رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين موسكو وبرلين: كيف توظّف تل أبيب الصراع العالمي لصالحها؟

 الحرب الروسية الأوكرانية-
الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة

كشفت مجريات الأمور خلال الحرب الروسية الأوكرانية الجارية حتى الآن عن عمق الاستغلال الإسرائيلي لتلك الحرب الجارية في الشرق الأوروبي، فالتوسع والتمدد الروسي غربًا باتجاه أوكرانيا أشعل التوتر لدى دول أوروبا المركزية، خاصة ألمانيا وفرنسا، فكلا الدولتين، وخاصة ألمانيا، لا تنظر بعين الارتياح للتقدم الروسي غربًا، ولطالما كان تقدم روسيا غربًا سبيلًا في إشعال الحروب الدموية معها. فعلى سبيل المثال، أدى التدخل الروسي (روسيا القيصرية) في الشئون الداخلية لصربيا عام 1914 إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى بين برلين وموسكو.

 الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة
 الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة

وتسبب التنافس الألماني السوفيتي حول احتلال أوروبا الشرقية في إذكاء المعارك خلال الحرب العالمية الثانية، فالتقدم السوفيتي في فنلندا لم يرق لقادة النازية، مثلما لم يرق التقدم الألماني في التشيك وبولندا لقادة الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، مما أدى إلى اندلاع الحرب الألمانية السوفيتية، والتي راح ضحيتها عشرات الملايين من كلا الجانبين.

الحرب الأوكرانية ومنظومة "آرو" الإسرائيلية

ساهمت الحرب الأوكرانية الأخيرة في زيادة حدة التوترات الأوروبية الروسية، مما دفع برلين إلى إعادة النظر في تسليحها العسكري وبناء القدرات الدفاعية الخاصة بها، ودفعها إلى الاعتماد على إسرائيل في شراء العديد من أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة وغيرها من الأسلحة الدفاعية والهجومية.

خلال الفترة الأخيرة توسعت إسرائيل في انتشارها العسكري في منطقة القطب الشمالي من خلال تواجدها في جزيرة كودياك بولاية ألاسكا الأمريكية، والتي يجري فيها العديد من الاختبارات العسكرية الإسرائيلية، خاصة لمنظومة الدفاع الجوي "آرو"، الأمر الذي وفر لها العديد من المزايا وهو ضمان إجراء الاختبارات بسرية وأريحية وتقليل مخاطر تلك التجارب، وأخيرًا الترويج لتلك الأسلحة لدى دول القطب الشمالي، ومن ضمنهم ألمانيا الاتحادية التي أبدت مؤخرًا رغبتها في اقتناء العديد من الأسلحة الإسرائيلية، أبرزها نظام "آرو 3".

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية
منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية

بنهاية نوفمبر وبداية ديسمبر 2025 تمكنت ألمانيا من استيراد نظام "آرو 3" من إسرائيل بصفقة قدرت قيمتها بحوالي 4.6 مليارات دولار، وتعد تلك الصفقة هي أكبر صفقة دفاعية أبرمتها إسرائيل، إذ سبق أن وقع البلدين على عقد توريد تلك المنظومة قبل عامين.

ويدعي الجيش الإسرائيلي أن منظومة آرو 3 أثبتت كفاءتها العملياتية خلال حرب غزة الأخيرة، فبعد شهر تقريبًا من اندلاع أحداث 7 أكتوبر تمكنت المنظومة بشكل عملي من اعتراض الصواريخ التي أطلقتها حركة حماس.

وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن نظام آرو 3 يعمل على استهداف الصواريخ الباليستية أثناء وجودها خارج الغلاف الجوي، ودخل النظام الخدمة الفعلية الكاملة عام 2017، ويتكون النظام من قاذفة صواريخ ونظام إدارة معارك ورادار أرضي. وتتمتع النسخ المتقدمة منه، خاصة آرو 3، بالعديد من التحسينات، مما يجعله الأفضل ضمن منظومة شبكة صواريخ آرو، حيث يبلغ مداه الجوي حوالي 2400 كم. ويعمل نظام آرو بتحديثاته الثلاثة بالتعاون مع العديد من المنظومات الأخرى مثل "مقلاع داوود" و"القبة الحديدية" و"حتس" في تشكيل شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلي.

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية
منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية

وبالإضافة إلى شرائها نظام آرو 3، تسعى برلين أيضًا إلى شراء نظام "حتس 3" من أجل تعزيز جهود دفاعها الجوي. وفي مجال الحماية النشطة للدبابات والمركبات العسكرية باعت تل أبيب منظومة "تروفي" الخاصة بالحماية النشطة للمركبات القتالية، وجُري تركيبها على دبابات ليوبارد الألمانية.

تنامي العلاقات العسكرية

رغم اتجاه ألمانيا لتعزيز دفاعاتها العسكرية من إسرائيل، إلا أنها في ذات الوقت تعد من أكبر موردي السلاح لإسرائيل، فثلث الصادرات العسكرية الألمانية تذهب في الأساس إلى إسرائيل. ففي عام 2022 وافقت ألمانيا على تصدير أسلحة بقيمة 32 مليون يورو إلى إسرائيل، وفي عام 2023 ارتفعت قيمة الواردات الألمانية إلى إسرائيل بمقدار 326 مليون يورو. وأغلب نوعيات التسليح الألمانية المصدرة إلى إسرائيل منحصرة في شراء الغواصات الألمانية خاصة من نوع "دولفين".

 الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة
 الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة

وجدير بالذكر أيضًا أن ألمانيا سمحت لإسرائيل باستعادة اثنتين من طائراتها المسيرة المقاتلة من نوع "هيرون تي بي"، والتي سبق أن استأجرتهما برلين سابقًا من أجل تدريب طياريها، ويرجع سبب استعادة تل أبيب لهاتين الطائرتين إلى استخدامها في قطاع غزة.

اتفاقية لوكسمبورج وبداية التعاون العسكري

ساهمت اتفاقية لوكسمبورج الموقعة في سبتمبر 1952، والخاصة بالتعويضات الملزمة على ألمانيا لدفعها لإسرائيل على خلفية مذابح الهولوكوست، والتي قدرت بحوالي 1.5 مليار دولار، تدفعها ألمانيا لإسرائيل، وساهمت تلك التعويضات في بناء الجيش الإسرائيلي الذي اعتمد على الأسلحة الألمانية خلال فترة الستينيات، وكانت عصب الجيش في حرب 1967.

 الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة
 الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفبة

وفي حرب 1973 كانت ألمانيا الغربية هي الدولة الغربية الوحيدة التي رضخت للضغوط الأمريكية وسيرت أسطولها الجوي والبحري من أجل نقل السلاح إلى إسرائيل، عكس بقية الدول الأوروبية التي تحفظت على دعم إسرائيل بالسلاح خشية غضب الدول العربية.

ختامًا:

ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت شرارتها في فبراير 2022 في تغيير استراتيجية الأمن القومي الألماني. فبرلين بعد توحدها رأت أن العلاقات الدبلوماسية والسياسية والتجارية كفيلة بحماية أمنها القومي، إلا أن الحرب الأوكرانية الروسية غيرت المفاهيم الألمانية، مما دفعها لإعادة النظر في استراتيجية الأمن القومي الخاصة بها في يونيو 2023، معلنة اتجاهًا لتحديث قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها لمواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية. وبالتالي عززت من تعاونها مع إسرائيل في المجالات العسكرية، غير عابئة بالمطالب الأوروبية المتكررة بوقف التعاون العسكري مع تل أبيب. ونتيجة الضغوط الأوروبية المتزايدة أعلنت برلين في أغسطس 2025 تعليقًا جزئيًا لمبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، وسرعان ما تراجعت عن القرار في نوفمبر 2025 متعللة باتفاق وقف إطلاق النار.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء