شرعنة العنف الاستيطاني: إسرائيل بين إخفاء الجرائم ومنح العفو للقتلة
على غرار تقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بطلب عفو من قبل الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ بإسقاط التهم المنسوبة إليه، تسعى قوى اليمين الإسرائيلي إلى تقديم قائمة إلى الرئيس بغرض الحصول على عفو رئاسي للعديد من اليهود المتطرفين المدانين في جرائم متعلقة بقتل فلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية.
في الغالب يمجد اليمين الإسرائيلي القتلة الإسرائيليين الذين ارتكبوا العديد من المذابح بحق الفلسطينيين مثل باروخ جولدشتاين الذي يحظى بمكانة أدبية كبرى في نفوس اليمين الإسرائيلي، فجولدشتاين سبق أن نفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في 25 فبراير 1994 مما أدى لمقتل 29 فلسطينيًا وإصابة أكثر من مائة شخص آخر، وجدير بالذكر أن العديد من المصادر الإسرائيلية تؤكد بأن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يتخذ من جولدشتاين مثلًا أعلى.

القائمة السرية
يكشف موقع (+972) الإسرائيلي عن وجود حملة لم تحظَ باهتمام إعلامي كبير شنتها قوى اليمين المتطرف في إسرائيل من أجل الحصول على عفو رئاسي للعديد من المتطرفين اليهود الذين أُدينوا بارتكاب جرائم إنسانية بحق الفلسطينيين.
ليس هذا الموقف غريبًا عن قوى اليمين المتطرف، فخلال جلسات محاكمات جنود سجن سدي تيمان المتهمين بالاعتداء الجسدي والجنسي على أسرى فلسطينيين بعد أحداث 7 أكتوبر أبدت قوى اليمين المتطرف تأييدها الكامل خلال جلسات المحاكمة لهؤلاء الجنود، مطالبين بالإفراج عنهم ومعاقبة المدعية العامة العسكرية السابقة يعفات تومر يروشالمي على تورطها في إظهار التسريب الخاص بهؤلاء الجنود والذي بسببه يُحاكم هؤلاء الجنود؛ فالجرائم الممارسة ضد الفلسطينيين لا تعد جرائم في نظر اليمين الإسرائيلي، بل بطولات يتم التفاخر بها.

صفقة تبادلية
في نهاية أكتوبر 2025 تقدم النائب ليمور سون هار ـــ ميليش عن حزب القوة اليهودية "عوتسما يهوديت" بطلب موقع من 11 وزيرًا و44 عضوًا من الائتلاف الحاكم، يطالب فيه الرئيس هرتسوغ بالإفراج عن اليهود المدانين بالقتل والحرق العمد للفلسطينيين، ويأتي هذا الطلب بعدما وافقت إسرائيل على إطلاق سراح ألفي معتقل فلسطيني منهم 250 سجينًا ممن يقضون مؤبدات عالية، لذا ارتأى ميليش بأن يكون العفو عن المدانين في الجرائم ضد الفلسطينيين ردًا على الإفراج عن 250 أسيرًا فلسطينيًا من ذوي المؤبدات والذين سبق اتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإسرائيليين.
وفي المقابل يشير الموقع (+972) إلى رفض مؤسسة الرئاسة ومؤسسة السجون الإسرائيلية وجهاز الأمن العام والمنظمات المدافعة عن حقوق هؤلاء السجناء الكشف عن الأعداد الحقيقية لليهود المسجونين على خلفية تلك الجرائم، لكن صرح المتحدث الرسمي باسم مؤسسة الرئاسة بأن المؤسسة تلقت 30 طلبًا من أجل الإفراج سواء عن المدانين أو المحتجزين على ذمة جرائم ضد الفلسطينيين.

وفي هذا الصدد تشير منظمة "يش دين" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إلى أن 94% من تحقيقات الشرطة في هجمات المستوطنين على الفلسطينيين عادة ما تُغلق دون توجيه اتهام، كما تبلغ احتمالية توجيه تهمة لجندي إسرائيلي بقتل فلسطيني مقدار 0.4% وهي نسبة تكاد تكون معدومة، وفيما يلي نموذج لبعض طلبات العفو عن المدانين بجرائم ضد الفلسطينيين وهي كالتالي:
قضية عامي بوبر: يعد بوبر من أبرز القتلة في التاريخ الإسرائيلي، إذ تعود قضيته إلى عام 1990 حينما سرق الزي العسكري والسلاح الشخصي لشقيقه المجند واتجه نحو سبعة عمال فلسطينيين في إحدى محطات الحافلات وأمرهم بالخضوع ثم أطلق عليهم الرصاص مرديًا إياهم قتلى. ومن المقرر أن يتم إطلاق سراحه في عام 2030، ولذلك يرغب الرئيس هرتسوغ في إطلاق سراحه على أمل تخفيف حدة معارضة اليمين المتطرف لاتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين.

عميرام بن أوليئيل: أُدين أوليئيل بقتل ثلاثة فلسطينيين من عائلة الدوابشة في بلدة دوما بالضفة الغربية في عام 2015 بعدما ألقى زجاجات حارقة على منزل العائلة مما أدى إلى مقتل الوالدين وابنهما الذي يبلغ من العمر 18 شهرًا فقط، في حين نجا الابن الأكبر البالغ أربع سنوات وقتها لكنه أصيب بحروق بالغة. وفي مايو 2020 تم الحكم على أوليئيل بالسجن لمدة ثلاثة مؤبدات وعشرين عامًا أخرى، ويدعي أنصار اليمين المتطرف أن اعترافات أوليئيل أُخذت تحت تأثير التعذيب إذ انتُزعت منه اعترافاته تحت التعذيب.
يعقوب تيتل: أُدين تيتل في عام 2013 بقتل الفلسطيني سمير بلبيسي وعيسى جبارين بالإضافة إلى محاولة قتل أكاديمي يساري بوضع قنبلة قرب منزله، وحين تم القبض عليه عثر على أسلحة ومسدسات وعبوات ناسفة، وحكم عليه بالسجن بالمؤبد مرتين إضافة إلى 30 عامًا إضافية، وخلال فترة السجن حاول طعن سجين آخر.
نوعام أليمالك ونفتالي إلمكايس: سبق لهما أن اعتديا على عامل مطعم فلسطيني وأصاباه بجروح بالغة وذلك في عام 2021، حُكم على أليمالك بالسجن 11 عامًا فيما حُكم على شريكه إلمكايس بالسجن أربع سنوات ونصف.

حانوخ عكيفا وراز حاييم جارون: قاما بمهاجمة عائلة فلسطينية بواسطة الفأس في بلدة حوارة بالضفة الغربية في مارس 2023، حيث نصبا كمينًا لعائلة فلسطينية في أحد المتاجر وقاما بالاعتداء عليها بالفأس والحجارة مما أدى إلى إصابة رب الأسرة الفلسطيني في رأسه وكتفه، وحُكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات.
يوسف حاييم بن دافيد: قام يوسف حاييم رفقة ابني أخيه بقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير (16 عامًا) أثناء ذهابه لقضاء صلاة الفجر في مدينة القدس الشرقية، حيث تم اختطافه واقتياده إلى إحدى الغابات وإشعال النار فيه حيًا، لذا حُكم على دافيد بالمؤبد و20 عامًا إضافية، وحُكم أحد القاصرين بالسجن المؤبد فيما حُكم القاصر الآخر بالسجن 21 عامًا، ورُفض استئنافهم من قبل المحكمة العليا.
نتانئيل بنيامين: هو من قام بإعدام الفلسطيني سعيد موسى شنقًا في مدينة بات يام في مايو 2021، ولم يكتفِ بشنقه بل انهال على القتيل ركلاً ورجمًا، مما أدى إلى إدانته، إلا أنه عوقب بالسجن اثني عشر عامًا ونصف فقط في عام 2023.
وختامًا:
يتبقى لنا أن نقول إن طلبات العفو عن المدانين في جرائم إنسانية ضد الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية من شأنها شرعنة الإرهاب الاستيطاني الإسرائيلي، فأغلبية الجرائم يتم التستر عليها فعليًا وطمس حقائقها، وما إن وصل بعضها إلى ساحات القضاء تسعى تل أبيب إلى إيجاد المبررات أو تبرئة المدانين، وفي حالة الإدانة يتم التماس العفو.

فإذن كل هذه الإجراءات من شأنها زيادة العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، فخلال العامين الماضيين – وفق إحصائيات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة – أشير إلى مقتل ما يزيد عن ألف مواطن فلسطيني خلال العامين الأخيرين نتيجة عنف الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تحقيق أهداف التيارات اليمينية الإسرائيلية الرامية إلى ترويع السكان الفلسطينيين وإجبارهم قسرًا على مغادرة أراضيهم والاستيلاء عليها، وأخيرًا تهويد الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.



