شاه إيران ينظم احتفالات أسطورية بمرور 2500 عام على الإمبراطورية الفارسية
في مثل هذا اليوم من عام 1971، نظم شاه إيران محمد رضا بهلوي احتفالات ضخمة بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الأخمينية، في حدث استهدف إبراز تاريخ الملكية الإيرانية ومكانة البلاد على الساحة الدولية، واستضاف خلاله عشرات القادة والملوك والرؤساء من مختلف أنحاء العالم، وسط مظاهر فخامة غير مسبوقة أثارت انتقادات بسبب تكلفتها والأوضاع الاقتصادية التي كان يعيشها قطاع من الإيرانيين.
وأُقيمت الاحتفالات على مدار خمسة أيام بالقرب من آثار مدينة برسبوليس، المعروفة باسم تخت جمشيد، قرب مدينة شيراز جنوب إيران، وجاءت الاستعدادات لها بعد سنوات من التخطيط، إذ أُنشئت هيئة عليا لتنظيم المناسبة الملكية قبل نحو 12 عامًا من إقامتها، وفقًا لتقرير نشره موقع «رصيف22» للصحفي الإيراني أمير جابر في يونيو 2023.
خيام ملكية
اختارت اللجنة المنظمة إقامة ضيوف الاحتفال في خيام ملكية بالقرب من الآثار الأخمينية، وصُممت 70 خيمة على يد الفنان الفرنسي جانسون، وزُينت بالكريستال والزجاج والحرير والمخمل الأحمر، لتبدو أقرب إلى القصور الفخمة منها إلى أماكن الإقامة المؤقتة.
واستغرقت الاستعدادات أشهرًا طويلة، ونُقلت المعدات والأثاث والمواد الغذائية عبر مئات الطائرات العسكرية وعشرات الشاحنات، وشملت التجهيزات نحو 47 كيلومترًا من الحرير، و18 طنًا من الطعام، و12 ألف زجاجة ويسكي، وألف كيلو من الكافيار، و2500 زجاجة شمبانيا، و25 ألف زجاجة نبيذ، فضلًا عن كميات ضخمة من اللحوم ونحو 360 ألف بيضة.
كما استعان المنظمون بنحو 180 نادلًا، ووفّروا 250 سيارة ليموزين مضادة للرصاص، بينما شارك آلاف الجنود في تأمين الاحتفالات والعروض العسكرية التي ارتدى خلالها بعضهم أزياء تاريخية مستوحاة من العصور الإيرانية القديمة.
وامتدت مظاهر الاستعداد إلى تفاصيل الضيافة، إذ أُنتج كريم للبشرة يحمل اسم فرح ديبا، زوجة الشاه، لتقديمه هدية للضيوف، كما استُعين بمصففي شعر من صالونات باريس لتجهيز السيدات المشاركات.
حضور عالمي
وشهدت الاحتفالات مشاركة وفود من 69 دولة، ضمت نحو 20 ملكًا وخمس ملكات و21 أميرًا و16 رئيس جمهورية وثلاثة رؤساء وزراء وأربعة نواب لرؤساء جمهوريات، وفقًا للأرقام التي أوردها التقرير.
وكان من بين الحضور ملوك الأردن وعُمان والكويت والبحرين وقطر والإمارات، إلى جانب ممثل عن الأسرة الملكية المغربية، ورؤساء من تركيا ولبنان.
في المقابل، غابت شخصيات دولية بارزة، من بينها ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية والرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون والرئيس الفرنسي جورج بومبيدو. وأشار التقرير إلى أن غياب بومبيدو ارتبط باعتراضه على المكان المخصص له في الاحتفال، بينما أثار غياب الملكة البريطانية استياء الشاه، الذي عبّر عن اعتراضه في رسالة إلى السفير البريطاني في طهران.
وحظيت المناسبة بتغطية إعلامية واسعة، إذ استضافت إيران نحو 600 صحفي ومصور، كما طُرحت فكرة إنتاج فيلم وثائقي يروي أحداث الاحتفال بصوت المخرج الأمريكي أورسون ويلز، بهدف عرض العمل في دور السينما حول العالم.
تكاليف ضخمة
لم تقتصر الاستعدادات على موقع الاحتفال، بل شملت تنفيذ مشروعات للبنية التحتية في طهران وشيراز ومدن أخرى. وافتُتح برج آزادي، المعروف باسم برج الحرية، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز معالم العاصمة الإيرانية، كما دُشن ملعب آزادي الذي يتسع لنحو 100 ألف متفرج.
وأشار التقرير إلى أن طهران أنشأت أيضًا مطارًا في شيراز قادرًا على استقبال طائرات بوينج 707، في إطار الاستعدادات لاستقبال الوفود الدولية، مستشهدًا بتقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تحدث عن تسريع أعمال البناء لإنجاز المطار ومدرجاته قبل موعد الاحتفالات.
وبعد انتهاء المناسبة، واجه الشاه أسئلة بشأن التكلفة الإجمالية، بعدما تداولت تقديرات تراوحت بين 200 مليون دولار وملياري دولار. ورد محمد رضا بهلوي على سؤال أحد الصحفيين السويديين بشأن النفقات، مستبعدًا أن تكون التكلفة قد وصلت إلى الأرقام المتداولة.
أمجاد الماضي
سعى الشاه من خلال الاحتفالات إلى تقديم نفسه بوصفه امتدادًا لتاريخ الملكية الإيرانية، وربط نظامه المعاصر بإرث الإمبراطورية الأخمينية والملك قورش الكبير، المعروف أيضًا باسم كوروش.
وجاءت كلمة الافتتاح أمام مقبرة قورش محملة بالرمزية التاريخية، إذ خاطب الشاه الملك القديم مستحضرًا أمجاد الماضي، في محاولة لإبراز الصلة بين حكمه وتاريخ الملوك الفرس القدماء، وتعزيز الهوية القومية التي أراد الترويج لها.
انتقادات واسعة
ورغم المظاهر الفاخرة، أثارت الاحتفالات انتقادات بسبب الإنفاق الضخم في وقت كان فيه بعض الإيرانيين يعانون الفقر وتردي الظروف المعيشية. وتمكن عدد من الصحفيين الأجانب من تصوير مشاهد للمناطق الفقيرة والمساكن العشوائية، ونقلوا صورًا عن حياة السكان في جنوب طهران ومعاناة الأطفال الذين يعملون بين النفايات.
كما انتقد معارضون إقامة الاحتفالات، ومن بينهم روح الله الخميني، الذي عارض إنفاق أموال الدولة على المناسبة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فيما دافع وزير البلاط ورئيس الاحتفال أسد الله علم عن الإنفاق، وفقًا لما نقله التقرير.
نهاية الملكية
لم تمنع الاحتفالات التي أراد الشاه أن يجعلها رمزًا لاستمرار الملكية الإيرانية عبر القرون تصاعد المعارضة لنظامه. وبعد نحو ثماني سنوات، غادر محمد رضا بهلوي إيران في يناير 1979، وسط الثورة التي أنهت حكم الأسرة البهلوية وأسقطت النظام الملكي.





