تفكيك منظومات التوريد: استراتيجية أمريكية لتعطيل قدرات إيران الباليستية
تواصل الولايات المتحدة الأمريكية استهداف البرنامج الصاروخي الإيراني والمسيرات، وذلك عبر استهداف شبكات التوريد التي تساهم في توفير مكونات الصواريخ والطائرات المسيرة وبناء القدرات النووية، وذلك في إطار سياسة "الضغوط القصوى" التي تتبعها واشنطن ضد طهران سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية التقنية والعسكرية، من خلال تعطيل الشبكات الدولية المعقدة التي تربط إيران بعدد من دول العالم عبر شركات دولية متعددة الجنسيات.
ومؤخرًا استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية 32 فردًا وكيانًا مقرهم في إيران والإمارات وتركيا والصين وهونج كونج والهند وألمانيا وأوكرانيا، يديرون شبكات شراء متعددة تدعم إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار في إيران، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا لها ولحلفائها في الشرق الأوسط.
استراتيجية الضغوط القصوى
يأتي التحرك الأخير للولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران ضمن استراتيجية ممتدة تعرف بـ"الضغوط القصوى"، وتشمل الحصار الاقتصادي ومنع وصول إيران إلى النظام المالي العالمي، إضافة إلى الضغوط التقنية والعسكرية. وهذه الاستراتيجية تتبعها على الأخص "إدارة ترامب" منذ الولاية الأولى وانسحابه من الاتفاق النووي في عام 2018، وتستمر هذه الاستراتيجية في الولاية الثانية.

ووفق ما نقل بيان وزارة الخزانة الأمريكية عن جون هيرلي، وكيل الوزارة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، فإن الخطوة الأخيرة تأتي ضمن توجيه من الرئيس ترامب بممارسة أقصى ضغط على إيران لإنهاء تهديدها النووي، وأنها تستغل الأنظمة المالية حول العالم لغسل الأموال وشراء مكونات برامجها للأسلحة النووية والتقليدية، ودعم وكلائها الإرهابيين، داعيًا المجتمع الدولي إلى تنفيذ كامل عقوبات الأمم المتحدة السريعة على إيران.
وتعتبر وزارة الخزانة الأمريكية أن هذا القرار الخاص بفرض عقوبات على 23 فردًا وكيانًا أنه يأتي لمواجهة ناشري أسلحة الدمار الشامل وداعميهم وممولي الإرهاب، وذلك عملًا بالأمر التنفيذي رقم 13382، الذي يستهدف ناشري أسلحة الدمار الشامل وداعميهم، والأمر التنفيذي رقم 13224 بصيغته المعدلة، الذي يستهدف الجماعات الإرهابية وداعميها ومن يدعمون أعمال الإرهاب.
وتتجاوز الخطوة الأمريكية فكرة العقوبات الاقتصادية التقليدية، إذ يمكن وصفها بـ"الاستراتيجية الشاملة" التي تتضمن مواجهات استخباراتية ومالية وتكنولوجية لحصار أنشطة حيوية تمارسها إيران لتعزيز قدراتها الصاروخية وتصنيع الطائرات المسيرة، خاصة وأن طهران تواصل تعزيز برنامجها الصاروخي وترفض إدراجه على طاولة المفاوضات أو تقديم أي تنازلات بشأنه.
ولا تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية بالإجراءات التي تتخذها في إطار "الضغوط القصوى" والحصار الاقتصادي والتقني والعسكري لإيران، لكنها كذلك تدعو المجتمع الدولي لتنفيذ حزم عقوبات الأمم المتحدة السريعة على إيران بشكل كامل، لمنع وصولها إلى النظام المالي العالمي، ما يؤشر على اتجاه أمريكي أكثر صرامة في تنفيذ العقوبات ومضاعفة الضغوط.
تفكيك الشبكات
يبدو من خلال القرار أنه يعتمد على تفكيك شبكات متعددة الأبعاد لدورها في دعم الصناعات الدفاعية الإيرانية، ومن بينها شبكة مشتريات متعددة الجنسيات، تتمحور حول مشروع ثلاثي الأطراف يُعرف باسم "شراكة MVM". منذ عام 2023 نسّق هذا المشروع وشبكته عملية شراء مكونات وقود الصواريخ الباليستية – بما في ذلك كلورات الصوديوم وبيركلورات الصوديوم وحمض السيباسيك – من الصين نيابةً عن شركة بارشين للصناعات الكيميائية (PCI)، وهي مكونات تُستخدم في إنتاج الوقود الصلب وتطوير البرنامج الصاروخي الباليستي.

إلى جانب تفكيك الشبكات الداعمة لصناعة وتطوير الصواريخ الباليستية، يستهدف القرار شبكات متعلقة بتطوير برنامج الطائرات المسيرة بفرض عقوبات على كيانات وأشخاص مرتبطين بالبرنامج، حيث استهدف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أيضًا عدة أشخاص على صلة بشركة كيميا بارت سيفان (كيباس) الإيرانية، التي تعاونت مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لتحسين برنامجه للطائرات المسيرة، إضافة إلى شركات أخرى تعمل على إنتاج وإصلاح مكونات الطائرات بدون طيار.
ويكشف قرار الخزانة الأمريكية عن متابعة دقيقة للشبكات الداعمة لبرامج الطائرات المسيرة بأنواعها، خاصة طائرات "شاهد-131" و"شاهد-136"، حيث رُصد 11 كيانًا متورطًا في شبكة مشتريات خاصة بشركة "مادو" الإيرانية التي تنتج محركات الطائرات المسيرة، خاصة الأنواع سالفة الذكر، وقد سبق فرض عقوبات على الشركة في أكتوبر 2021 لارتباطها ودعمها للحرس الثوري الإيراني.
واستهدف القرار أيضًا الشبكات الداعمة لصناعة طائرات "أبابيل" المسيرة، والتي تنتجها شركة تصنيع الطائرات الإيرانية "HESA"، وهي شركة تابعة مملوكة للدولة تتبع لوزارة الدفاع الإيرانية، حيث تم رصد وكيل المشتريات الإيراني بهرام طبيبي واستغلاله لشركتيه الوهميتين في أوكرانيا لشراء وتوريد مواد فضائية، بما في ذلك مؤشرات الاتجاه وأجهزة قياس المغناطيسية لصالح الشركة الإيرانية، بحسب ما ذكر بيان وزارة الخزانة الأمريكية.
حدود التأثير
يبدو من خلال القرار الأخير لوزارة الخزانة الأمريكية أن هناك حربًا استخباراتية تشنها الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران، من خلال رصد تفاصيل دقيقة عن الشبكات الإيرانية والأنشطة التي تمارسها والأفراد المتورطين معها، ما يؤشر على إرادة أمريكية واضحة لتضييق الخناق على إيران وسد كل الثغرات التي تمكنها من الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها.

لكن في الوقت نفسه، يبدو من خلال هذه التفاصيل أن إيران تبني شبكات أو منظومات مشتريات دولية غاية في التعقيد، وهو ما يصعب معه الحسم أو الجزم بأن كل الأنشطة الإيرانية في هذا الإطار تم رصدها من خلال الرقابة الأمريكية، بل يبدو أن الأمر مستبعدًا، خاصة في ظل استمرار إيران في تطوير برامجها الصاروخية والطائرات المسيرة.
وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات سيكون لها تأثير في تقليل فعالية هذه الشبكات أو تعطيل أجزاء منها، فإن من المستبعد تعطيلها بشكل كامل، خاصة في ظل الخبرة الإيرانية الطويلة في الالتفاف على العقوبات، وهو ما يمكنها من فتح مسارات جديدة أو تكوين شبكات أخرى حال تفكيك هذه الشبكات. إضافة إلى أن تطبيق هذه العقوبات بصرامة يتطلب تعاونًا دوليًا كاملًا، وهو أمر يصعب الوصول إليه في ظل تشابك مصالح العديد من الدول مع إيران.
ختامًا:
يمكن القول إن الضغوط الأخيرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران واستهدافها برامجها الصاروخية والطائرات المسيرة تُبدي جدية أمريكية في مواجهة إيران، إضافة إلى اعتبارها جولة مهمة من جولات "الحروب الهجينة" التي تقودها واشنطن ضد طهران والتي تجمع بين الضغط المالي والاستخباراتي والتقني.

تظهر الخطوة أيضًا أن الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لم يعد مقتصرًا على الملف النووي، ولكنه امتد إلى البرنامج الصاروخي وصناعة المسيرات والمنظومات المتقدمة التي يتم استخدامها في التطوير، ما يعني أن واشنطن ترى تهديدات أخرى لدى إيران، ولذلك ستواصل تكثيف الضغوط.
لكن في الوقت نفسه يبقى نجاح هذه الضغوط مرهونًا بقدرة إيران على مواجهتها، خاصة في ظل ما تملكه طهران من خبرة طويلة في هذا الشأن وقدرتها على التكيف معها وصناعة بدائل شبكية، إضافة إلى مدى تعاون المجتمع الدولي بشكل كامل لتحقيق أكبر أثر لهذه الضغوط، وهو أمر لا يمكن حسمه في ظل منظومة المصالح الدولية.



