رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل انتصرت إسرائيل؟ معركة السرديات بين نتنياهو ومعارضيه

نتنياهو وإيتمار بن
نتنياهو وإيتمار بن غفير - أرشيفية

لا يزال الجدل يساور الأوساط الإعلامية والبحثية والسياسية الإسرائيلية حول نتائج الحرب الأخيرة ضد إيران وحركة حماس وحزب الله، فالحكومة الإسرائيلية منقسمة على ذاتها حول تقييم نتائج الحرب الأخيرة؛ ففي الوقت الذي يدّعي نتنياهو ورفاقه في حزب الليكود تحقيق انتصارات كبرى تضاهي انتصارات تأسيس الدولة في عام 1948، ترى قوى اليمين في الحكومة أنها تعجلت في قبول اتفاق وقف إطلاق النار وضرورة العمل على استعادة القتال مرة أخرى، وأن النصر الحاسم لن يتحقق إلا بإزالة كاملة ونهائية لحركتي حماس وحزب الله، فضلًا عن إسقاط النظام في إيران.

وإزاء الموقف الحكومي المتقلب تجاه تقييم نتائج الحرب الأخيرة، تتخذ قوى المعارضة السياسية فكرة عدم تحقيق الأهداف الرئيسية للمعركة ـ مثل تفكيك حركة حماس ـ دليلاً واضحًا على فشل العملية العسكرية في غزة وجنوب لبنان وإيران، فحركة حماس وحزب الله ما زالا يعملان، وإن ضعفا، فإن ضعفهُما مؤقت وسيتلاشى مع استعادة كلا التنظيمين لقواعدهما البشرية والتسليحية.

المقاومة الفلسطينية - أرشيفية
المقاومة الفلسطينية - أرشيفية

تعريف النصر والهزيمة

تتعدد تعريفات النصر والهزيمة؛ فالمفهوم التقليدي القديم يشير إلى أن النصر هو أن يحقق أحد الطرفين أهدافه بينما يفقد الطرف الآخر القدرة والإرادة على مواصلة القتال، ويقترب هذا المفهوم بشدة من مفهوم النصر والهزيمة في المباريات الرياضية التي لا لَبْس فيها في تحقيق النصر أو الهزيمة، فقواعد اللعبة تُصرّ على وجود فائز وخاسر في ظل تحكيم رياضي واضح يحسم مسألة مَن الرابح.

فمفهوم النصر هو تحقيق الأهداف التي حددتها القيادة السياسية إلى جانب خلق واقع أمني جديد أكثر ملاءمة على المدى الطويل، أما الهزيمة فهي تدمير القدرة العسكرية للعدو وقدرته على مواصلة القتال في المواجهة الحالية.

لكن التعاريف الحديثة لمفهومي النصر والهزيمة تشير إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث إن الحرب عادة ما تدور في فلك من عدم اليقين والعشوائية والخداع والتضليل والغموض؛ فمثلًا كلا الجانبين في المعركة قد يدّعي النصر وذلك وفق تعريفاته الخاصة. ونتطرق هنا إلى الحرب الإيرانية الإسرائيلية، فكلا الطرفين على المستوى الإعلامي يدّعي النصر؛ فتل أبيب تؤكد تعطيلها للبرنامج النووي، وطهران هي الأخرى تدّعي تمكنها من قصف المدن الإسرائيلية مثل تل أبيب وحيفا، وتعتبر ذلك إنجازًا يوحي بالنصر.

سلاح حركة حماس - أرشيفية
سلاح حركة حماس - أرشيفية

وعلى المدى الطويل نسبيًا، إن نجحت كل من حماس وحزب الله في تفادي مسألة نزع سلاحهما، فقد يُحوّلان سرديات الحرب إلى نصر مبين تحت ادعاء فشل العدو الإسرائيلي في القضاء على فصائل المقاومة، ولعل حرب تموز (يوليو) 2006 بين إسرائيل وحزب الله خير دليل على ذلك؛ فرغم أن إسرائيل دمرت الضاحية الجنوبية تمامًا في تلك الحرب، إلا أن الحزب طوال عقدين من الزمن يدّعي انتصاره في تلك المعركة.

تسييس النصر

لحسم الجدل في هذا الإطار، يوضح قائد الفيلق الشمالي السابق والمدير السابق لوكالة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، والرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي، تامير هايمان، أنه تم تسييس مفهومي النصر والهزيمة، خاصة النصر المطلق والهزيمة المطلقة.

في مقالته الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي والمعنونة: "بين النصر والهزيمة الحاسمة: تقييم قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الحربية ضد حماس"، طالب هايمان بالتمييز بين مفهوم النصر من المنظور العسكري الاستراتيجي وبين مفهوم الهزيمة الحاسمة، وذلك لفهم الإنجازات التي تحققت خلال الحرب الماضية.

سلاح حزب الله - أرشيفية
سلاح حزب الله - أرشيفية

بمعنى أن هايمان يريد الفصل بين إنجازات الجيش الإسرائيلي خلال المعركة وبين سيناريوهات مصير حركة حماس، موضحًا أن إعادة الرهائن الإسرائيليين تشكل نصرًا واضحًا بالنسبة لإسرائيل.

تآكل مفهوم الهزيمة الحاسمة

يؤكد هايمان أن تغيّر طبيعة العدو أدى إلى تغيّر طبيعة العمليات التكتيكية؛ فسابقًا كانت تخوض إسرائيل حروبها ضد الجيوش النظامية، أما حروبها الأخيرة فكانت ضد منظمات وعصابات، الأمر الذي أدى إلى تغيّر المفهوم الأصلي لما يُسمى الهزيمة الحاسمة. فخلال العقود الأربعة الماضية لم تخض إسرائيل حربًا نظامية سوى مرتين؛ الأولى ضد سوريا عام 1982 وكانت اشتباكات محدودة على هامش حصار بيروت، والثانية كانت حرب الاثني عشر يومًا ضد إيران في عام 2025.

لذا تجنبت القيادة الإسرائيلية مسألة الهزيمة الحاسمة وتحديد أطرها، وفضّلت معاني أخرى مثل إضعاف الخصوم وتعزيز الردع، نظرًا لأن الهزيمة الساحقة والحاسمة ضد التنظيمات والميليشيات تتطلب تكاليف باهظة قد لا تقدر عليها الدولة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

وختامًا..

 يرى هايمان أن الأهداف الرئيسية التي حددتها الحكومة في البداية بعضها لم يتحقق، مثل تفكيك القدرات العسكرية لحركة حماس، ولكن تم إضعافها بشكل كبير جدًا، في حين تم إسقاط حكم حماس في حال المضي قدمًا في تطبيق خطة ترامب الرامية إلى إبعاد حماس عن حكم غزة، ويرى أنه من ضمن الأهداف التي حققتها إسرائيل في الحرب الماضية هو استعادة الشعور بالأمن لدى سكان مناطق النقب الغربي واستعادة الصمود والأمن لمواطني إسرائيل.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء