رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصوفية وطالبان في أفغانستان: تاريخ طويل من النفوذ والتوتر

الطرق الصوفية في
الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية

شهدت أفغانستان على مدار قرون عديدة حضورًا كبيرًا للتيار الصوفي كأحد مكونات الشعب الأفغاني، وبخاصة الطرق النقشبندية والقادرية والجشتية، حيث اعتُبرت هذه التيارات جزءًا أساسيًا من النسيج الديني والاجتماعي في أفغانستان، وكان شيوخ الصوفية يلعبون دورًا بارزًا، سواء فيما يتعلق بممارسة الشعائر الدينية الخاصة بالصوفية، وصولًا إلى الدور الاجتماعي الذي كان يلعبه هؤلاء الشيوخ، حيث كان الشيخ الصوفي أو شيخ الطريقة يؤدي وظائف متعددة، منها الإرشاد، والتفويض الروحي للمريدين، وقيادة الذكر، والعلاج الروحي، ولعب دور الوسيط الاجتماعي في الخلافات المحلية.

وتأثرت الصوفية بالتحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ أواخر السبعينيات، بدءًا من ظهور الشيوعية، مرورًا بصعود الجماعات الجهادية، ثم فترة ما بعد 2001 التي كانت تمثل فترة حرية نسبية للتيار الصوفي، ثم جاء الصعود الجهادي مرة أخرى بعودة "طالبان" إلى الحكم في عام 2021، وما تلا هذا الصعود من سيطرة فكرية جهادية وتشكيل المجالس الدينية، وصولًا إلى تهديدات "داعش - خراسان" التي استهدفت فعاليات صوفية.

الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية
الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية

خلفية تاريخية

بالنظر إلى تاريخ التصوف في أفغانستان، تشير الدراسات إلى أن أفغانستان الحالية كانت جزءًا تاريخيًا وحضاريًا وثقافيًا من منطقة جغرافية شاسعة ازدهرت فيها الصوفية من القرن الثالث إلى القرن السادس الهجري، وكأي تيار فقد مرت التجربة الصوفية بمراحل متعددة، كان أبرزها الانقسامات داخل التيار إلى طرق مختلفة.

فمن منتصف القرن الخامس إلى نهاية القرن السادس الهجري، أي قبيل الغزو المغولي لآسيا الوسطى وخراسان، انقسم التصوف إلى أربع طرق رئيسية: القادرية، والنقشبندية، والجشتية، والسهروردية، وكانت الطرق الثلاث: النقشبندية والجشتية والقادرية هي الأكثر اتباعًا في أفغانستان.

الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية
الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية

وقد تأسست النقشبندية في مدينة بخارى، أما القادرية فقد تأسست في بغداد، والجشتية الواقعة في جشت شريف شرق مدينة هرات. ومن بين النقشبندية، أحمد الفاروقي الكابولي، المولود شمال كابول، والذي اكتسب شهرةً في الهند في عهد الإمبراطور المغولي أكبر في القرن السادس عشر، وخلال القرن التاسع عشر، عاد أفراد هذه العائلة إلى كابول حيث أسسوا مؤسسات صوفية شملت مدرسةً وخانقاه "هي مكان يتفرغ فيه الصوفية للعبادة والذكر"، وأصبحت المدرسة والخانقاه مركزًا للنفوذ الديني والسياسي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الطريقة الجشتية في أفغانستان تأسست على يد مود الجشتي، المولود في القرن الثاني عشر، والذي درّس لاحقًا في الهند. وتتركز هذه الطريقة في وادي هاري رود حول أوبي وكاروخ وجشت شريف، وهي قوية محليًا، وتدير مدارس دينية ومكتبات فاخرة. وقد نأى الجشتية تقليديًا بأنفسهم عن السياسة، على الرغم من نشاطهم الفعال خلال المقاومة داخل منظماتهم وفي مناطقهم.

وتبرز المصادر التاريخية دور التيار الصوفي والطرق الصوفية في نشر الإسلام في هذه المناطق، وقد كان للإسلام في أفغانستان وفي مناطق واسعة من جنوب آسيا صبغة صوفية قوية، ولعب مشايخ الطرق الصوفية أدوارًا سياسية مهمة، وتقلدوا مناصب هامة في العديد من الفترات، فكانوا مستشارين للملوك والأمراء الأفغان، بل إن بعضهم تولى تتويج الحكام في فترات سابقة، حيث كان من التقاليد الراسخة حضور مشايخ الصوفية مراسم تتويج الحكام والأمراء. وقد اشتهرت بعض الطرق الصوفية، مثل النقشبندية، بدورها المحوري في التعليم الديني والاجتماعي.

وقد لعبت الصوفية أيضًا دورًا بارزًا في المقاومة المسلحة، وخاصة فترة المقاومة ضد الاحتلال السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي، وقاد مشايخ الصوفية في بعض الأوقات عمليات المقاومة ضد السوفييت، وكان أبرز هؤلاء الشيخ صبغة الله مجددي، وهو شيخ الطريقة النقشبندية، والشيخ أحمد غيلاني، وهو شيخ الطريقة القادرية. وقد تطور هذا الدور الذي لعبه الصوفية إلى نفوذ سياسي، حيث تولى مجددي منصب الرئيس المؤقت لأفغانستان عام 1992 بعد سقوط النظام الشيوعي، مما يؤكد أن الصوفية كانت جزءًا أصيلاً ومؤثرًا في المشهد السياسي الأفغاني قبل صعود طالبان.

الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية
الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية

الصوفية بعد الصعود الأول والثاني لطالبان

الصعود الأول

يمكن النظر إلى أوضاع الصوفية في ظل صعود طالبان من خلال الصعود الأول للحركة (1996-2001) وخلال الصعود الثاني (2021 – حتى الآن). فخلال الصعود الأول للحركة مارست طالبان قمعًا واسعًا ضد الطرق الصوفية وممارساتها، وكانت الطريقة "الجشتية" هي الأكثر تعرضًا للقمع من جانب الحركة الصاعدة.

ويرجع القمع المتزايد للطريقة "الجشتية" لاشتهارها بترديد الترانيم واستخدامها للموسيقى الروحانية في شعائرها، لكن طالبان، التي تحرم الموسيقى، اعتبرت أن هذه الممارسات "بدعة" يجب محاربتها، وكانت "الأضرحة" من البدع أيضًا التي واجهتها الحركة، حيث تعرضت العديد من الأضرحة والزوايا للتدمير أو التشويه في أنحاء البلاد.

وإذا كانت التيارات الصوفية لعبت أدوارًا سياسية واجتماعية وحققت نفوذًا كبيرًا في فترات ما قبل صعود طالبان بسبب هامش الحرية الذي كانت تتحرك فيه، فإن عمليات الاضطهاد والقمع بعد الصعود الأول لطالبان انعكست على هذا النفوذ، حيث أدى تهميش التيارات الصوفية إلى تراجع النفوذ السياسي والاجتماعي الذي كانت تتمتع به القيادات الصوفية.

الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية
الطرق الصوفية في افغانستان - أرشيفية

وفي ظل هذا التضييق، اختار العديد من قيادات الصوفية النأي عن المشهد أو الهجرة أو العمل في الخفاء، مما قلص دورهم كفاعلين في مصير البلاد، بعد أن كانوا قادة جهاد ورؤساء مؤقتين للبلاد. وكان الهدف من هذا القمع هو فرض نموذج واحد صارم للإسلام يتوافق مع الأيديولوجية الجديدة للحركة.

الصعود الثاني

يأتي الصعود الثاني لطالبان في ظل محاولة الاستفادة من تجربة سابقة، وفي ظل صراع داخل الحركة يسعى للتقرب من المجتمع الدولي للحصول على الشرعية. وهذه الرؤية انعكست على تعامل الحركة مع التيار الصوفي، حيث يمكن وصف العلاقة بين طالبان والصوفية بـ"العلاقة الحذرة". فإن كانت أفكار طالبان تتناقض مع التيارات الصوفية الحالية ويوجد خلاف أيديولوجي كبير بينهما، إلا أن العلاقة لا تدور حتى الآن في إطار القمع أو العداء المعلن.

ووفق تقارير أفغانية عن طبيعة العلاقة بين طالبان والصوفية، فإن الحركة تستمر في تبني توجهات لا تدعم الممارسات الصوفية التقليدية، ويغلب الفكر الجهادي على الممارسات والمؤسسات الرسمية، ويتراجع نفوذ التيارات الصوفية في ظل هذا النفوذ لطالبان. لكن في الوقت نفسه، هناك مناطق أفغانية ذات ثقل صوفي تاريخي كبير، مثل مزار شريف، حيث توجد أضرحة ومراكز صوفية تحظى باحترام واسع من السكان المحليين.

وتسعى طالبان إلى عدم تبني نفس النهج الذي يتبعه "داعش خراسان"، الذي ينفذ عمليات إرهابية ضد التجمعات الصوفية، وهي الممارسات التي تسارع الحركة بإدانتها باعتبارها حركة حاكمة مسؤولة عن أمن الجميع. وفي المناطق ذات السيطرة الصوفية، تمارس طالبان سياسة "المراقبة دون التدخل المباشر" في بعض الأحيان.

وفي ظل العداء القائم بين فصائل معارضة وطالبان، إضافة إلى العداء مع "داعش خراسان"، تحاول طالبان عدم الصدام مع تيار يحظى باحترام كبير وتكتسبه الحركات الصوفية المحلية وقدرتها على التعبئة الشعبية في مناطق سيطرتها، وتحاول تقديم صورة أكثر تسامحًا أو تجنب إثارة ردود فعل شعبية واسعة، ما يؤشر على أن هذا التوازن الدقيق يكشف عن استمرار التوتر بين الأيديولوجيا الصارمة للحركة والضرورة البراجماتية للتعايش مع الأشكال التقليدية للإسلام في أفغانستان.

ورغم ذلك، فإن حكم طالبان، وإن لم يبْدِ العداء للتيارات الصوفية من مبدأ التعايش والبراجماتية السياسية، إلا أن القيود التي تفرضها طالبان على المجتمع الأفغاني تؤثر بشكل مباشر على الوجود الصوفي، خاصة وأن الحركة لم تضع دستورًا رسميًّا لإدارة شؤون البلاد حتى الآن، وعوضًا عن ذلك تستند في حكمها إلى الشريعة الإسلامية والتفسيرات الفقهية التي تتبناها مع الاعتماد على فتاوى وقرارات زعيم طالبان، الشيخ هبة الله آخوند زادة.

كما أن حكومة طالبان لم تعترف بالدستور الذي أقرته الحكومة الأفغانية السابقة عام 2004، معتبرة أنه مستوحى من نماذج غربية لا تتماشى مع رؤيتها الإسلامية، ومع ذلك لم تعلن دستورًا بديلًا، وهو ما يجعل علاقة الحكومة في أفغانستان مع أي تيارات أو حركات شعبية خاضعة لرؤيتها الفقهية أو الشرعية ولا تستند إلى قانون أو دستور، وبالتالي فإنه من المتوقع انكماش أكبر لدور الصوفية في ظل تمدد أفكار طالبان وفرضها على المجتمع.

قيادات حركة طالبان - ارشيفية
قيادات حركة طالبان - ارشيفية

ختامًا:

 يمكن القول إنه على الرغم من اختلاف تعامل طالبان مع التيارات الصوفية في صعودها الأول والثاني، إلا أن هذا الاختلاف في التعامل ينطلق من براجماتية سياسية لدى الحركة التي لا تريد الاصطدام معها ومع قواعدها الشعبية. لكن في الوقت نفسه، فإن استمرار توغل فكر الحركة في المجتمع الأفغاني سينعكس على هامش الحرية الممنوح لهذه التيارات التي تأثرت بالفعل ببعض السياسات التي فرضتها الحركة.

ورغم انتماء طالبان إلى المدرسة الديوبندية التي تتلاقى مع بعض الأفكار الصوفية، إلا أن الحركة ابتعدت عمليًا عن البعد الروحي للصوفية الديوبندية، وتحولت نحو تشدد فقهي وأمني بسبب عقود الحرب، وهو ما يبدو من التباعد الكبير بين أفكار الحركة وأفكار التيارات الصوفية في أفغانستان، حيث ترى الحركة أن هناك "ممارسات بدعية" يمارسها الصوفية يجب مواجهتها، لكن الحركة لم تبْدِ ذلك علنًا بعد صعودها الثاني كما فعلت أثناء الصعود الأول.

ورغم أن حاجة طالبان لتثبيت شرعيتها دفعتها إلى عدم استهداف التيارات الصوفية بشكل مباشر، إلا أن القيود العامة التي فرضتها تقيد الممارسات العامة للطرق الصوفية، وفي ظل السماح ببقاء الفكر الصوفي كأحد أشكال التدين الشعبي، إلا أنها ستكون حريصة في الوقت نفسه على بقائه ضمن حدود معينة وعدم تمدده أو تحوله إلى قوة اجتماعية أو سياسية، وطالما لم تضع طالبان إطارًا قانونيًا واضحًا، سيظل وضع الصوفية رهينًا لمزاج القيادة الدينية وتوازنات القوة داخل الحركة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء