رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ازدواجية المعايير: لماذا تُحاكم واشنطن حماس وتتجاهل عنف المستوطنين؟

اليمين المتطرف في
اليمين المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

لا تزال هناك تخوفات أمريكية موسعة من احتمالية فشل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، خاصة في ظل تنامي المعوقات الأمنية التي تواجه الاتفاق، والتي من أبرزها على الإطلاق مسألة نزع سلاح حركة حماس؛ إذ لوحظ خلال الفترة الماضية نكوص الحركة عن وعودها السابقة إبان التوقيع على الاتفاق بتسهيل نزع سلاحها، فالحركة ما تزال متمسكة إلى اليوم بسلاحها، وجلّ ما تسعى إليه هو نزع جزئي لسلاحها وليس نزعا كليًا

ومن ضمن الأمور الأخرى الأكثر تهديدًا لاتفاق وقف إطلاق النار هو تنامي قوى اليمين المتطرف الإسرائيلي خلال الفترة الماضية؛ فالأحزاب اليمينية والجماعات المرتبطة بها مثل حركة شباب التلال وغيرها عادة ما تمارس سلوكيات من شأنها إرساء مبادئ الكراهية والخوف، الأمر الذي يدفع الفلسطينيين إلى المقاومة والدفاع عن حقوقهم.

فصائل المقاومة الفلسطينية -  أرشيفية
فصائل المقاومة الفلسطينية -  أرشيفية

وفي هذا السياق، ترى العديد من الدوائر الأمريكية الرائدة في مجالات المشورة والبحوث السياسية أهمية إبعاد الطرفين عن العملية السياسية القائمة الآن في غزة، وذلك من أجل ضمان نجاح اتفاق وقف إطلاق النار والدخول في المرحلة الثانية بهدوء وسلاسة. وفي هذا الإطار نشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى رؤيته حول إمكانية إنجاح عملية السلام في غزة تحت عنوان: "على الإسرائيليين والفلسطينيين مواجهة مُفسديهم" للكاتب الإسرائيلي ديفيد ماكوفسكي، والذي يشغل مدير مشروع كوريت للعلاقات العربية الإسرائيلية.

السيطرة على حماس

يرى الكاتب أن حركة حماس وسلاحها من أبرز العوائق أمام استمرارية اتفاق وقف إطلاق النار والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق؛ حيث لطالما شكّل السلاح ذريعة إسرائيلية للتدخل في غزة وقصف المنشآت بها، كما يُستخدم هذا السلاح في توجيه عمليات ضد الجانب الإسرائيلي.

فصائل المقاومة الفلسطينية -  أرشيفية
فصائل المقاومة الفلسطينية -  أرشيفية

ورغم ذلك، ينظر ماكوفسكي بنظرة إيجابية إلى مسألة نزع سلاح حركة حماس نظراً للحالة الفريدة التي توجد عليها الآن الحركة؛ فجميع الحكومات العربية والإسلامية ــ بالتأكيد ما عدا إيران ـــ ترى وتؤكد ضرورة نزع سلاح الحركة، هذا بالإضافة إلى موقف السلطة الوطنية الفلسطينية الرافض لمسألة سلاح حماس، وبالتالي قد تشكل الحكومات العربية والإسلامية عامل ضغط قوي على الحركة من أجل قبول مسألة نزع سلاحها.

عنف المستوطنين

يرى ماكوفسكي أنه يجب على إسرائيل مواجهة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، حيث ما زالت جماعات المستوطنين تمارس بشكل منهجي هجمات عنف على القرى الفلسطينية في محيط الضفة الغربية، وهو الأمر الذي قد يفاقم الأوضاع في قطاع غزة.

وعلى عكس موقف سلاح حماس، لا ينظر ماكوفسكي بنظرة إيجابية إلى مسألة عنف المستوطنين وجماعاتهم المتطرفة في الضفة الغربية، ويرى أن عنف المستوطنين يقوّض سياسات الحكومة الإسرائيلية وعلاقتها بالدول الخارجية التي باتت غير راضية عن أفعال المستوطنين.

حركىة حماس - أرشيفية
حركىة حماس - أرشيفية

استعادة الكاريزما التاريخية

يرى الكاتب أن مسألة القضاء على حركة حماس وحركات الاستيطان الإسرائيلية لا بد أن تكون نابعة من داخل المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي؛ إذ يرى ضرورة بروز شخصيات ذات ثقل مجتمعي قوي وشجاعة سياسية نادرة تساهم بشدة في وأد تطلعات الطرفين وتهميش المتطرفين من الجانبين لأجل الدخول في عملية السلام.

ويشير ماكوفسكي إلى الدور الذي قام به الجنرال الفرنسي شارل ديجول الذي نجح في مقاومة التيارات المتطرفة في الجيش الفرنسي، وفي العالم العربي أشار الكاتب إلى الدور الذي قام به الرئيس المصري أنور السادات الذي استطاع بمفرده كسر حاجز الرفض العربي وفتح الباب أمام المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي من أجل بناء السلام مع إسرائيل.

انفاق حركة حماس في غزة - أرشيفية
انفاق حركة حماس في غزة - أرشيفية

وعلى الجانب الإسرائيلي، أشاد بموقف رئيس الوزراء الراحل إسحاق رابين، وهو من القيادات الأمنية الكبرى في التاريخ الإسرائيلي، في كسر حالة تحريم المحادثات المباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت تعتبرها إسرائيل منظمة إرهابية، ونجح رابين في التوصل إلى اتفاقية أوسلو مع المنظمة عام 1993، والتي بموجبها تخلت المنظمة عن سلاحها وقبلت الدخول في المفاوضات السلمية.

ولذا يرى ماكوفسكي ضرورة استعادة مثل تلك الشخصيات في الوقت الراهن، والتي تعمل على مواجهة الحواجز الداخلية الرافضة لعملية السلام؛ فعلى الجانب الفلسطيني مثلاً يجب بروز شخصية فلسطينية قادرة على مواجهة حركة حماس ولديها القدرة على نزع سلاحها، وكذلك الحال على الجانب الإسرائيلي يجب بروز شخصية قوية قادرة على كبح جماح الجماعات اليمينية المتطرفة وحركات الاستيطان التابعة لها.

مقارنة غير عادلة

في سياق المقالة حاول الكاتب تقليل انتقاداته للجماعات الاستيطانية الإسرائيلية وإظهارها بالأمر الهين؛ إذ اتهم حركة حماس بوضوح بأنها جماعة متطرفة مكرسة لقتل الإسرائيليين فقط، في حين لمح إلى أن حركة شباب التلال مجرد حركة ضعيفة صغيرة لا تمثل جزءاً كبيراً، تسعى فقط إلى اقتلاع أشجار الزيتون في الضفة الغربية.

اليمن المتطرف في إسرائيل - أرشيفية
اليمن المتطرف في إسرائيل - أرشيفية

لم يُخفِ الكاتب انتماءاته السياسية الموالية لإسرائيل، فمن خلال مقارنة بسيطة بين أرقام ضحايا حادث 7 أكتوبر وبين ضحايا الهجمات الاستيطانية يتضح الآتي: فوفقاً للمصادر الإسرائيلية بلغ عدد الضحايا الإسرائيليين جراء أحداث 7 أكتوبر 2023 حوالي 1200 قتيل إسرائيلي و200 أسير، أما فيما يخص ضحايا الهجمات الاستيطانية فقد أوضح مكتب حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة أن الجماعات الاستيطانية ارتكبت خلال الفترة من 7 أكتوبر 2023 وحتى نوفمبر 2025 حوالي 260 هجمة على سكان الضفة الغربية مخلفة حوالي 1017 قتيلاً فلسطينياً منهم على الأقل 220 طفلاً.

من المواجهة العسكرية إلى التشويه

يحث ماكوفسكي الدول العربية على مواجهة حركة حماس عسكرياً، وفي المقابل يجب أن تسعى إسرائيل إلى تشويه سمعة الجماعات الاستيطانية وتوفير الإدانة الأخلاقية لأفعال تلك الجماعات المقتَلعة لأشجار الزيتون، موضحاً فقط أن حجم ضحايا الاستيطان هو إصابة 100 شخص فقط.

كما يتهم الكاتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بتجاهل التحقيقات في هجمات المستوطنين، إذ انخفضت التحقيقات بنسبة 73%، وهو ما يشجع المستوطنين على شن الهجمات.

ويتضح من ذلك أن الكاتب الإسرائيلي منعزل تماماً عن أحداث العنف الاستيطاني في الضفة الغربية أو يحاول تخفيف وطأة تلك العمليات العنيفة التي وصفها بأنها مجرد عمليات اقتلاع شجيرات الزيتون في قرى الضفة الغربية.

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تجاهل الكاتب حادث مقتل أيسم جهاد لبيب ناصر، الطفل الفلسطيني ذو الـ13 عاماً، الذي قتلته الشرطة الإسرائيلية في 14 نوفمبر 2025 أثناء توفير الحماية الأمنية لهجمات الجماعات الاستيطانية على مزارع الزيتون في الضفة الغربية، إذ قتل أيسم اختناقاً بالغاز حينما هَمّ المستوطنون بالتعدي على مزرعة الزيتون الخاصة بعائلته، مما استدعى تدخل الشرطة الإسرائيلية بإطلاق الغاز المسيل للدموع عليه بكثافة، مما أدى إلى تعرضه لمضاعفات مرضية نتيجة الاختناق الشديد ووفاته.

ختامًا:

ما تزال الرؤى الأمريكية والإسرائيلية تغرد خارج السياق الحقيقي لواقع الأزمات الفلسطينية ـ الإسرائيلية؛ فما تزال تلك الكتابات تنكر حقيقة الإرهاب الإسرائيلي المرتكب من قبل الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية، فضلاً عن الجرائم الإنسانية المرتكبة من قبل الجيش الإسرائيلي، وتركز فقط على ردود أفعال فصائل المقاومة الفلسطينية.

وبلغ الأمر ذروة الانفصام السياسي حين همّ الكاتب بتوضيح كيفية مواجهة التطرف على الجانبين؛ فعلى الجانب الفلسطيني حثّ الدول العربية على المواجهة المسلحة مع حركة حماس ونزع سلاحها بالقوة، أما على الجانب الآخر فطالب السلطات الإسرائيلية بأهمية توجيه اللوم الأخلاقي لجماعات الاستيطان وتنشيط دور وزارة الأمن القومي في زيادة عدد التحقيقات الخاصة بهجمات المستوطنين واقتلاع جذور أشجار الزيتون.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء