رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الهولوكوست والهسكالاه: معركة جديدة على هوية اليهود في أمريكا

التجمعات اليهودية
التجمعات اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية

تعرف موسوعة الهولوكوست مفهوم "الجيتو"، على أنه الحي اليهودي الذي تم إنشاؤه في عام 1516 في مدينة البندقية، وعلى غرار ذلك أمر الإمبراطور شارل الخامس بإنشاء المزيد من الأحياء اليهودية في مدن فرانكفورت وروما وبراغ والعديد من المدن الأوروبية.

  لم يكن "الجيتو" مجرد حي يقطنه اليهود، وإنما تحول إلى نمط حياة، عبّر عنه الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الخاصة بالصهيونية، إذ تطرق إلى الآثار العميقة التي خلفها "الجيتو" على عقلية ونفسية اليهودي. فالحياة في "الجيتو" تبعث على الخوف والطمأنينة في ذات الوقت؛ فالخوف منبعه الأغيار، والطمأنينة منبعها "الجيتو" والانغلاق على الذات الصهيونية. فالصهيونية على مدار التاريخ كانت الملاذ الآمن لليهود والدافع لعدم انخراطهم في المجتمعات، وكانت الدافع إلى تحقيق الهجرات المتتالية إلى فلسطين.

التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 
التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 

ويسرد المسيري أن التعاليم والشعائر اليهودية ساهمت بشكل صريح في تعزيز ثقافة "الجيتو"، فشعائر تحريم تناول الطعام والخمر المصنوعة من الأغيار ساهمت في تحقيق العزلة اليهودية، وكذلك تحريم الاختلاط في الزواج والدفن بجوار غير اليهود، إذ هدفت تلك الشعائر إلى تحقيق نقاء العنصر اليهودي وعدم تعرضه للدنس.

الهسكالاه والخطر الوجودي

في مرحلة متأخرة من الثورة الصناعية في أوروبا، وتحديدًا مع نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت موجات فكرية يهودية تشكل ثورة مضادة للفكر اليهودي التقليدي، وسميت بـ"الهسكالاه"، ورائدها الروحي موسى مندلسون. وترى "الهسكالاه" ضرورة إدماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، وذلك عبر فصل الدين عن السياسة، وأن يتعايش اليهود على أنهم جزء من الثقافة والحضارة الغربية، وتحويل الرموز اليهودية مثل جبل صهيون إلى مفهوم روحي رمزي، ونقد فكرة المسيح المخلص التي تقوم عليها الفكرة الصهيونية.

مثلت "الهسكالاه" خطرًا وجوديًا بالنسبة للحركة الصهيونية، لذا جوبهت الأفكار التنويرية اليهودية في القرن التاسع عشر بمعارضة شديدة من قبل اليهود أنفسهم، مما أدى إلى اندثار الأفكار التنويرية اليهودية لصالح الأفكار الصهيونية الداعمة لتحقيق عزلة اليهود وعدم اندماجهم في المجتمعات الأوروبية والغربية، تمهيدًا للهجرات الصهيونية إلى فلسطين أرض الميعاد.

التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 
التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 

مما سبق يُستنتج أن الحركة الصهيونية استفادت في المقام الأول من حالة العزلة التي عاشها اليهود في "الجيتوهات" في أوروبا، والتي وفرت بيئة خصبة لانتشار الأفكار الصهيونية الداعية لإقامة دولة إسرائيل في فلسطين. ورغم إقامة الدولة في عام 1948، ظلت فكرة "الجيتوهات" الفكرية مسيطرة على المجتمعات اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة، إذ عملت تلك "الجيتوهات" على تعزيز الفخر النفسي والسمو لدى اليهود عن باقي المجتمعات التي يعيشون في كنفها، ومن ثم اعتزالهم العمل العام في تلك الدول، والمساهمة الفعالة في خدمة الدولة الإسرائيلية وهم في البلاد التي يعيشون فيها. ويتضح ذلك من سلوكيات اللوبي اليهودي في أوروبا وأمريكا، إذ يسعى منتسبو اللوبي اليهودي إلى حشد التأييد الدولي، سواء المالي أو السياسي أو الاقتصادي، لإسرائيل رغم كونهم يحملون جنسيات الدول التي يعيشون فيها.

عودة الهسكالاه

ما يقلق إسرائيل حاليًا هو استعادة الأفكار التنويرية "الهسكالاه" في صفوف اليهود في أوروبا وأمريكا، وهو ما قد ينذر بفقدان إسرائيل مصادر الدعم الرئيسي لها في الدول الغربية. فتحرر اليهود من الأفكار الصهيونية وسعيهم الفعال إلى الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها يجعلهم يفضلون مصالح أوطانهم التي يعيشون فيها على مصالح إسرائيل.

التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 
التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 

وفي الفترة الأخيرة ظهرت تيارات يهودية في أوروبا وأمريكا متعلقة بشكل كبير بالاندماج في مجتمعاتهم أكثر من تعلقها بالانضمام لإسرائيل. وأغلب تلك التيارات ليبرالية ويسارية الطابع، ويقع الجزء الأكبر منها في مدينة نيويورك الأمريكية، والتي كان لها الفضل في فوز زهران ممداني بمنصب رئيس مدينة نيويورك، إذ عمد ممداني إلى تأطير الأصوات الليبرالية واليسارية اليهودية وحشدها خلال الانتخابات الماضية، واضعًا الفرصة أمام تلك التيارات للتعبير عن ذاتها الفكرية والتحرر من الفكرة الصهيونية الرامية إلى تعلق اليهود بإسرائيل.

توابع فوز ممداني

لا تزال إرهاصات فوز ممداني تتحقق، فمؤخرًا أعلنت جولي مينين، عضو مجلس مدينة منهاتن، فوزها برئاسة مجلس مدينة نيويورك لتكون الذراع الثانية في إدارة مدينة نيويورك بجانب عمدة المدينة زهران ممداني. فمجلس المدينة في نيويورك بمثابة السلطة التشريعية التي تقر القوانين المحلية وتناقش الميزانية الخاصة بالمدينة، والتي تقدر بـ116 مليار دولار.

التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 
التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 

تعد مينين يهودية الديانة تنتمي إلى التيار المعتدل في الحزب الديمقراطي، وتعد من نسل المهاجرين الناجين من الهولوكوست، فوالدتها وجدتها لأمها سبق أن هربتا من ألمانيا النازية إلى الولايات المتحدة. وتنشط مينين في مناصرة قضايا معاداة السامية، فضلًا عن كونها مناصرة لإسرائيل، إذ شاركت في العديد من المسيرات المطالبة بالإفراج عن اليهود المحتجزين لدى حماس.

قد يفسر البعض أن فوز مينين برئاسة مجلس مدينة نيويورك جاء ردًا على فوز ممداني بمنصب عمدة المدينة، نظرًا لدعمه حركات مقاطعة إسرائيل وخطابه المناهض للحرب، وأن توليها لهذا المنصب جاء لمحاولة موازنة قوة ونفوذ ممداني في نيويورك.

إلا أننا يجب أن ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وهي إمكانية التعاون بين ممداني ومينين في إدارة المدينة الأضخم في العالم، فميزانية المدينة وحدها تعد أكبر من ميزانيات دول في الشرق الأوسط. إذ أبدت مينين استعدادها للتعاون مع ممداني في خدمة مدينة نيويورك وتحقيق أهداف أجندته المتعلقة بتقليل تكلفة الإيجارات ورعاية الأطفال والخدمات الصحية، والأهم من ذلك تقليل تكلفة النقل في المدينة.

التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 
التجمعات اليهودية  في الولايات المتحدة الأمريكية - أرشيفية 

لذا فإن فكرة التعاون المشترك بين المكون المسلم والمكون اليهودي، رغم الاختلاف الفكري الحاد بين الطرفين، تعد بارقة أمل في إمكانية تحقيق التنوير التدريجي للطوائف اليهودية في أوروبا وأمريكا. فطبقًا للعقيدة الصهيونية واليهودية المتشددة، يُمنع إطلاقًا فكرة التعاون مع الأغيار تحت أي مسمى. لذا قد يشكل جناحا الحكم في نيويورك فرصة ذهبية لإعادة إدماج الطوائف اليهودية في المجتمعات الغربية، وتراجع مسألة دعم إسرائيل إلى مراتب أقل اهتمامًا.

ختامًا:

 فإن فوز ممداني المسلم ومينين اليهودية — والتي توصف بالاعتدال أحيانًا — من شأنه دفع التيار التقدمي اليهودي في نيويورك إلى البروز بشكل أوضح، وتخلصه من الحرج التاريخي المتمثل في تذبذب الانتماء الوطني لديه ما بين أمريكا وإسرائيل. فنتائج الانتخابات الأخيرة من شأنها دفع أنصار هذا التيار للاعتزاز بدينهم من ناحية، ومن ناحية أخرى تعزيز ولائهم للوطن الذي يعيشون فيه، وليس وطن يبعد عنهم مئات الكيلومترات.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء