ذكرى رحيل جمال الغيطاني.. كيف وثق بطولات حرب أكتوبر في كتاباته؟
تحل ذكرى رحيل الكاتب والروائي والصحفي جمال الغيطاني، الذي رحل عام 2015، تاركًا تجربة أدبية وصحفية امتزج فيها التاريخ بالذاكرة، والواقع بالخيال.
وبين محطات مسيرته المتنوعة، احتلت تجربته مراسلًا حربيًا على جبهات القتال مكانة بارزة، بعدما عايش تفاصيل حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، واقترب من الجنود والمقاتلين، ليحول مشاهداته إلى شهادات صحفية وأعمال أدبية وثقت جوانب إنسانية من الحرب.
مراسل حربي
عمل جمال الغيطاني مراسلًا حربيًا بمؤسسة «أخبار اليوم» منذ عام 1969، وغطى تطورات حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر، متابعًا مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو 1967، وصولًا إلى عبور قناة السويس واستعادة المواقع على الضفة الشرقية.
ولم تقتصر تجربته على نقل أخبار العمليات العسكرية، بل امتدت إلى رصد حياة المقاتلين وتفاصيل يومهم على الجبهة، وما حملته سنوات المواجهة من خوف وانتظار وشجاعة وأمل. وجمع الغيطاني في كتاباته بين دقة الصحفي الذي يسجل الوقائع ورؤية الأديب الذي يبحث عن دلالاتها الإنسانية.
كما ارتبط بعلاقة وثيقة بأبطال المجموعة 39 قتال، بقيادة إبراهيم الرفاعي، وهو ما انعكس على كتاباته التي منحت المقاتل حضورًا إنسانيًا يتجاوز الصورة العسكرية التقليدية.
على خط النار
يأتي كتاب «على خط النار.. يوميات حرب أكتوبر» ضمن أبرز الأعمال التي توثق تجربة الغيطاني الصحفية خلال الحرب، إذ يضم رسائل وتقارير كتبها أثناء عمله مراسلًا عسكريًا، ويرصد جانبًا من تطورات الجبهة خلال حرب الاستنزاف وأكتوبر، إلى جانب اهتمامه بتفاصيل حياة الجنود واستعداداتهم للمعركة.
وتجمع هذه الكتابات بين التوثيق الصحفي والرؤية الأدبية، فلا يظهر الحدث العسكري منفصلًا عن البشر الذين عاشوه، بل تتجسد الحرب في مصائر الأفراد وتضحياتهم، وتصبح مشاهد العبور والاستعداد والانتظار جزءًا من الذاكرة الإنسانية والوطنية.
ومن خلال متابعته للمقاتلين في مواقعهم، سجل الغيطاني ملامح التحول في الروح المعنوية للمقاتل المصري خلال سنوات إعادة بناء القوات المسلحة، لتبقى كتاباته شهادة على تجربة أحد الأدباء الذين عايشوا واحدة من أبرز محطات التاريخ المصري الحديث.
رواية الرفاعي
امتد أثر تجربة الجبهة إلى أعمال الغيطاني الأدبية، ومن بينها رواية «الرفاعي»، التي تناولت شخصية إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة 39 قتال، وما ارتبط باسمه من عمليات عسكرية وبطولات خلال المواجهة مع القوات الإسرائيلية.
وفي هذا العمل، لم ينحصر الاهتمام في سرد الوقائع العسكرية، بل اتجه إلى الشخصية التي تتشكل داخل الحرب، وما تكشفه المواجهة من شجاعة وانضباط وإيمان بالمهمة، فضلًا عن العلاقة بين الفرد والجماعة والوطن.
وتعكس الرواية جانبًا من قدرة الغيطاني على توظيف خبرته الصحفية في الكتابة الأدبية، مستفيدًا من معايشته لأبطال الجبهة ومعرفته بتفاصيل حياتهم، ومن اهتمامه بما تحمله الوقائع من أبعاد إنسانية.
حكايات الغريب
تعد المجموعة القصصية «حكايات الغريب»، الصادرة عام 1976، من الأعمال التي تناولت حرب أكتوبر من زاوية مختلفة، إذ ركزت على المواطن المصري العادي، ورصدت روح المقاومة الشعبية التي ظهرت خلال الحرب، خصوصًا في مدينة السويس أثناء الحصار.
واختار الغيطاني في هذه المجموعة الابتعاد عن الاقتصار على سرد تفاصيل المعارك والعبور، ليقدم حكايات الناس العاديين الذين وجدوا أنفسهم أمام تحديات استثنائية، وتمسكوا بأرضهم وشاركوا في الدفاع عنها.
واستفاد الكاتب في رسم هذه الشخصيات وتوثيق تجربتها من عمله مراسلًا حربيًا بين عامي 1969 و1973، ليقدم صورة أدبية للحرب لا تقتصر على المواجهات العسكرية، وإنما تمتد إلى المجتمع الذي عاشها، وما أظهره من صمود وتضامن.





