رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بالنوبي الفصيح.. كيف أمنت لغة الأجداد اتصالات الجيش في حرب أكتوبر؟

حكاية اللغة النوبية
حكاية اللغة النوبية التي شاركت في تأمين اتصالات أكتوبر

لم تكن معركة إنتصار أكتوبر تخاض بالمدافع والطائرات والدبابات وحدها، فقبل السادس من أكتوبر كانت هناك معركة أخرى تدور بعيدًا عن أعين العدو، عنوانها الحفاظ على سرية الاتصالات ونقل المعلومات دون أن يتمكن الجانب الإسرائيلي من معرفة مضمونها.

ومن قلب هذه المعركة خرجت اللغة النوبية من البيوت والقرى إلى أجهزة اللاسلكي، بعدما وجد الصول أحمد محمد أحمد إدريس أن لغة أجداده يمكن أن تكون مفتاحًا لتأمين الاتصالات العسكرية.

يحكي الصول أحمد إدريس، ابن قرية توماس وعافية النوبية، كيف بدأت الحكاية، وكيف انتقلت فكرة استخدام اللغة النوبية من مجرد اقتراح إلى وسيلة استخدمها جنود مصريون خلال سنوات الاستعداد لحرب أكتوبر.

بداية الحكاية

ولد أحمد محمد أحمد إدريس في قرية توماس وعافية النوبية في أربعينيات القرن الماضي، وحصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية عام 1952، ثم تطوع في القوات المسلحة عام 1954، ليبدأ رحلة طويلة في الخدمة العسكرية.

وفي عام 1971، كان إدريس يخدم بالقوات المسلحة، عندما سمع حديثًا عن مشكلة تواجه الاتصالات العسكرية ومحاولات فك الشفرات.

يقول أحمد إدريس إنه كان يستمع إلى حديث دار بين رئيس الأركان وأحد القادة حول هذه المشكلة، وعندما أدرك طبيعة الأزمة ابتسم وقال إن الحل يمكن أن يكون بسيطًا، وإن اللغة النوبية تصلح لهذا الغرض لأنها لغة يتحدث بها أهلها، ولا تعتمد على أبجدية مكتوبة بالشكل المعروف.

كان إدريس يعرف اللغة النوبية منذ طفولته، ولذلك أدرك أن استخدامها في الاتصالات يمكن أن يجعل مضمون الكلام غير مفهوم لمن يعترضه ولا يعرف اللغة.

الصول أحمد إدريس
الصول أحمد إدريس

لقاء السادات

لم تتوقف الفكرة عند حدود الاقتراح، إذ وصلت إلى القيادة، ثم جاء اللقاء الذي ظل أحمد إدريس يتذكره طوال حياته.

يحكي الصول أحمد إدريس أنه انتظر الرئيس الراحل محمد أنور السادات في مكتبه، وكان يشعر بالرهبة لأنها كانت المرة الأولى التي يرى فيها رئيس الجمهورية.

وعندما دخل السادات، لاحظ حالة القلق التي انتابت إدريس، فاتجه إليه ووضع يده على كتفه، ثم بدأ الحديث معه عن خدمته العسكرية.

ويحكي إدريس أن السادات سأله عن انتقاله بين وحدات القوات المسلحة، وعن وجوده في المدرعات رغم خدمته السابقة في حرس الحدود، قبل أن يستمع إلى تفاصيل الموضوع الذي جاء من أجله.

وخلال اللقاء شرح إدريس فكرته للرئيس السادات، وقال له إن الاستعانة بأبناء النوبة القديمة ستكون أفضل، لأنهم الأكثر إتقانًا للغة النوبية، بينما لا يجيدها بالدرجة نفسها بعض أبناء الأجيال التي جاءت بعد تهجير النوبة القديمة.

ويتذكر إدريس أن السادات ابتسم عندما سمع اقتراحه، خاصة أن أبناء النوبة الذين يجيدون اللغة كانوا موجودين بالفعل في صفوف حرس الحدود.

من الفكرة إلى التنفيذ

بعد الموافقة على الفكرة، بدأت عملية اختيار أفراد يجيدون اللغة النوبية، وجرى الاعتماد على أبناء النوبة الموجودين في القوات المسلحة.

ويقول أحمد إدريس إن عدد المجموعة وصل في إحدى مراحل الإعداد إلى 72 جنديًا من أبناء مناطق نوبية مختلفة، وكان بينهم أفراد من الفاديكا والكنوز، وجميعهم يجيدون اللغة التي ستصبح جزءًا من منظومة الاتصالات.

لم يكن الأمر مجرد حديث بالنوبية، وإنما جرى تدريب المجموعة على استخدام أجهزة الاتصال، وعلى مجموعة من الكلمات التي أصبحت تحمل معاني عسكرية محددة.

كان كل فرد يعرف معنى الكلمة المتفق عليها، بينما لا يستطيع الشخص الذي يعترض الاتصال فهم المقصود منها بسهولة.

أولوم واسلانجي

يتذكر أحمد إدريس بعض الكلمات التي استخدمت في الاتصالات، ويقول إنهم كانوا يطلقون على الدبابة كلمة «أولوم»، وهي كلمة تعني التمساح.

أما العربات المجنزرة فكانوا يستخدمون لها كلمة «اسلانجي»، التي تعني الثعبان.

وبهذه الطريقة أصبحت الكلمات النوبية التي يعرفها أبناء اللغة تحمل معاني عسكرية داخل أجهزة الاتصال.

فإذا سمع شخص لا يعرف النوبية كلمة «أولوم»، فلن يدرك أن الحديث يتعلق بدبابة، بينما يعرف الجندي النوبي الذي يستقبل الرسالة معناها المقصود.

وهنا كانت قوة الفكرة: الكلام يبدو طبيعيًا بالنسبة إلى من يسمعه من الخارج، لكنه يحمل رسالة واضحة تمامًا لمن يعرف الاتفاق.

على الضفة الشرقية

لم تقتصر مهمة المجموعة على الاتصالات، إذ يتذكر أحمد إدريس تفاصيل أخرى من فترة الاستطلاع على الضفة الشرقية لقناة السويس.

يحكي أنهم كانوا يعبرون القناة ليلًا مستخدمين الكاوتش المطاط، حتى لا يصدروا أصواتًا تلفت الانتباه، بينما كانت ساعات النهار مخصصة للاختباء والمراقبة.

ويقول إن المنطقة التي كانوا يتحركون فيها كانت تشهد وجودًا للقوات الإسرائيلية خلال ساعات النهار، ولذلك كان التحرك يتم بحذر شديد.

وكان الجنود ينامون داخل صهاريج مياه خلال النهار، ثم يخرجون ليلًا للاستطلاع، ويراقبون المعدات والتحركات العسكرية ويبلغون عنها.

ويصف إدريس الأيام الأولى بأنها كانت مليئة بالقلق والخوف، خاصة أن المهمة كانت تتم في منطقة قريبة من القوات الإسرائيلية.

سبعة أيام في كل مرة

كانت مجموعات الاستطلاع تتناوب على المهام، إذ تستمر الوردية نحو سبعة أو ثمانية أيام، ثم تأتي مجموعة أخرى لتحل محلها.

ويحكي إدريس أن أبناء سيناء الذين كانوا يعيشون في المنطقة لم يكونوا بعيدين عن الجنود المصريين، بل كانوا يساعدونهم بالطعام والشراب.

ويقول إن الصورة التي كانت تصل أحيانًا عن أبناء سيناء لم تكن تعبر عن الواقع الذي شاهده بنفسه، مؤكدًا أنهم وجدوا منهم المساعدة أثناء وجودهم في المنطقة.

قبل السادس من أكتوبر

ومع اقتراب موعد الحرب، ازدادت أهمية المعلومات التي يجمعها أفراد الاستطلاع.

يتذكر أحمد إدريس واقعة رصد خلالها أفراد المجموعة عددًا كبيرًا من الشاحنات الإسرائيلية، وكانت كل شاحنة تحمل دبابة جديدة.

ويقول إنهم خرجوا ليلًا للاستطلاع، ورأوا نحو 200 شاحنة، فأرسلوا المعلومات إلى القيادة، وكانت تلك التحركات مؤشرًا على استعدادات عسكرية إسرائيلية كبيرة على الضفة الشرقية للقناة.

ساعة الصفر

ثم جاء السادس من أكتوبر 1973..

في ذلك اليوم بدأت القوات المسلحة المصرية تنفيذ عملية العبور، وانطلقت الضربة الجوية، وبدأ القصف المدفعي على المواقع الإسرائيلية، ثم تحركت القوات لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف.

كانت الاتصالات في تلك اللحظات جزءًا أساسيًا من إدارة المعركة، وكانت الكلمات النوبية حاضرة داخل منظومة الاتصال التي عرفها الجنود المشاركون فيها.

الكلمة التي تبدو عادية لشخص يسمعها للمرة الأولى كانت تحمل عند الطرف الآخر معنى عسكريًا محددًا.. وبذلك أصبحت لغة الأجداد جزءًا من يوم النصر.

سر ظل في الذاكرة

لم يكن أحمد إدريس يتحدث عن هذه التفاصيل طوال سنوات طويلة، فقد كانت الاتصالات العسكرية وأسرار العمل خلال الحرب من الأمور التي لا يمكن الكشف عنها بسهولة، ويحكي أنه ظل محتفظًا بالقصة، ولم يتحدث عنها علنًا إلا بعد سنوات طويلة.

بعد الحرب

لم تنته القصة بانتهاء المعارك.. يقول أحمد إدريس إن استخدام اللغة النوبية في الاتصالات استمر بعد حرب أكتوبر لفترة، وإنها ظلت مستخدمة في بعض البيانات والاتصالات السرية بين القيادات، قبل أن تتغير وسائل وأساليب الاتصال العسكري مع مرور الوقت.

كما يحكي عن واقعة أثارت شكوكه عندما اكتشف أن أشخاصًا أجانب كانوا يحاولون دراسة اللغة النوبية، ووجد أنهم يسألون عن معاني كلمات مرتبطة بالمعدات العسكرية.

أدرك إدريس وقتها أن معرفة اللغة قد تكون مرتبطة بمحاولة فهم الاتصالات التي استخدمت خلالها، ولذلك حذر من تقديم معلومات عسكرية مرتبطة بالمصطلحات.

من الجبهة إلى التكريم

بعد سنوات طويلة، أصبح اسم أحمد إدريس معروفًا لدى المصريين باعتباره صاحب فكرة استخدام اللغة النوبية في تأمين الاتصالات العسكرية خلال حرب أكتوبر.

وتم تكريمه من الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إحدى احتفالات ذكرى انتصارات أكتوبر، كما أطلق اسمه على مدرسة أحمد محمد إدريس الرسمية للغات في نصر النوبة بمحافظة أسوان.

وظل أبناء النوبة يتذكرون قصته باعتبارها واحدة من الحكايات التي تعكس مشاركة أبناء الجنوب في تاريخ العسكرية المصرية.

الصول أحمد إدريس 
الصول أحمد إدريس 

بالنوبي الفصيح

في النهاية، لم تكن حكاية أحمد إدريس مجرد قصة عن كلمات نوبية قيلت عبر جهاز لاسلكي، وإنما حكاية عن جندي مصري حمل معه لغة أجداده إلى ميدان الحرب.

لغة تعلمها في بيته وقريته، ثم وجد لها دورًا في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ مصر الحديث.

وبين «أولوم» و«اسلانجي» وغيرها من الكلمات التي حملت معانيها الخاصة داخل الاتصالات، تحولت لغة الأجداد إلى وسيلة للتفاهم بين الجنود، وبقي اسم الصول أحمد إدريس مرتبطًا بحكاية الشفرة النوبية التي ارتبطت بمرحلة الاستعداد والقتال في حرب أكتوبر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء