رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الميليشيات المسلحة.. العائق الأكبر أمام صناديق الاقتراع في الغرب الليبي

الجماعات المسلحة
الجماعات المسلحة في الغرب الليبي -أرشيفية

تجري اليوم المرحلة الثالثة من الانتخابات البلدية في ليبيا، وذلك بعد إنهاء إجراءات المرحلة الثانية في 16 أغسطس الماضي، وسط تسجيل نسب إقبال ومشاركة وصلت في بعض المناطق إلى 71%. بينما تم تعليق الانتخابات في بعض المناطق غرب ليبيا نتيجة للوضع الأمني المتدهور. 

وقد كان من المقرر إجراء الانتخابات في 63 وحدة محلية، لكن عدد المناطق التي تمت فيها الانتخابات يصل إلى الثلث فقط. يمكن القول إن الانقسام السياسي وانتشار الميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة، قد ساهما في تعطيل هذه الانتخابات في مناطق مثل الزاوية والعجيلات وزليتن، وفي بعض المناطق في شرق ووسط ليبيا.

عبد الحميد الدبيبة- أرشيفية
عبد الحميد الدبيبة- أرشيفية

ولم تحظَ ليبيا بالاستقرار والأمن ولا بالديمقراطية الموعودة منذ سقوط نظام القذافي، فمن انتشار الجماعات الإرهابية والفصائل المسلحة إلى الانتخابات المرجوّة، وقعت ليبيا أسيرة التنافس القبلي بين الشرق والغرب، حتى أصبح تكوين حكومة موحدة حلمًا يراود الليبيين.

وبين انقسام سياسي ووضع مأزوم ودور خارجي من أطراف إقليمية ودولية تدعم الميليشيات المسلحة وتتحكم في مجريات الأحداث، يبقى الانقسام سيد الموقف، ويبقى تحدي تشكيل حكومة وفاق وطني حقيقية وإجراء عملية انتخابية حرة ونزيهة رهن تحقيق توافق وطني. كما أن التحدي الذي لا يقل أهمية هو انتشار الميليشيات المسلحة المنتشرة في البلاد، والتي تعيق إجراء انتخابات حرة.

يناقش هذا التحليل دور الميليشيات المسلحة في تعطيل إجراءات العملية الانتخابية، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: خريطة الميليشيات المسلحة في غرب ليبيا

يتّسم التوزيع الجغرافي للميليشيات المسلحة في الغرب الليبي بقدرٍ كبير من التعقيد والتداخل، حيث تتقاسم عدة جماعات السيطرة على العاصمة طرابلس والمدن المحيطة بها. فعلى الرغم من تبعية معظم هذه التشكيلات الاسمية لحكومة الوحدة الوطنية أو لمؤسسات أمنية رسمية، إلا أن ولاءاتها الفعلية تقوم على أسس محلية وقبلية أكثر من كونها مؤسسية.

في العاصمة طرابلس، تتركز "قوة الردع الخاصة" (RADA) في المنطقة الشرقية من المدينة، خاصة في محيط مطار معيتيقة، وتُعد من أبرز القوى المسلحة تأثيرًا في القرارات الأمنية والسياسية. بينما تسيطر "اللواء 444" على أجزاء واسعة من جنوب طرابلس ووسطها، وتلعب دورًا رئيسيًا في ضبط التحركات الأمنية داخل الأحياء السكنية. أما "جهاز دعم الاستقرار" (SSA)، فينتشر في المناطق الغربية من المدينة وله نقاط نفوذ في مواقع استراتيجية أخرى.

تحتفظ مدينة مصراتة بنفوذ واسع عبر عدة تشكيلات عسكرية منظّمة ذات تسليح متقدم، تسعى للحفاظ على مكانتها السياسية والاقتصادية داخل المعادلة الوطنية. وفي المقابل، تسيطر مجموعات محلية من الزاوية على الطريق الساحلي الغربي ومصفاة النفط، ما يجعلها فاعلًا حاسمًا في ملف الموارد والطاقة. كما تمتلك مدن مثل الزنتان وورشفانة وغريان تشكيلات مسلّحة أقل عددًا لكنها تؤثر في خطوط الإمداد والحركة بين الغرب والجنوب.

هذا الانتشار المتعدد المراكز يعكس غياب سلطة أمنية موحدة، ويجعل من الغرب الليبي فضاءً تتداخل فيه المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية للفصائل المختلفة، الأمر الذي يُكرّس حالة التشرذم الأمني ويُضعف فرص بناء مؤسسات قادرة على إدارة الانتخابات.

 

الجماعات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية 
الجماعات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية 

ثانيًا: اشتباكات 13 مايو ومقتل الكيكلي

ما إن أعلن رئيس الحكومة (المنتهية ولايته) عبد الحميد الدبيبة، نيته في توحيد المؤسسات الأمنية الموازية، حتى اندلعت الاشتباكات بين الميليشيات المسلحة في 13 مايو الماضي.

تعقّد الأمر بشكل كبير عقب مقتل عبد الغني الكيكلي، رئيس جهاز دعم الاستقرار، على يد ميليشيا اللواء 444 في مقر الأخيرة، كما انخرطت ميليشيا "قوة الردع" في الاشتباكات مع الميليشيات الداعمة للدبيبة. ورغم إعلان وقف إطلاق النار، فإن القتال قد استمر لليوم التالي.

والواقع أن هذه الأحداث قد اندلعت بعد إقرار بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لتقريرها النهائي الذي حدد أربعة خيارات يمكن البناء على أي منها لتوحيد الصف وإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، وذلك على النحو الآتي:

1- إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في وقت واحد.

2- إجراء الانتخابات البرلمانية أولاً يليها اعتماد دستور دائم.

3- اعتماد الدستور قبل إجراء الانتخابات.

4- تشكيل لجنة للحوار السياسي تستند إلى الاتفاق السياسي الليبي لتضع الصيغة النهائية لقوانين الانتخابات وتحدد السلطة التنفيذية وتقر الدستور الدائم.

وعلى أي حال، لم يكن من الممكن تنفيذ هذه الإجراءات دون تقويض نفوذ الجماعات المسلحة والميليشيات المسلحة المنتشرة في أرجاء المدن الليبية، ومن هنا يمكن تفسير وقوع أحداث مايو في العاصمة طرابلس.

وفي 21 أغسطس أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، على لسان أمينتها العامة "هناء تيتة"، خارطة طريق تتلخص في اعتماد إطار انتخابي سليم من الناحية الفنية وقابل للتطبيق سياسيًا بهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وتوحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحدة، وإجراء حوار منظم يتيح مشاركة ليبية واسعة في معالجة القضايا الحرجة في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.

لكن يبدو أن الخلافات بين الفرقاء الليبيين تتفاقم لتطيح بأي خطط يمكن تنفيذها، خاصة مع تغير الولاءات داخل الميليشيات المسلحة.

ثالثًا: دور الميليشيات المسلحة في تعطيل العملية الانتخابية

وفقًا لبعض التقارير الإعلامية، ونقلًا عن مسؤولين ليبيين، فإن زعماء الجماعات المسلحة تمكنوا من تأمين رواتب حكومية لمقاتليهم والحصول على عقود حكومية مقابل الولاء لشخصيات سياسية.

وقد تم دمج معظم الفصائل المسلحة الرئيسية منذ فترة طويلة في قوائم رواتب الدولة بأدوار رسمية تحت إشراف وزارتي الداخلية أو الدفاع، رغم خضوعها الفعلية لقادتها الأصليين لا للحكومة.

أنتج هذا الوضع تحالفات هشة ووضعًا أمنيًا مضطربًا وانتهاكات واسعة بحق المدنيين، وفعليًا، تصاعدت التوترات منذ أواخر أغسطس بين القوات المتحالفة مع رئيس حكومة الغرب الليبي عبد الحميد الدبيبة و"قوة الردع الخاصة" التابعة لوزارة الداخلية بشأن السيطرة على مطار معيتيقة ومركز الاحتجاز في شرق طرابلس.

الجماعات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية 
الجماعات المسلحة في الغرب الليبي - أرشيفية 

توسطت تركيا في منتصف سبتمبر في اتفاق بين الجانبين حال دون تصاعد المواجهة إلى اشتباكات، لكن الاتفاق الذي ينقل السيطرة على المطار إلى "كتيبة أمن المطار" الموالية للدبيبة هش، ولا تزال الخلافات قائمة حول التنفيذ. كما أدت بعض التعيينات في مناصب عليا بوزارة الداخلية إلى تأجيج التوترات.

وفي الوقت نفسه، تبادلت الفصائل المتنافسة، "القوة المشتركة لجنزور" و"اللواء السادس"، نيران المدفعية الثقيلة في بلدة جنزور غرب طرابلس في 21 سبتمبر، كما اندلعت اشتباكات عنيفة في 24 سبتمبر بالقرب من مصفاة نفط في مدينة الزاوية الساحلية، على بُعد 50 كيلومترًا غرب طرابلس، بين "جهاز التهديدات الأمنية" وجماعة مسلحة محلية تُعرف باسم "الكبوتات" تتبع وزارات مختلفة في حكومة طرابلس.

رصدت منظمة العفو الدولية في تقاريرها انتهاكات واسعة خلال انتخابات عام 2021، منها الهجوم على مقار المحاكم المدنية، واعتقال وخطف موظفين من اللجنة العليا للانتخابات، واعتقال المرشحين.

كما أفاد عدد من مسؤولي المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ووزارة الداخلية، المسؤولين عن تأمين الانتخابات، بتعرضهم لتهديدات من عناصر الميليشيات والجماعات المسلحة.

وفي مدينة سبها، حاصر مسلحون محكمة المدينة لمنع المراجعة القضائية لأهلية أحد المرشحين. كما اختطفت الميليشيات والجماعات المسلحة ما لا يقل عن 21 متظاهرًا وصحفيًا وناشطًا في مدن مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة وأجدابيا وسرت بسبب دعمهم لمرشحين معينين أو آرائهم بشأن العملية الانتخابية. وخلال المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية منتصف أغسطس، تم تأجيلها لمدة أسبوع بعد الهجوم على منشأة تابعة للجنة الانتخابات في المنطقة الشمالية الغربية.

تكرار المواجهات المسلحة بين الفصائل التابعة لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس يكشف بوضوح عن غياب هيكل أمني موحد وضعف قدرة السلطة التنفيذية على احتكار أدوات القوة. وعليه، فإن استمرار هذا النمط من الصراع الداخلي يُرسّخ لحالة عدم الاستقرار البنيوي في الغرب الليبي، ويؤجل أي إمكانية فعلية لإجراء انتخابات شاملة.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء