رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الجدار الإسرائيلي جنوب لبنان.. إجراء أمني أم مناورة لتثبيت واقع حدودي؟

الجدار الاسرائيلي
الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية

في خطوة جديدة من الاشتباك السياسي والعسكري بين إسرائيل ولبنان، أقدمت تل أبيب على بناء جدار خرساني على الحدود اللبنانية، وهو ما يمنع السكان المحليين من الوصول إلى مساحة تفوق أربعة آلاف متر مربع من الأراضي اللبنانية، وفق المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، الذي نقل عن قوات حفظ السلام التي أجرت مسحًا للمنطقة أن جزءًا من جدار آخر يتجاوز الخط الأزرق الذي جرى تشييده شرقي يارون.

وتمثل الخطوة الإسرائيلية تطورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، حيث أبلغت قوات حفظ السلام (يونيفيل) أنها أبلغت الجيش الإسرائيلي بالنتائج التي توصلت إليها وطلبت إزالة الجدار، واعتبرت في بيان منفصل أن وجود إسرائيل في الأراضي اللبنانية وأعمال البناء التي تجريها هناك يشكلان انتهاكًا لقرار مجلس الأمن 1701 ولسيادة لبنان وسلامة أراضيه.

الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية
الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية

ويبدو من خلال هذا الإجراء أن إسرائيل تريد فرض واقع حدودي مختلف، يحمل في جوهره أبعادًا أمنية وسياسية وقانونية متشابكة، ما قد يؤدي إلى زيادة التوترات على الأرض في ظل بيئة إقليمية متقلبة ووجود فاعلين غير دولتيين مثل حزب الله يمتلكون قدرات عسكرية متقدمة.

في المقابل، طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من وزارة الخارجية التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي بشأن قيام إسرائيل ببناء جدار إسمنتي في جنوب لبنان يمتد إلى ما وراء الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة، كما طلب عون من وزير الخارجية يوسف رجي تكليف البعثة اللبنانية الدائمة لدى الأمم المتحدة بتقديم الشكوى، معتبرًا أن الجدار الإسرائيلي ينتهك سيادة لبنان وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وفق بيان للرئاسة اللبنانية. 

دوافع التحرك الإسرائيلي

يأتي التحرك الإسرائيلي مدفوعًا بعدة أهداف في ظل التوترات القائمة، وعلى رأس هذه الأهداف الإجراءات الأمنية في ظل التوجس الإسرائيلي من إعادة بناء قدرات حزب الله. ووفق تصريحات من جانب الجيش الإسرائيلي، فإن الجدار يأتي كجزء من خطة أوسع بدأ بناؤها عام 2022.

وتسعى "تل أبيب" إلى اتخاذ إجراءات أمنية أكثر صرامة تتضمن تعزيز الحدود اللبنانية، حيث يبرر الجيش الإسرائيلي الإجراءات الأخيرة بالقول إنه منذ بداية الحرب، وفي إطار الدروس المستفادة منها، واصل الجيش العمل على سلسلة من الإجراءات، بما في ذلك تعزيز الحاجز المادي على طول الحدود الشمالية.

وتعتبر "تل أبيب" أن جنوب لبنان يُعد منطقة نفوذ لحزب الله، الذي لديه قدرات عسكرية كبيرة، وقد تبرر إسرائيل خطوتها الأخيرة باعتبارها إجراء احترازيًا لمنع تهريب الأسلحة أو إقامة بنى تحتية هجومية من لبنان باتجاه إسرائيل، وهو ما أعلن عنه الجيش الإسرائيلي الذي أكد في تصريحات أن هذه الإجراءات تأتي في إطار التعلم من دروس الماضي، في إشارة إلى الحروب والصراعات الأخيرة.

الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية
الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية

ووفق وسائل إعلام عبرية، فإن مسؤولين إسرائيليين صعّدوا في تسريبات لوسائل الإعلام المحلية من تهديداتهم بشأن شن عملية عسكرية جديدة ضد حزب الله، رغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار منذ 27 نوفمبر 2024، حيث تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن حزب الله لا يزال يمتلك عشرات آلاف الصواريخ بمختلف أنواعها، وأنه منذ نهاية الحرب وسريان اتفاق لوقف إطلاق النار أنتج حزب الله آلاف الطائرات المسيرة الجديدة والطائرات المسيرة المتفجرة.

بالإضافة إلى ذلك، تعزز هذه الخطوة موقف إسرائيل عند الحدود، وقد يكون ذلك جزءًا من محاولات "تضييق" المساحات التي لا تستطيع السيطرة عليها أمنيًا، إضافة إلى ترسيخ نفوذ أكبر في أي نقاش مستقبلي، وورقة ضغط للاستفادة منها مستقبلًا، خاصة إذا كانت هذه الخطوة تمثل إحراجًا للحكومة اللبنانية.

وتأتي الخطوة أيضًا كاستثمار من جانب تل أبيب لحالة الضعف التي أصبح عليها لبنان، حيث إن القوة المهددة لإسرائيل والمتمثلة في حزب الله في أضعف حالاتها، إضافة إلى أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على الرد العسكري على هذه الخطوات من جانب إسرائيل، وهو ما يمثل غياب القوة الرادعة التي تمنع مثل هذه التحركات.

الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية
الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية

وتمثل الخطوة أيضًا التفافًا على خطوات دولية سابقة لتأكيد انسحاب الجيش الإسرائيلي، حيث إن تجاوز الخط الأزرق في عام 2000، الذي يمثل "حدودًا" غير رسمية بطول 120 كيلومترًا رسمتها الأمم المتحدة بين لبنان وإسرائيل، وكان الهدف الرئيسي لخط الترسيم هو تأكيد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية كما نصت عليه قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

تداعيات محتملة

قد تؤدي هذه الخطوة من جانب إسرائيل إلى زيادة التوترات الأمنية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث إن عرقلة وصول السكان المحليين إلى بعض المناطق اللبنانية قد يؤدي إلى اشتباكات أو عمليات أمنية، إضافة إلى ردود الأفعال المحتملة من جانب حزب الله الذي قد ينفذ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي نظرًا للانتهاكات التي ترتكبها تل أبيب.

وتمنح هذه الخطوة من جانب إسرائيل أيضًا غطاءً سياسيًا لحزب الله، وتمنحه مبررات للإبطاء في تنفيذ خطة الجيش اللبناني لنزع السلاح أو حصره بيد الدولة، إذ تبدو الحكومة في موقف الضعيف أو العاجز عن حماية سيادة الدولة وحفظ حدودها، في الوقت الذي تريد فيه الحكومة نزع "سلاح المقاومة" وفق ما تصدره سردية حزب الله.

إذا لم تتم المساندة الدولية للحكومة اللبنانية في الضغط على إسرائيل لإزالة الحاجز الخرساني، فإنه سيتحول إلى جزء من واقع أمني دائم فرضته إسرائيل، وبطبيعة الحال سيكون التزامًا طويل الأجل من الناحية العسكرية، وهو ما قد يستتبعه المزيد من البنى التحتية الإسرائيلية بحجة مواجهة التهديدات المستقبلية.

الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية
الجدار الاسرائيلي الفاصل مع لبنان - أرشيفية

ختامًا:

 يمكن القول إن إقدام إسرائيل على بناء جدار خرساني "جنوب لبنان" لا يمكن اعتباره مجرد "إجراء دفاعي" أو تعزيز لإجراءات أمنية لمواجهة تهديدات محتملة، بل يمكن اعتباره عملًا استراتيجيًا يتجاوز الحماية الفورية. وفي حال غياب الدعم الدولي للبنان للضغط على إسرائيل وإزالة الجدار، فإنه قد يحمل تأثيرات محلية وإقليمية على المدى الطويل.

كما أن هذه الخطوة من جانب إسرائيل قد تعطي حزب الله غطاءً سياسيًا للتمسك بسلاحه، في ظل إظهار الحكومة غير قادرة على مواجهة التهديدات الإسرائيلية أو الحفاظ على سيادة الدولة، وهو ما قد يضعف مساعي الحكومة اللبنانية لاسترداد قرار السلم والحرب وتفعيل مؤسسات الدولة الرسمية، خاصة وأن الجدار يشكل تهديدًا لحقوق السكان المحليين في الجنوب اللبناني، وقد يكون نقطة تصعيد دبلوماسي وأمني.

خطورة استمرار إسرائيل في بناء الجدار أو إقامة بنى تحتية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية دون مواجهة دولية، أنها ستتحول إلى جزء من واقع جديد تفرضه على الأرض، وهو الأمر الذي قد يعيد تشكيل بعض الضوابط الخاصة بتحديد الحدود بين لبنان وإسرائيل. ولذلك تتطلب الخطوة ردًا لبنانيًا مدعومًا بتحرك دولي للحفاظ على الترتيبات الأمنية ودعم الحكومة اللبنانية وخفض التوتر المرشح للتصاعد أو الانفجار في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء