ميلاد توفيق الحكيم أديب البرج العاجي وعدو المرأة وكرة القدم
في مثل هذا اليوم من عام 1898، ولد الأديب المصري توفيق الحكيم، أحد أبرز رواد الرواية والمسرح العربي، والذي ترك بصمة بارزة في الحياة الثقافية بأعماله الأدبية والفكرية، ومن أشهرها «عودة الروح» و«أهل الكهف» و«السلطان الحائر».
وعرف بلقب «أديب البرج العاجي»، كما ارتبط اسمه بحكايات ومواقف طريفة جعلت البعض يصفه بأنه عدو المرأة والبرلمان وكرة القدم.
النشأة والتعليم
وُلد توفيق الحكيم، واسمه الكامل حسين توفيق الحكيم، في الإسكندرية يوم 9 أكتوبر 1898، لأسرة ميسورة الحال، وكان والده يعمل في القضاء. وتخرج في كلية الحقوق، ثم سافر إلى باريس عام 1924 لاستكمال دراسته القانونية، قبل أن يعود إلى مصر ويعمل وكيلًا للنائب العام، ثم مديرًا للتحقيقات بوزارة المعارف.
وتنقل الحكيم بعد ذلك بين عدد من المناصب، فتولى إدارة دار الكتب، وعمل مندوبًا دائمًا لمصر لدى منظمة اليونسكو، ثم انضم إلى مؤسسة الأهرام، حيث عمل عضوًا بمجلس إدارتها قبل أن يتفرغ للكتابة.
بدايات أدبية
وفي حديثه عن طفولته، روى الحكيم أنه وُلد في منزل خالته الكبرى بحي محرم بك في الإسكندرية، وأن والده لم يستقر على اسم له في البداية، فترك لوالدته اختيار الاسم، لتختار له اسم حسين توفيق الحكيم.
أما عن سنوات الدراسة، فأشار في كتاباته إلى انتقاله من المدرسة المحمدية بالقاهرة إلى مدرسة أخرى في دمنهور، حيث ابتعد عن كثير من مظاهر الترفيه، لكنه تمكن من اللغة العربية، وبدأت قراءاته الأدبية الحقيقية، مع انغماسه في قراءة القصص بمختلف أنواعها.
عدو المرأة والكرة
ارتبط اسم توفيق الحكيم بلقب «عدو المرأة»، كما عُرف بانتقاداته للبرلمان وكرة القدم. وتربط بعض الروايات لقب عدو المرأة بموقفه من أفكار الحركة النسائية التي قادتها هدى شعراوي، وما طرحته من تصورات بشأن دور المرأة ومكانتها في المجتمع.
أما موقفه من كرة القدم، فعبّر عنه من خلال انتقاد الفوارق بين ما يحصل عليه اللاعبون من شهرة ومكاسب وما يناله الأدباء، إذ قال في إحدى عباراته الشهيرة: «لقد انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم»، في تعبير عن رؤيته لمكانة الأدب مقارنة بالاهتمام المتزايد بالرياضة.
رائد المسرح
كان توفيق الحكيم من أبرز رواد المسرح العربي، وكتب عشرات المسرحيات التي تناولت قضايا فلسفية واجتماعية وإنسانية. ومن أعماله المبكرة مسرحية «الضيف الثقيل» عام 1918، بينما تُعد «أهل الكهف»، التي صدرت عام 1933، من أبرز محطاته المسرحية.
ومن أعماله كذلك «سليمان الحكيم»، و«شهرزاد» عام 1943، و«إيزيس»، و«الصفقة» عام 1956، إلى جانب «السلطان الحائر» و«سلطان الظلام». كما تحولت أعمال أدبية له إلى أفلام سينمائية، من بينها «رصاصة في القلب» و«الأيدي الناعمة» و«الخروج من الجنة» و«امرأة غلبت الشيطان».
