رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عفو رئاسي أم صفقة سياسية؟ نتنياهو بين القضاء والخروج الآمن

محاكمة رئيس الوزراء
محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- أرشيفية

في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ السياسي الإسرائيلي، تقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بطلب رسمي للحصول على عفو رئاسي من قبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، تضمن الطلب وثيقتين: الأولى من عميت حداد محامي نتنياهو، تضمنت شرح الجوانب التفصيلية لطلب العفو، والوثيقة الثانية كانت عبارة عن رسالة شخصية من نتنياهو إلى هرتسوغ.

سلم حداد الطلب إلى الدائرة القانونية في مكتب الرئيس وفقًا للإجراءات المتبعة، ونقلت القضية فورًا إلى إدارة العفو بوزارة العدل، التي ستقوم بدراسة الطلب وجمع جميع الآراء المهنية المختصة بذلك، وفور تجميع الآراء والتقييمات سيتم إحالة الأمر إلى المستشارة القانونية للرئيس الإسرائيلي حيث سيتم إعداد توصية للرئيس هرتسوغ قبل اتخاذ أي قرار نهائي فيما يخص طلب العفو.

وفي تعليقه على طلب العفو أكد مكتب الرئيس أن طلب العفو الأخير أمر غير عادي ويحمل تداعيات كبيرة، لذا سيتم النظر في الطلب بمسؤولية وإخلاص شديد بمجرد عرض جميع المواد القانونية عليه.

 الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ
 الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ

ضغوط سابقة

يُحاكم رئيس الوزراء الإسرائيلي حاليًا في ثلاث قضايا متعلقة بالفساد وتلقي رشاوي والتأثير على وسيلتين إعلاميتين بهدف تبييض الصورة السياسية لنتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي. وإزاء تلك القضايا وتقدم المحاكمات، مارس حزب "الليكود" العديد من الضغوط السياسية والقانونية والتشريعية بهدف إلغاء محاكمة نتنياهو، ومنها على سبيل المثال:

أولًا: تقديم النائب عن حزب الليكود "أريئيل كالنر" مقترح قانون لتقليل عدد جلسات محاكمة نتنياهو بحجة تعارضها مع العدالة ومصالح الدولة العليا، ولمنحه الوقت الكافي لإدارة شؤون الدولة، وينص مشروع القانون على أنه في حال وجود جلسة محاكمة لرئيس الوزراء، يحق لوزير الدفاع ووزير العدل التشاور وتقديم خطاب كتابي إلى هيئة المحكمة يفيد بضرورة تأجيل المحاكمة لمدة 180 يومًا قابلة للتجديد، إذا رأيا في ذلك خطرًا على أمن البلاد.

 ثانيًا: مطالبات ترامب المستمرة بالعفو: بدأت مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالعفو عن نتنياهو في مايو 2025، ثم تصاعدت مرة أخرى في 13 أكتوبر 2025 خلال خطابه الشهير في الكنيست قبيل حضوره قمة السلام في شرم الشيخ، وفي بداية نوفمبر أرسل ترامب وثيقة رسمية إلى نظيره الإسرائيلي يطالبه فيها بالعفو عن نتنياهو.

محاكمة نتنياهو - أرشيفية
محاكمة نتنياهو - أرشيفية

ثالثًا: عريضة الليكود للصفح عن نتنياهو: في نهاية أكتوبر 2025 قام 14 نائبًا من حزب الليكود بالتوقيع على عريضة سياسية يطالبون فيها الرئيس هرتسوغ بالصفح عن رئيس الوزراء. وجاء تحرك نواب الليكود بعد ضغط مباشر من سارة نتنياهو زوجة رئيس الحكومة.

عفو رئاسي أم صفقة سياسية

مصطلح العفو في حد ذاته يتضمن أربعة أفعال متتالية: ارتكاب ذنب، والاعتراف به، وصدور حكم قضائي، وأخيرًا طلب العفو. وبالتالي لا يوجد عفو دون الاعتراف بالجريمة وصدور حكم قضائي يدين الفعل، ثم يأتي في النهاية طلب العفو.

الإمكانيات القانونية المتاحة أمام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قليلة وضيقة للغاية، فالمادة 11 (ب) من القانون الأساس تمنح الرئيس صك العفو عن المدانين في الجرائم، وتمنحه أيضًا صك تخفيف الأحكام. وفي حالتنا هذه لم يتم صدور حكم ضد نتنياهو حتى يتم منحه العفو.

ويوجد باب آخر للعفو عن طريق اتفاق يُعقد بين المتهم والنيابة العامة يعترف فيه المذنب بارتكابه الجرائم، وتُعرض الاتفاقية على المحكمة المختصة للبت فيه وإقرار ما تراه في صالح القضية مثل العفو أو تخفيف الحكم. وفي تلك الحالة أيضًا يتم الإقرار بالذنب والاعتراف بالجرم، وفي تلك الحالة سيُطبق مبدأ الإبعاد السياسي للشخص المقر بالذنب لمدة 7 سنوات، وهو ما سيرفضه نتنياهو.

ويوجد مخرج أخير، وهو ما يعول عليه نتنياهو وفريقه القانوني، وهو استخدام النيابة العامة لصلاحيتها القانونية في إيقاف إجراءات التقاضي في بعض القضايا نظرًا لاعتبارات تتعلق بانعدام الأدلة أو تعارض المحاكمة مع المصالح العامة والقومية للدولة. ويعد هذا المخرج هو الذي يسعى نتنياهو للجوء إليه، خاصة في ظل تمتع الرئيس هرتسوغ بعلاقات طيبة جدًا مع النظام القضائي، وقد يمارس هرتسوغ وساطته الشخصية لأجل إقناع النيابة العامة بوقف إجراءات التقاضي. لذا يمكن القول إنه من المحتمل وجود صفقة سياسية كبرى أطرافها الرئيس هرتسوغ ونتنياهو والقضاء الإسرائيلي، عنوانها الأبرز: العفو في مقابل وقف إجراءات الإصلاح القضائي.

محاكمة نتنياهو - أرشيفية
محاكمة نتنياهو - أرشيفية

تداعيات طلب نتنياهو

1)  تصفير المشكلات مع الجهاز القضائي للدولة: على مدار ثلاثة أعوام متتالية تتصاعد المشكلات بين الجهاز القضائي في إسرائيل و"حزب الليكود" بزعامة نتنياهو على خلفية خطة الإصلاح القضائي التي تقدم بها نتنياهو والتي تهدف إلى إحكام السيطرة التامة على المحكمة العليا وباقي الأجهزة القضائية في الدولة. لكن بعد تقدم المحاكمات الخاصة بنتنياهو في قضايا الفساد باتت السلطة القضائية في موقف تفاوضي قوي قد يسمح بفرض رؤيتها في شكل عمل النظام القضائي في مقابل وقف إجراءات محاكمة نتنياهو.

2)  توسيع سلطة رئيس الدولة السياسية وتدخله في حل المشكلات: لا يمتلك الرئيس الإسرائيلي صلاحيات واسعة بعكس رئيس الوزراء، فصلاحيات الرئيس عادة ما تكون بروتوكولية تشريفية على غرار النمط البريطاني في الحكم، إلا أن قضية العفو عن نتنياهو أفردت مساحة واسعة للرئيس هرتسوغ، الذي من المحتمل أن يتدخل سياسيًا من أجل تحقيق العفو السياسي عن رئيس الحكومة بالضغط والمساومة مع الجهاز القضائي للدولة.

3)  تفوق حزب العمل: قد يسعى "حزب العمل"، الذي ينتمي إليه هرتسوغ، إلى استغلال مسألة العفو عن نتنياهو لأجل إعادة بلورة الحزب مرة أخرى كشريك في الحكم، بعد أن فقد هيمنته على الساحة السياسية الإسرائيلية في مطلع الألفية الجديدة، فأخر رئيس وزراء منتمي للحزب كان إيهود باراك.

4)  كسر شوكة نتنياهو: يتعامل نتنياهو باستعلاء شديد مع المكونات السياسية الإسرائيلية، بدءًا من القضاء وحتى المعارضة السياسية، فهو لا يقبل أية ضغوطات تمارس عليه. فمثلًا، مؤخرًا رفض تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر. إلا أن طلبه العفو من الرئيس هرتسوغ من شأنه كسر شوكة الاستعلاء لدى نتنياهو وإخضاعه مرة أخرى لقواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية.

ختامًا:

يكشف طلب نتنياهو للعفو عن لحظة فارقة في التاريخ السياسي الإسرائيلي، ليس فقط لأنه سابقة غير مسبوقة لرئيس وزراء في السلطة، بل لأنه يعكس حجم المأزق الذي يواجهه سياسيًا وقضائيًا، فبينما يحاول "الليكود" تطويق تداعيات المحاكمات عبر الضغط والتشريع والمناورة، تتجه بوصلة القرار الآن نحو الرئيس هرتسوغ والجهاز القضائي، اللذين باتا ممسكين بخيوط معادلة شديدة الحساسية.

محاكمة نتنياهو - أرشيفية
محاكمة نتنياهو - أرشيفية

احتمالات تحويل طلب العفو إلى صفقة سياسية – يقوم على أساسها إغلاق ملفات المحاكمة مقابل وقف خطة الإصلاح القضائي – تبقى مطروحة بقوة، خصوصًا في ظل حاجة هرتسوغ إلى تعزيز مكانته ودور حزبه، وحاجة المؤسسة القضائية إلى حماية استقلالها، وحاجة نتنياهو إلى النجاة من أخطر تهديد وجودي يواجهه منذ دخوله السياسة.

وبين التعثر القانوني والضغط السياسي وتوازنات الأحزاب، يتضح أن مستقبل نتنياهو لن يُحسم داخل قاعة المحكمة وحدها، بل في قلب المساومات الكبرى التي تعيد رسم حدود السلطة في إسرائيل. لذلك فإن طلب العفو ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو نافذة تكشف عن إعادة ترتيب محتملة في بنية الحكم والعلاقة بين السلطة التنفيذية والقضاء، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات غير تقليدية قد تغيّر قواعد اللعبة الإسرائيلية لسنوات قادمة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء