رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ثورة اليورانيوم.. النيجر تفتح جبهة جديدة ضد الاستعمار الاقتصادي

مناجم اليورنيوم في
مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية

يُعدّ ملف يورانيوم النيجر نموذجًا معبّرًا عن علاقة إفريقيا عمومًا، والنيجر خصوصًا، بالإرث الاستعماري الأوروبي، وبالأخص الفرنسي، الذي لا يزال يقيّد استقلالها الاقتصادي والسياسي. ففي يونيو 2025 أعلنت السلطات النيجرية تأميم شركة “سومير” (SOMAÏR)، وهي مشروع مشترك مع الشركة الفرنسية "أورانو" (Orano)، في خطوة وُصفت بأنها انتقال من التبعية إلى محاولة استعادة السيادة الاقتصادية. هذه الخطوة تمثّل ذروة صراعٍ طويل بين نيامي وباريس حول السيطرة على الموارد المعدنية، خصوصًا معدن اليورانيوم الذي يشكّل عصب الاقتصاد النيجري، ومصدر الطاقة النووية لفرنسا وأوروبا.

مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية
مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية

أولًا: أهمية اليورانيوم في الاقتصاد النيجري

تحتل النيجر موقعًا متقدمًا عالميًا في إنتاج اليورانيوم، إذ تُسهم بحوالي 5% من الإنتاج العالمي، وتُزوّد الاتحاد الأوروبي بـ25% من وارداته. ومع ذلك، فإن الثروة لم تنعكس على التنمية المحلية، حيث يُسهم التعدين بنسبة متواضعة لا تتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي رغم أنه يشكّل 40% من الصادرات. يعود ذلك إلى عقودٍ من السيطرة الأجنبية، خصوصًا الفرنسية، التي أبقت النيجر مجرد مصدرٍ للمواد الخام دون تصنيع محلي أو نقل تكنولوجيا.

ورغم غناها بالموارد (يورانيوم، ذهب، فوسفات، فحم، حديد)، إلا أن النيجر تقع في ذيل مؤشرات التنمية البشرية والحوكمة: المرتبة 189 من أصل 193 في مؤشر التنمية البشرية، والمرتبة الخامسة عالميًا في التأثر بالإرهاب، والمرتبة 140 في مؤشر السلام العالمي. كما تُعدّ من الدول الأكثر هشاشة وفق تصنيف البنك الدولي. هذه الأرقام تعكس هشاشة الدولة وتبعيتها الاقتصادية والسياسية.

ثانيًا: الإرث الاستعماري الفرنسي

منذ اكتشاف اليورانيوم قبيل استقلال النيجر عام 1960، ارتبط اقتصادها بعجلة الطاقة الفرنسية. فثلث الكهرباء في فرنسا يُضاء بفضل يورانيوم النيجر، بينما يعيش ملايين النيجريين دون كهرباء. سيطرت الشركات الفرنسية – "أريفا" سابقًا و"أورانو" لاحقًا – على القطاع، واحتكرت الإنتاج عبر شركتي "سومير" و"كوميناك"، حيث تمتلك فرنسا 63% من الأسهم مقابل 36% فقط للنيجر. هذا التفاوت منحها الهيمنة الكاملة على الأسعار، والضرائب، وحتى على السياسة المحلية.

مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية
مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية

كانت الشركة معفاة من الضرائب والجمارك، وتتمتع بحصانة من المساءلة البيئية والاجتماعية رغم تدميرها للبيئة المحلية. إذ تستهلك ملايين اللترات من المياه يوميًا في مناطق يعاني سكانها من العطش، وتخلّف نفايات مشعّة تُستخدم أحيانًا في البناء والزراعة نتيجة الفقر والجهل. كما تنتشر أمراض الكلى والسرطان بين العمال والسكان المحليين دون أي دعم طبي أو تأمين اجتماعي. هذه الممارسات تكرّس نموذجًا من الاستعمار الاقتصادي المقنّع، حيث تستمر فرنسا في استغلال النيجر باسم "التعاون".

 

ثالثًا: اليورانيوم كمصدرٍ لعدم الاستقرار السياسي

ارتبطت الانقلابات المتكررة في النيجر بشكلٍ وثيق بصراع النفوذ حول اليورانيوم. فمنذ الاستقلال، تدخلت فرنسا عسكريًا مرارًا لدعم أنظمةٍ موالية تضمن استمرار تدفق "الكعكة الصفراء" إليها. ومع كل تهديد لحصتها من الموارد، كانت ترسل قواتها لحماية مواقع التعدين تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب” أو "حماية الاستقرار".

برز ذلك في تدخلها ضد تمرد الطوارق وفي إنشاء قواعد عسكرية ضمن عمليات "سيرفال" و"برخان". هذا الوجود العسكري والسياسي كان مظهرًا من مظاهر سياسة "فرانس أفريك"(Françafrique) التي تهدف إلى استمرار النفوذ الفرنسي في مستعمراته السابقة.

إلا أن العقد الأخير شهد تراجع النفوذ الفرنسي، خاصة بعد تمدد الجماعات الإرهابية وتنامي الدورين الروسي والصيني في المنطقة، ما دفع باريس لتقليص وجودها العسكري ودمج وزارة التعاون الإفريقي في الخارجية الفرنسية. ومع ذلك، لا تزال مصالحها الاقتصادية، وعلى رأسها اليورانيوم، من خطوطها الحمراء في الساحل الإفريقي.

رابعًا: التحول السياسي الجديد وتأميم الموارد

منذ انقلاب يوليو 2023 وصعود المجلس العسكري، تبنّت نيامي خطابًا قوميًا يركّز على "قومية الموارد" واستعادة السيطرة على الثروات الوطنية باعتبارها أساس الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية.

بدأت الحكومة الجديدة بإجراءات عملية: تعليق صادرات اليورانيوم، إلغاء تراخيص "أورانو"، وإغلاق فروعها داخل البلاد. في يونيو 2025 أعلنت رسميًا تأميم شركة "سومير" وتحويل كل أصولها إلى ملكية الدولة. القرار جاء بعد اتهام الشركة الفرنسية بعرقلة الإنتاج، وسحب موظفيها الفرنسيين، وقطع أنظمة الكمبيوتر عن الشركة النيجيرية، إضافة إلى رفع دعاوى دولية ضد نيامي أمام مراكز التحكيم.

ترى القيادة الجديدة أن هذه الشركات تمثل امتدادًا للهيمنة الاستعمارية عبر عقودٍ ظالمة تضمّ إعفاءات ضريبية ومكاسب ضخمة للأجانب مقابل فتات للدولة المضيفة. كما تنتقد غياب الشفافية في تسويق اليورانيوم، حيث كانت "أورانو" تستحوذ على أكثر من 86% من الإنتاج القابل للتداول، تاركة حصة هامشية للحكومة.

مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية
مناجم اليورنيوم في النيجر - أرشيفية

خامسًا: التحديات والآفاق المستقبلية

رغم الطابع السيادي للخطوة، تواجه النيجر تحديات هائلة: نقص الخبرة الفنية لإدارة المناجم، احتمال فرض عقوبات دولية، وانسحاب المستثمرين الأجانب. ومع ذلك، يَعُدّ النظام الحالي هذه التضحيات ضرورية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية الفرنسية.

كما يسعى لتنويع الشراكات مع روسيا والصين، اللتين تقدمان بدائل تكنولوجية وتمويلية دون الشروط السياسية الغربية، بما يتيح نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات التحويلية لليورانيوم محليًا.

تأميم "سومير" يعكس اتجاهًا أوسع في إفريقيا نحو إعادة التفكير في سيادة الموارد، إذ تتخذ دول مثل زيمبابوي وبوركينا فاسو خطوات مشابهة لتأميم الذهب والمعادن النادرة. وبذلك تمثل النيجر جزءًا من موجة إفريقية جديدة تسعى إلى كسر قيود "الاستعمار الاقتصادي" وبناء نماذج تنمية وطنية مستقلة.

ختامَا:

يمثل ملف يورانيوم النيجر حكاية استعمارٍ طويل بأدوات جديدة. فبينما تضاء أنوار باريس بفضل موارد نيامي، يعيش أغلب سكان النيجر في الظلام والفقر. واليوم، مع تصاعد النزعة القومية في إفريقيا والسعي إلى "تحرير الموارد"”، تحاول النيجر أن تكتب فصلًا جديدًا في تاريخها — فصلًا يتجاوز عقود الاستغلال إلى مرحلة الاستقلال الاقتصادي الحقيقي. لكن نجاحها سيعتمد على قدرتها على الإدارة الرشيدة، وبناء شراكات متوازنة، وتجنب الوقوع في فخ التبعية الجديدة، أيًّا كان وجهها أو علمها.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء