رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خارطة توحيد المؤسسات.. هل يمكن إنقاذ المسار الليبي قبل الانهيار الكامل؟

المليشيات المسلحة
المليشيات المسلحة في ليبيا - أرشيفية

 خلال احاطتها لمجلس الأمن في 14 أكتوبر الجاري، شددت "حنا تيته" على أن غياب التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، قد أثر على تنفيذ الخطوات الأولى لخارطة الطريق وتوحيد المؤسسات السياسية واجراء انتخابات، كما أكدت على أن هذه الخطوة يمكن أن تحدث في غضون أسابيع قليلة، ومن ثم حثت الأعضاء على ضرورة تحقيق التوافق والشروع في تنفيذ خطوات حقيقية لتوحيد المؤسسات الليبية، وتعكس تصريحات "تيتة" هشاشة الوضع في ليبيا، وتجذر الانقسام بين الشرق والغرب، فكل طرف يرى أن له الشرعية في ممارسة مهامه، وبالتالي السيطرة وإدارة المشهد بحسب توجهاته، يتضح ذلك في الخلافات المستمرة بين مجلس نواب طبرق ومجلس الدولة، وما بين المجلس الرئاسي والحكومتان في الشرق والغرب.

أولًا: الغياب السياسي والدستوري 

مرت ليبيا بمراحل تم فيها تغييب الأطر الدستورية، والمشاركة السياسية، واليات الرقابة والفصل بين السلطات، فتاريخ وضع دستور للبلاد ملئ بالعقبات، جاءت أولى هذه المحاولات خلال مرحلة الحكم الملكي مع إعلان الاستقلال الليبي في24ديسمبر1951، حين صدر دستور المملكة الليبية المتحدة الذي وضع لبنة الدولة الليبية الحديثة. تميّز هذا الدستور بطبيعة تعاقدية تجُسّد صيغة توافقية بين أقاليم البلاد الثلاثة (برقة، طرابلس، فزان) وقد تبنى نظاما ملكيًا، يعمل على تركيز السلطة بيد العائلة المالكة، مع ضعف الثقافة والمشاركة السياسية.

المليشيات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية
المليشيات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية

 ومع انقلاب "القذافي" سبتمبر 1969، دخلت ليبيا مرحلة اللادستورية، وتم استبدال وضع الدستور، بالإعلانات الشعبية ولجان ثورية عبر رفع شعار "الشعب يحكم من خلال المؤتمرات الشعبية"، وإصدار الكتاب الأخضر، وتميزت هذه الفترة بتركيز السلطة بيد القذافي وغياب مؤسسات الرقابة، واستبدال الشرعية الدستورية بالشرعية الثورية، أي انتقال الحكم من عائلة ملكية(السنوسي) لعائلة القذافي، وأمام قاعدة شعبية تفتقر للحقوق السياسية والعامة، وتغيب عنها آليات الرقابة والمسائلة. 

وقد ترك هذا الوضع ارث مأساوي، وقاعدة شعبية تعلي من الولاءات القبلية والعائلية مقابل الوطنية والقومية، ما أخل بأسس التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية المختلفة للليبيين، وأضعف فكرة الاندماج الوطني، وانعكس هذا الانقسام على عملية وضع دستور توافقي، وتحديد شكل الدولة ونظامها، وتكوين مؤسسات سياسية ورقابية مستقلة ووطنية، وتوزيع الثروات، الهوية الثقافية والدينية.

وبعد سقوط "القذافي"، دخلت ليبيا في مرحلة لا استقرار، ورغم ذلك فقد صدر الاعلان الدستوري  الصادر في 3 أغسطس 2011، والتي أقرت المادة (30) فيه بانتخاب هيئة تأسيسية لوضع الدستور، وقد تم انتخابها فعلًا وبدأت في مباشرة عملها منذ عام 2014، وقد واجهت اللجنة مراحل حرجة وتحديات طالت شرعيتها وجدوى مشروعها المقدم، ما بين رفض المسودة من قبل قطاعات ومكونات اجتماعية ، وما بين اتهامات بتهميش المكونات الأخرى، فضلًا عن الاتهامات التي طالت الإجراءات العملياتية لمشروع الدستور ، لكن صدور حكم المحكمة العليا وإقرارها بالمسودة الصادرة عنها وضع حدا لهذه التحديات.

وعلى أي حال، دخل مشروع إعداد الدستور مرحلة التجميد الكامل منذ عام 2024، حيث لم يتم الاتفاق على آلية واضحة لإجراء الاستفتاء عليه، ولا توجد سلطة تنفيذية موحدة قادرة على تنظيم هذا الاستحقاق، وبالتالي أصبحنا أمام خيارين، إما الاستفتاء على مشروع الدستور المعد منذ عام 2017، وذلك بعد تعديله، أو البحث عن مسار دستوري جديد، وهذا ما يمكن أن يصبح دربًا من الخيال في ظل عدم التوافق واستمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وبالتالي فقد تعقد الأمر وتم تجميد هذا المسار.

ومؤخرًا رعت الأمم المتحدة "خارطة طريق" عبر مبعوثتها "حنا تيتية" ليتم على إثرها تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإجراءات توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية الليبية، ووضع إطار دستوري وقانوني متفق علية ومن ثم اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مع الشروع في تنفيذ انتخابات محلية وبلدية منذ أواخر العام الماضي.

المليشيات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية
المليشيات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية

ثانيًا: الانقسام السياسي منذ عام 2014

يعود أصل الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا إلى انتخابات عام 2014، حيث شعرت التحالفات المحسوبة على القوى الإسلامية بتهميشها، خاصة وأن نتائج هذه الانتخابات لم تكن في صالح القوى المتمركزة في الغرب الليبي، لذلك رفضت هذه القوى نتائج الانتخابات، وقد أعاد المؤتمر الوطني تشكيله في الغرب، بينما استمر تشكيل مجلس النواب كما هو في الشرق.

تعزز هذا الانقسام بعد انشاء كلا من الشرق والغرب حكومة وقوى عسكرية وأمنية مستقلة، ففي الشرق سعى المشير "حفتر" إلى تكوين الجيش الوطني الليبي، بينما في الغرب انتشرت الميليشيات المسلحة، وتعاونت حكومة الوفاق مع هذه المجموعات التي تسيطر على العاصمة والمدن الرئيسية في الغرب الليبي مثل مصراته والزاوية والزنتان، وقد فشلت كل الجهود الإقليمية (اتفاق الصخيرات 2015) والدولية (مبادرات الأمم المتحدة) لتوحيد الليبيين، وتكوين حكومة وحدة وطنية، وتوحيد المؤسسات الليبية السيادية والمالية. طال هذا الانقسام المؤسسات الأبرز، مثل مؤسسة النفط الليبية، المصرف المركز الليبي، والمؤسسات الشرطية والعسكرية.

وعلى جانب أخر، فقد عزز الدعم الدولي والإقليمي للأطراف المنقسمة من حالة التنافس بين الجانبين، ففي الشرق توفر الامارات ومصر وفرنسا الدعم، والشرق تعزز اليونان وإيطاليا وتركيا وقطر علاقتها بالمكون الإسلامي، ومما زاد الأمر تعقيدًا هو التدخل الروسي لدعم الغرب على حساب الشرق، وقد أصبحنا نتحدث عن قواعد عسكرية موجودة على الأرض، ومساحات في الجنوب الليبي غير مسيطرة عليها لا من حكومة الوفاق،  ولا حتى من حكومة مجلس النواب في الشرق، أضف إلى ذلك استعانة كلا الجانبين بمقاتلين من دول الجوار والشرق الأوسط. 

أدى الانقسام السياسي والمؤسسي إلى تعقيد السياسة الخارجية الليبية، وافتقارها لمؤسسة متماسكة تصيغ مواقف موحدة، هنا يمكن الحديث عن الازدواجية في المواقف، ولعل الواقعة الأبرز هي رفض حكومة الغرب استقبال وفد أمني مكون من وزراء داخلية (إيطالي يوناني مالطا)، ومفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة في يوليو الماضي، عند وصوله إلى مطار بنينا الدولي  وبالنسبة لحكومة الشرق، فإن الوفد لم يتبع الإجراءات البروتوكولية المتعرف عليها، كما أن التنسيق مع حكومة الغرب بشكل فردي، ساهم في عدم إتمام هذا اللقاء، ما يعكس محاولات الشرق فرض السيطرة السياسية والدبلوماسية، مع التشديد على أن أي نشاط خارجي يجب أن يتم عبر قنواتها الرسمية حصرًا.

ثالثًا: محاولات توحيد المؤسسة الليبية

يمكن القول أن الانقسام المؤسسي قد طال مؤسسات سيادية ومالية مثل المصرف المركزي الوطني والمؤسسة النفطية والمؤسسات الأمنية والعسكرية وذلك على النحو الآتي:

(أ‌)  المصرف المركزي الليبي 

انقسمت إدارة مصرف ليبيا المركزي إلى ادارتين في طرابلس (المركز الرئيسي)، والبيضا (الغرب)، وقد أثر ذلك على جودة السياسات النقدية المتبعة وتدني أسعار العملة الليبية، وخلال عام 2021 بدأ تدريجيا توحيد هذه المؤسسة بإعلان محافظ البنك " الصديق عمر الكبير"، ونائبة " مرعي مفتاح رحيل" توحيد المؤسسات في 20 أغسطس 2023. وعلى الرغم من ذلك، فإن محاولات التوحيد مهددة بالفشل بسبب الممارسات من الميليشيات المسلحة، والفوضى الأمنية المنتشرة، ففي أغسطس الماضي أدى اختطاف مسؤول في المصرف المركزي إلى تعليق العمليات المصرفية، كما أن المصرف نفسه شهد مهجوما مسلحًا من أحد الفصائل المسلحة التي تتبع حكومة الوحدة الوطنية (قوات الدعم العام).

عبد الحميد الدبيبة -رئيس حكومة الغرب الليبي 
عبد الحميد الدبيبة -رئيس حكومة الغرب الليبي 

(ب) المؤسسة الوطنية للنفط National Oil Corporation – NOC

على الرغم من أنها تمثل الكيان السيادي الليبي لإدارة وبيع النفط، لكن حكومة الشرق المنبثقة من برلمان طبرق، حاولت انشاء مؤسسة موازية وبيع النفط، إذا أنه من المفارقات تواجد أغلب الحقول النفطية في الشرق، بينما تدير المؤسسة والمركز المصرفي تحصيل إيرادات هذا النفط في الغرب، وقد كانت من بين محاولات وضع حد لهذا الوضع، هو انشاء مؤسسة موازية، كان من نتائج هذا الوضع المهترئ، توقف انتاج النفط الليبي، لكن انتهى عمل هذه المؤسسات الموازية بمجرد أن منعتها الأمم المتحدة من ذلك، واعترفت بالمؤسسة الوطنية للنفط ككيان وحيد ورسمي، وقد اعلنت الأخيرة انها أصبحت مؤسسة واحدة في عام 2023. 

المشير خليفة حفتر - أرشيفية
المشير خليفة حفتر - أرشيفية

(ج) المؤسسات العسكرية والأمنية 

تبرز إشكالية توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية كأحد المعضلات الليبية والتي يبدو أنها تواجه تحديات جمة، وعلى الرغم من الجهود الإقليمية والدولية للمضي قدمًا في هذا الاتجاه، لكن هناك عدة عوامل تعرقل الوصول لشكل موحد لمؤسسة عسكرية موحدة، وذلك على النحو الاتي:

(1)غياب الإرادة السياسية التي تعلي من الانتماء الوطني لدى الأطراف الليبية المختلفة، وافتقار السياسيين أنفسهم للخبرات السياسية في إدارة شئونهم، وهو أمر ناتج عن تغييب السياسة عن ليبيا لعقود طويلة، كما أن التنافس على الثروة والنفوذ له بعد خطير ربما هو الأصل والمحرك لهذه الأطراف، يتضح هذا بشكل كبيرًا من خلال تعدد الهيئات السياسية (برلمان طبرق، المجلس الأعلى للدولة)، المجلس الرئاسي بقيادة المنفي وحكومة الوحدة الوطنية والحكومة المنبثقة من برلمان طبرق، كل هذا يوصف الحالة البدائية التي تحيط بالمشهد السياسي الليبي.

(2) تجميد المسار الدستوري، وعدم البت في مسودة الدستور التي تم اعدادها منذ عام 2017، فلم يتم إقرارها عبر البرلمان وبالتالي تنفيذ الاستفتاء على الدستور ولا حتى اجراء التعديلات التي ترضي يعض الأطراف في المجتمع الليبي، وبغياب القواعد الدستورية والقانونية لا يمكن الحديث عن إقامة دولة ليبية وطنية تمثل كل الليبيين.

(3)  انفراد كل من الشرق والغرب بتكوين مؤسسة أو هياكل عسكرية وأمنية خاصة به، وتعكس توجهات وتوازن القوى السياسية والمسيطرة على الأرض، في الشرق يسعى المشير "خليفة حفتر" إلى انشاء الجيش الوطني الليبي، بينما في الغرب تنقسم الهياكل العسكرية والأمنية ما بين ميليشيات تسيطر على العاصمة وأخرى تسيطر على المدن الرئيسية  سواء في مصراته او الزاوية والزنتان، وتحت مسميات مختلفة وانتماءات بعضها مؤدلج وبعضها له انتماءات قبلية وعائلية، أي اننا أمام هياكل أمنية وعسكرية متنافرة لا تتبع عقيدة عسكرية واحدة ولا حتى ولاء وطني واحد، أي أن فكرة تحقيق الاندماج بين مختلف المكونات والهياكل يصعب تحقيقه، هنا يمكن الحديث عن التجربة السودانية، اذ تحولت لحرب أهلية بمجرد الشروع في إجراءات إعادة دمج قوات الدعم السريع لهيكل الجيش السوداني .

(4) بما أن هناك إشكالية في تحديد شرعية الكيانات المختلفة والتي تمثل الدولة الليبية، ما نتج عنه انتشار الميليشيات المسلحة والتي كسرت قدرة الدولة على حصر السلاح بيدها، وارتباط هذه الميلشيات بشخصيات في حكومة الوفاق وبالتالي ضمان تمويلها، واستدامتها لتصبح نواه لجيش يخضع لسيطرة بعض الأطراف الإقليمية.

(5) دعم الأطراف الإقليمية والدولية لمختلف الفصائل والهياكل العسكرية والأمنية، ما يجعل الداخل الليبي صورة مصغرة للحرب الدائرة بين روسيا من جهة والاتحاد الأوروبي منه جهة، أو التنافس الصيني الأمريكي، التنافس الفرنسي والتركي الإيطالي، ما يعكس مدى هشاشة الأوضاع وتعقد المشهد الليبي.

وعلى الرغم من المسارات المختلفة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية وتعيين لجنة (5+5) المنبثقة عن مسار جنيف، فيبدو أن هناك الكثير من العقبات، وهو ما أكد علية رئيس الحكومة السابق "فتحي باشاغا" حيث قال "مسألة توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية خلال الفترة المقبلة لا تزال غير واردة"، الامر ذاته تؤكده شواهد عديدة، ابرزها الوتيرة التي يمكن أن تندلع بها الصراع ما بين الشرق والغرب أو حتى ما بين الميليشيات المسلحة بعضها وبعض، ويمكن اعتبار اشتباكات طرابلس واغتيال احد قادة الميليشيات هناك أبرز دليل على هذا، ولم يتم انها هذه الاشتباكات الا بعد التدخل التركي لوقفها .

 ويظل افتقار ليبيا لقواعد قانونية لوضع الدستور أزمة قانونية ولا يمكن تحقيق التوافق بدون إيجاد مخرج لها، يمكن القول إن من أبرز التحديات التي تواجها عملية توحيد المؤسسات الليبية، هي تجميد المسار الدستوري، ازدواجية المؤسسات التشريعية والتنفيذية، انتشار الميليشيات المسلحة، الدعم الدولي والإقليمي للأطراف المتنافسة، وأمام وضع يتجمد فيه المسار الدستوري، تنقسم فيه الأطراف الفاعلة، تتنافس فيه المؤسسات الموازية، وتتصارع فيه الميليشيات المسلحة، وتتشظى فيه بنية القيادة، ويكون من الصعب اكمال مهمة توحيد المؤسسات سواء السياسية أو الأمنية والعسكرية.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء