رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأحزاب العربية في الكنيست: بين معضلة الإبعاد السياسي والحظر النهائي

تحالف القائمة العربية
تحالف القائمة العربية الموحدة في إسرائيل - أرشيفية

لا تزال أزمة تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول حظره لجماعة الإخوان المسلمين في إسرائيل واستعداده للقيام بخطوات أخرى لأجل إتمام حظر الجماعة نهائيًا من الحياة السياسية الإسرائيلية مستمرة إلى اليوم. فسابقًا حظر نتنياهو في عام 2015 الجناح الشمالي للحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح، إذ تم اعتبار الجناح الشمالي بمثابة امتداد لحركة حماس في الداخل الإسرائيلي، مستندًا في ذلك إلى سلوك وتوجهات أعضاء الجناح الشمالي المؤيد لحل الدولتين والداعم لتحركات حركة حماس.

أما الجناح الجنوبي، والذي سبق أن انشق عن الحركة الإسلامية في عام 1996 بقيادة الشيخ إبراهيم صرصور، فإن توجهاته جاءت مغايرة تمامًا لتوجهات الجناح الشمالي، إذ رأى قادة الجناح الجنوبي وقتها استثمار "اتفاقيات أوسلو" بين منظمة التحرير وإسرائيل في الدخول والاندماج في المجتمع الإسرائيلي وعدم الجري وراء حلم قيام الدولة الفلسطينية التاريخية من النهر إلى البحر.

منصور عباس
منصور عباس

وعليه تم تأسيس حزب القائمة العربية الموحدة "راعام" بقيادة منصور عباس من أجل المشاركة في الانتخابات العامة الإسرائيلية، وعلى مدار أكثر من عقدين من الزمان لعب حزب "راعام" دورًا حيويًا في تنشيط الاهتمام الإسرائيلي بالمكون العربي في الدولة اليهودية. ففي البداية لم يسلك "راعام" سلوك بقية الأحزاب العربية الأخرى كالاصطدام المباشر بالحكومة وتوجهاتها، بل عمل على تأكيد مقولات اليمينيين الأكثر تطرفًا مثل "يهودية الدولة" على سبيل المثال، كما سعى إلى زحزحة دوره من كونه حزبًا معارضًا إلى حزب مشارك في السلطة.

وخلال الفترة التاريخية الممتدة من عام 2019 وإلى عام 2022، والتي وُصفت بأنها مرحلة الانقسام السياسي الإسرائيلي، عمل الحزب على استقطاب الأحزاب السياسية الكبرى للقضايا العربية، وبلغ أوج ذلك الاستقطاب خلال استقبال الحركة الإسلامية ـــ الجناح الجنوبي ـــ لزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو في مدينة الناصرة في فبراير 2021. ورفض حزب "راعام" وقتها أيضًا التصويت ضد سحب الثقة من نتنياهو بسبب شبهات فساد طالت الحكومة الإسرائيلية على خلفية أزمة الغواصات الألمانية "دولفين".

وبلغ الجناح الجنوبي ذروة نجاحه في عام 2022 حين تمكن حزب "راعام" من المشاركة في الائتلاف الحاكم كأول حزب عربي يشارك في الحكومة الإسرائيلية بزعامة نفتالي بينت، وروّج منصور عباس وقتها بأنه يمكن للعرب المشاركة في حكومة إسرائيلية يرأسها يميني متطرف كبينت.

أيمن عودة -   النائب في الكنيست الإسرائيلي 
أيمن عودة -   النائب في الكنيست الإسرائيلي 

لكن مع انهيار حكومة نفتالي بينت واستعادة نتنياهو منصب رئيس الوزراء في عام 2023 تغير موقف "راعام" من السلطة إلى المعارضة مرة أخرى. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة المقرر إقامتها وفق الحسابات الرسمية في أكتوبر 2026، ويمكن أن تُجرى قبل ذلك في حال تفكك الائتلاف القائم، يسعى نتنياهو إلى تعبيد الطريق أمام نجاحه مرة أخرى في الانتخابات المقبلة عن طريق إزاحة خصومه السياسيين مثل نفتالي بينت من سياق الانتخابات المقبلة، وأيضًا محاولة استغلال زخم تصنيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجماعة الإخوان المسلمين وفروعها على أنها جماعة إرهابية. إذ يحاول نتنياهو التلويح بتصنيف الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية بأنه حركة إرهابية، الأمر الذي يُبعد حزب "راعام"، والذي وُصف في مراحل سابقة بأنه "حزب صانع الملوك" في إسرائيل، عن سياق الانتخابات المقبلة.

ائتلاف صهيوني

لا تأتي المصائب فرادى، فبعد تلميحات نتنياهو بحظر حزب "راعام" ـــ أبرز الأحزاب العربية ـــ تسعى قوى المعارضة الإسرائيلية في الكنيست بقيادة بيني غانتس ويائير لابيد إلى تشكيل ائتلاف صهيوني بعد الانتخابات المقبلة، مما يضمن استبعادًا مسبقًا للأحزاب العربية من أي سياقات مقبلة لتشكيل الحكومة الإسرائيلية في حال فوز الائتلاف الصهيوني بها.

وفي هذا الصدد يشير الكاتب الإسرائيلي في صحيفة هآرتس ياشير أسولين إلى خطأ المعارضة الإسرائيلية في استبعاد القوى العربية من السياقات السياسية المقبلة، مؤكدًا على الحالة الاستغلالية لنتنياهو وانتهازه للفرص من أجل إلحاق الضرر بخصومه السياسيين، إذ استغل تصنيف واشنطن لجماعة الإخوان على أنها إرهابية في إبعاد القوى العربية من المشاركة الانتخابية. وأكد ياشير أن خطوة تشكيل ائتلاف صهيوني باستبعاد الأحزاب العربية من شأنه تعزيز فرص نتنياهو عكس ما تتوقع قوى المعارضة الإسرائيلية.

يطالب ياشير بضرورة تغيير سردية المعارضة الإسرائيلية إن رغبت في تشكيل الحكومة المقبلة وإقالة نتنياهو، وهو أن تأخذ في الحسبان جميع المواطنين الإسرائيليين سواء اليهود أو العرب، وأن تكون هناك تحالفات جديدة موسعة لم تشهدها إسرائيل من قبل.

إنكار الورقة الرابحة

في دراسة أخرى لأهمية الأحزاب العربية في الحياة السياسية الإسرائيلية، يوضح الكاتب جوشوا ليفر في مقالته Israel’s opposition is plotting a return to power. But it remains its own worst enemy المنشورة على موقع (مجلة +972) الإسرائيلي أن معسكر يسار الوسط الإسرائيلي ما زال في حالة إنكار للورقة الرابحة في الانتخابات المقبلة، وهي القوى العربية.

منصور عباس ونتنياهو في الكنيست
منصور عباس ونتنياهو في الكنيست

وفي هذا الصدد يشير ليفر إلى أن حرب الإثني عشر يومًا ضد إيران لم تُسهم في تعزيز موقف رئيس الوزراء نتنياهو، بل تراجعت شعبيته وشعبية ائتلافه حسبما وصفت استطلاعات الرأي نظرًا لحالة الانقسامات الحادة التي تصيب المشهد السياسي الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال انسحب حزبا "شاس" و"يهدوت هتوراة" من الائتلاف الحاكم على خلفية قانون تجنيد طلاب المدارس الدينية (الحريديم)، مما حرم الائتلاف الحاكم من تحقيق الأغلبية في الكنيست، وهو الأمر الذي يهدد بإجراء انتخابات مبكرة.

يسير ليفر إلى أن أحزاب المعارضة ما زالت تسلك مسار الحكومة في إبعاد الأحزاب العربية. فعلى سبيل المثال أعلن يائير لابيد، رئيس حزب يش عتيد، دعمه لجهود الكنيست في إسقاط عضوية النائب العربي أيمن عودة عن حزب حداش (الحزب الاشتراكي العربي اليهودي)، وحين جاء وقت التصويت انسحب لابيد تاركًا الحرية لأعضاء حزبه في التصويت.

رائد صلاح - زعيم الحركة الإسلامية في إسرائيل
رائد صلاح - زعيم الحركة الإسلامية في إسرائيل

أفضلية عربية

يشير ليفر إلى وجود أفضلية للمعارضة الإسرائيلية خلال الانتخابات المقبلة، إلا أنها لن تمكنها من تشكيل الحكومة إلا إذا أتمت اتفاقها مع الأحزاب العربية، خاصة مع تنامي توجهات داخل الحزب الديمقراطي الإسرائيلي بزعامة يائير غولان بإمكانية التعاون مع الأحزاب العربية.

وتعود تلك الأفضلية لسببين هما:

1) ارتفاع نسبة المشاركة السياسية بين الناخبين العرب، الأمر الذي سيعادل القوة التصويتية للأحزاب اليمينية.

2) ضرورة الترتيب الأولي بين الأحزاب العربية والأحزاب المعارضة الإسرائيلية، الأمر الذي سيضمن تصويتًا فعالًا لصالح قوائم تلك الأحزاب في الأوساط العربية، مما سيمكنها لاحقًا من الحصول على أغلبية مريحة.

وختامًا:

 لحل أزمة ارتباط الأحزاب العربية بنظيرتها الإسرائيلية اقترح حزب "راعام" بقيادة منصور عباس إمكانية تشكيل تكتل تقني بين الأحزاب العربية وأحزاب المعارضة، يقوم بموجبه الطرفان بدعم بعضهما البعض خلال الانتخابات المقبلة. وفي حال تشكيل الائتلاف الحاكم، تترك الحرية للأحزاب العربية منفردة في قبول الدخول في الائتلاف أو غير ذلك. فعلى سبيل المثال يميل حزب "راعام" إلى المشاركة في الائتلافات الحاكمة، أما حزب "حداش" وحزب "بلد" القومي العلماني، فيُفضلان الدخول في صفوف المعارضة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء