حدود مضطربة وتوافقات صعبة: أين يتجه الانفتاح الطاجيكي على طالبان؟
تشهد العلاقات بين طاجيكستان وأفغانستان تحولات لافتة مؤخرًا، خاصة بعد وصول وفد – وصفته تقارير أفغانية وطاجيكية بـ"رفيع المستوى" – إلى العاصمة الأفغانية "كابول" منتصف نوفمبر الجاري، والذي ضم مسؤولين من وزارة الخارجية الطاجيكية وهيئات حكومية أخرى، في خطوة قد تكون بداية لإعادة رسم العلاقة بين البلدين، بعد مواقف متشددة اتخذتها طاجيكستان ضد حكومة طالبان.
وتأتي هذه الزيارة في الوقت الذي تشهد فيه منطقة آسيا الوسطى تزايدًا متدرجًا في العلاقات مع حكومة حركة طالبان، ما دفع طاجيكستان إلى مواءمة سياستها الخارجية في هذا الاتجاه والاندماج مع سياسة المنطقة سعيًا لتحقيق التوافق الإقليمي، خاصة في ظل الملفات المشتركة بين الجانبين والتي تحتاج تنسيقًا بين طاجيكستان وأفغانستان، وعلى رأسها التنسيق الأمني والمعارضة الأفغانية المسلحة.
ملفات مشتركة
تكشف طبيعة الوفد الطاجيكي إلى أفغانستان – وهي المرة الأولى التي يزور فيها وفد حكومي رفيع المستوى أفغانستان بعد وصول طالبان للسلطة – عن الملفات المحتملة التي سيطرحها الجانبان للنقاش، حيث ضم الوفد 14 مسؤولاً رفيع المستوى من أجهزة الأمن والمخابرات والشؤون الخارجية في طاجيكستان، وعقد اجتماعات مع رئيس الوزراء في حكومة طالبان ووزير الخارجية ورئيس المخابرات.

ويبدو من خلال التمثيل الأمني الموجود في الوفد الذي ضم النائب الأول لقائد قوات الحدود التابعة للجنة الأمن القومي في طاجيكستان، ومستشاري الاستخبارات الكبار، ومسؤولي الأمن المحليين من مقاطعة بدخشان - المنطقة الحدودية الجبلية التي تشترك في حدود طويلة ومخترقة مع أفغانستان - أن التنسيق في الملفات الأمنية على رأس الأولويات في مناقشات الجانبين، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة على طول الحدود بين أفغانستان وطاجيكستان، والتي تمتد مسافة تصل إلى 1,357 كيلومترًا، وهو ما يتطلب تنسيقًا أمنيًا عالي المستوى.
وما يعزز اهتمامات طاجيكستان بالجانب الأمني هو وجود تهديدات عابرة للحدود وهي مصدر قلق كبير لطاجيكستان التي لا تَقوَى بمفردها على مواجهتها، مثل تهريب المخدرات والأسلحة والأنشطة المسلحة، إضافة إلى وجود جماعات متطرفة على الأراضي الأفغانية تمثل تهديدًا لدول الجوار، ومن بينها طاجيكستان التي بدأت من خلال هذه الزيارة إعادة رسم العلاقات مع أفغانستان، وإعادة تقييم نهجها الذي اتصف بالمعارضة الشديدة للتقارب مع طالبان بعد وصولها للسلطة.
المناقشات التي أجراها الوفد مع أمير خان متقي وزير الخارجية في حكومة طالبان ركزت أيضًا على تعزيز وتوسيع العلاقات الاقتصادية، وإذا كانت طاجيكستان تسعى للاندماج مع سياسات دول آسيا الوسطى فإن هذا الاندماج يشمل التعاون الاقتصادي أيضًا، في ظل اتجاهات هذه الدول إلى توسيع الأسواق وتنشيط العلاقات التجارية مع أفغانستان، ما يحقق مصالح دول المنطقة التي تسعى للتوافق.
في المقابل، فإن أفغانستان تسعى إلى استثمار الفرص الاقتصادية في ظل معاناتها اقتصاديًا التي تزداد بعد سيطرة طالبان على السلطة، حيث جُمدت العقوبات الدولية أكثر من 7 مليارات دولار من احتياطيات البنك المركزي الأفغاني، وتوقفت المساعدات الخارجية التي كانت تشكل 75% من الموازنة الحكومية، ولذلك فإن أفغانستان تسعى لتنويع اقتصادها عبر التجارة الإقليمية، كما أنها تسعى أيضًا لتقليل اعتمادها على باكستان في ظل العلاقات المتوترة.

يبدو من خلال الزيارة أيضًا – التي ضمت مسؤولين من الخارجية الطاجيكية واللقاء مع وزير خارجية طالبان – أن هناك اتجاهًا لفتح مسارات دبلوماسية، وتَخلّي طاجيكستان عن سياستها تجاه طالبان، والمساعي المتبادلة بين الجانبين لإعادة ترتيب العلاقات وتخفيف حدّة التوتر بين البلدين، خاصة وأن طاجيكستان كانت أكثر دول منطقة آسيا الوسطى حذرًا في التعامل مع طالبان.
ووفق تقارير إعلامية رسمية من الجانبين، فإن الملفات التي طُرحت للنقاش تضمنت إعادة فتح السفارة الأفغانية في طاجيكستان، وذلك في الوقت الذي أكد فيه أمير خان متقي التزام حكومة طالبان بتطوير علاقات حسن الجوار مع جمهورية طاجيكستان، وأكد أن العلاقات بين البلدين تشهد تطورًا ملحوظًا في مختلف القطاعات، وفي المقابل، تعهّد المسؤولون الطاجيكيون بتعزيز العلاقات الثنائية وتعميق التعاون مع أفغانستان.
نتائج محتملة
في ظل اهتمام الجانبين بالعديد من الملفات المشتركة وعلى رأسها الجانب الأمني، فمن المحتمل أن تشهد الحدود المشتركة بين البلدين انضباطًا خلال المرحلة المقبلة في حال تعاون طالبان مع طاجيكستان في مواجهة التهديدات المتزايدة من خلال هذه الحدود، وخاصة تهريب المخدرات والسلاح، إضافة إلى كبح التهديدات التي تمثلها الجماعات المتطرفة على الأراضي الأفغانية، وإن كانت "طالبان" ليست لديها القدرة الكاملة لمنع هذه التهديدات، ولكن التعاون بين الجانبين قد يحقق بعضًا من النتائج المرجوة.
في المقابل، فإن التنسيق بين الجانبين قد يدفع طاجيكستان إلى التخلي عن دعمها لحركة "المقاومة الوطنية" بقيادة أحمد مسعود، التي تعلن عداءها لطالبان بشكل صريح، وتسيطر بشكل كبير على ولاية "بنجشير" التي تقع على بُعد 150 كم فقط من العاصمة كابل، وتضم حوالي 173 ألف نسمة غالبيتهم ينتمون لعرقية "الطاجيك" التي تعد العرقية الرئيسية في طاجيكستان.

ويصر أحمد مسعود زعيم الحركة على المواجهات مع حركة طالبان، ويدعو المجتمع الدولي إلى تحرير الشعب الأفغاني من طالبان، وكانت آخر تصريحاته خلال مشاركته في الاجتماع السنوي لمنتدى "لقاءات المستقبل" في فرنسا التي أكد خلالها أن بلاده تحولت مجددًا إلى مركز عالمي لتدريب الجماعات الإرهابية منذ سيطرة حركة طالبان على السلطة، معتبرًا أن المقاومة المسلحة ضد طالبان هدفها الوصول لحل سياسي يضمن حرية الأفغان، إضافة إلى انعكاس التعاون على أوضاع عناصر الحركة المسلحين في طاجيكستان.
من المحتمل أيضًا أن تتسبب الزيارة في تحقيق التوازن الإقليمي وفتح مسارات اقتصادية جديدة تستفيد منها دول المنطقة، حيث إن التحركات من جانب طاجيكستان لا تنفصل عن السياسة التي تنتهجها روسيا بتشجيع التواصل والانفتاح على "طالبان" في محاولة لاحتواء التهديدات التي تمثلها الأراضي الأفغانية والتي تنعكس على دول منطقة آسيا الوسطى الأخرى، ما يعزز حاجتها إلى تحقيق الاستقرار من خلال التوافق مع طالبان بدعم من موسكو.
ختامًا:
يمكن القول إن التحول في العلاقات بين طاجيكستان وحكومة "طالبان" الأفغانية يمثل تطورًا ضمن سياق يشمل منطقة دول آسيا الوسطى التي تتبنى سياسة براغماتية تجاه أفغانستان لإدارة التهديدات والمخاطر، إضافة إلى تسهيل حركة التجارة واقتناص الفرص الاقتصادية، وذلك بتشجيع من روسيا.

وعلى الرغم من المواقف المتشددة التي اتخذتها طاجيكستان تجاه حكومة طالبان بعد وصولها للسلطة في 2021، إلا أنها وجدت نفسها بحاجة لإعادة رسم العلاقات معها، وذلك للانخراط في التوافق الإقليمي والمواءمة السياسية مع دول المنطقة، إضافة إلى الملفات المشتركة التي تتطلب التنسيق والتعاون الثنائي وضبط التهديدات التي تقلق طاجيكستان.
وعلى الرغم من أن الزيارة تعد خطوة نحو بناء الثقة، ويمكن أن تفتح مسارات جديدة سواء دبلوماسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا، إلا أن ذلك سيظل مرهونًا بمدى قدرة طالبان على كبح التهديدات التي تقلق طاجيكستان، وأيضًا الموقف الذي ستتخذه طاجيكستان بشأن دعم حركة "المقاومة الوطنية" المعادية لطالبان، فضلًا عن إدارة ملف المعارضة الأفغانية المسلحة على أراضيها.



