكلت تحديًا عسكريًا طويل الأمد للخلافة العباسية، واستكمل المعتصم الحملة التي بدأت خلال عهد المأمون، وأسند دورًا رئيسيًا فيها إلى القائد الأفشين حيدر بن كاوس وبعد سلسلة من المواجهات، تمكن الجيش العباسي من هزيمة قوات بابك والقبض عليه عام 837م، ثم نُل إلى سامراء وأعدم.
ومثل القضاء على الحركة انتصارًا مهمًا للخلافة، بعد سنوات من المواجهات التي استنزفت مواردها العسكرية والمالية، كما عزز مكانة الأفشين والقادة الذين اعتمد عليهم المعتصم في إدارة الحملات.
فتح عمورية
تعد حملة عمورية عام 838م أبرز الأحداث العسكرية في عهد المعتصم بالله، وجاءت في سياق الصراع المستمر بين الدولة العباسية والإمبراطورية البيزنطية، عقب هجمات بيزنطية على مناطق وثغور تابعة للخلافة، من بينها زبطرة.
وجهز المعتصم جيشًا كبيرًا قاد الحملة بنفسه، فيما تولى الأفشين قيادة أحد محاورها، واتجهت القوات إلى عمورية، التي كانت من أهم المدن البيزنطية في آسيا الصغرى، لما تمتعت به من مكانة عسكرية ورمزية.
وبعد حصار المدينة، تمكن الجيش العباسي من اختراق تحصيناتها ودخولها في رمضان عام 223هـ، الموافق أغسطس 838م، في هزيمة شكلت ضربة قوية للبيزنطيين، وأظهرت قدرة الخلافة العباسية على تنفيذ حملات عسكرية واسعة داخل أراضي خصومها.
وترتبط الحملة في الذاكرة الشعبية بقصة المرأة التي استغاثت بالخليفة بعبارة «وامعتصماه»، غير أن تفاصيل القصة تختلف بين الروايات، ما يستدعي التمييز بين حضورها في الذاكرة الأدبية والشعبية وبين ما يمكن إثباته تاريخيًا بشأن الحملة.
التمردات الداخلية
إلى جانب الحروب الخارجية، واجه المعتصم تحديات داخلية، من بينها تمرد جماعات الزط في جنوب العراق، التي ارتبط نشاطها بتهديد طرق الحركة والتجارة في بعض المناطق. وتذكر المصادر التاريخية أن السلطات العباسية أرسلت حملات عسكرية لمواجهتها، وانتهت العمليات بنقل جماعات منها إلى مناطق أخرى.
كما واصل المعتصم مواجهة حركات معارضة للسلطة العباسية في بعض الأقاليم، معتمدًا على القادة العسكريين لإخمادها، في إطار مساعيه للحفاظ على تماسك الدولة، بالتوازي مع إدارة الصراع مع الإمبراطورية البيزنطية.
ارتبط اسم المعتصم بتأسيس سامراء وتوسيع دورها باعتبارها مركزًا للحكم والجيش، وأصبحت المدينة لاحقًا من أبرز المواقع الأثرية التي تكشف عن تطور العمارة العباسية، بما تضمه من قصور ومساجد ومنشآت عمرانية.
لكن إرثه تجاوز الجانب العمراني والعسكري، إذ أسهم الاعتماد المتزايد على القادة الأتراك في تغيير موازين القوى داخل الدولة. وعلى الرغم من أن هذه السياسة عززت القوة العسكرية التي استند إليها الخليفة، فإن تنامي نفوذ الجيش في الحياة السياسية أصبح تحديًا متزايدًا أمام الخلفاء الذين تولوا الحكم بعده.
وفاة المعتصم
توفي المعتصم بالله في سامراء عام 842م، بعد حكم استمر نحو ثماني سنوات ونصف، وخلفه ابنه الواثق بالله، الذي تولى الخلافة في مرحلة واصلت فيها الدولة العباسية الاحتفاظ بقوة عسكرية معتبرة، بالتزامن مع تحولات في طبيعة العلاقة بين الخليفة والقادة العسكريين.