حكاية الحمار
ومن الحكايات التي ارتبطت باسم توفيق الحكيم علاقته بحماره، التي أصبحت موضوعًا لكتاباته وحواراته. وروى أنه أُعجب بجحش صغير وعرض شراءه من صاحبه مقابل ربع جنيه، وبعد أن رفض صاحبه في البداية، عاد ولحق به وترك له الجحش، ليجد الحكيم نفسه أمام مسؤولية لم يكن قد خطط لها.
وكان الحكيم يقيم آنذاك في بنسيون، فاضطر إلى البحث عن مكان مناسب للحمار، ثم نقله إلى عزبة أحد أصدقائه. وعندما زاره لاحقًا، وجده يعمل في العزبة، فشغله أمره وبدأ يجري معه حوارات، لتصبح هذه التجربة من مصادر كتابه المعروف «حمار الحكيم».
سيرة العمر
تناول الحكيم جوانب من حياته وتجاربه في كتابين من أبرز أعمال السيرة الذاتية، هما «زهرة العمر» الصادر عام 1943، و«سجن العمر» الصادر عام 1964. واستعاد خلالهما ملامح نشأته وعلاقته بأسرته، وما تركته التناقضات داخل المنزل من أثر في شخصيته واستقلاله الفكري.
ووصف الحكيم التباين بين والده الذي أورثه حب الأدب، لكنه كان يصدّه عنه، ووالدته التي منحته الإرادة، لكنها وقفت أحيانًا أمام رغباته الفنية. ورأى أن حريته في التفكير وما اكتسبه من ثقافة يمثلان المساحة التي يستطيع من خلالها مقاومة القيود المحيطة به.
عودة الروح
تُعد رواية «عودة الروح» من أشهر أعمال توفيق الحكيم، وقد حظيت بإعجاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي تحدث عن أثرها في تكوين شخصيته وذكر أنه قرأها مرات عديدة.
وفي عام 1953، عندما طالب وزير المعارف إسماعيل القباني بفصل الحكيم من عمله الحكومي بسبب ما اعتبره تقصيرًا في أداء مهامه، دافع عبد الناصر عنه، مؤكدًا قيمة مكانته الأدبية وضرورة تقدير بلاده له، وانتهى الأمر باستقالة الوزير وبقاء الحكيم في منصبه رئيسًا لدار الكتب.
لكن موقف الحكيم من تجربة حكم عبد الناصر شهد تحولًا لاحقًا؛ فبعد وفاة الرئيس بأقل من عامين، أصدر كتاب «عودة الوعي»، الذي انتقد فيه التجربة الناصرية، وعبّر عن اعتقاده بأنه لم يكن واعيًا بما يكفي خلال تلك المرحلة، وأنه سار خلف الثورة دون مراجعة كافية لمواقفه.
بعد نصر أكتوبر
وخلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات، تعرضت أعمال الحكيم للمنع بعد توقيعه بيانًا طالب فيه بإنهاء حالة اللاسلم واللاحرب التي أعقبت نكسة 1967. وشمل المنع مسرحياته وكتاباته، قبل أن يعود إلى الكتابة بعد انتصار أكتوبر 1973، معبرًا عن فرحته بالنصر في مقالاته، ومنها مقال حمل عبارة «عبرنا الهزيمة».
الأدب حتى النهاية
ظل الأدب محورًا أساسيًا في حياة توفيق الحكيم حتى سنواته الأخيرة. وفي كتابه «قلت يومًا»، عبّر عن ارتباطه العميق بالكتابة، مؤكدًا أن الأدب بالنسبة إليه لم يكن مجرد مهنة، بل جزءًا لا ينفصل عن حياته ووسيلته للتعبير عن أفكاره وقناعاته.
ورحل توفيق الحكيم عام 1987 عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا إرثًا أدبيًا ومسرحيًا أسهم في تشكيل ملامح الأدب العربي الحديث، ورسّخ مكانته بوصفه أحد أبرز كتاب المسرح والفكر في مصر والعالم العربي.





