قيود على الورق وصفقات في الظل.. معضلة أوروبا بين القانون والمصالح في غزة
مع إعلان عدد من الدول الأوروبية مشاركتها في إعادة إعمار غزة بعد إبرام اتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب، تظل هناك إشكالية متعلقة بحدود التعاون العسكري بين دول الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، لا سيما تصدير واستيراد الأسلحة من وإلى تل أبيب.
ورغم الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية على مدار الأشهر الماضية بشأن وضع قيود على تصدير السلاح إلى تل أبيب، والتي شكّلت تحولًا طفيفًا في طريقة تعامل أوروبا مع صادرات الأسلحة في النزاعات ذات الطابع الإنساني الحاد، فإنه لم يتحوّل بعد إلى سياسة أوروبية موحّدة أو إلى موقف جماعي داخل الاتحاد الأوروبي.

خطوات ملموسة من بعض الدول الأوروبية
دفعت الانتهاكات الموثقة والمتكررة بحق المدنيين الفلسطينيين، والضغوط الحقوقية والشعبية المتزايدة، إلى تصعيد الدعوات لتجميد أو إلغاء تراخيص تصدير الأسلحة من العواصم الأوروبية إلى تل أبيب. وعلى الرغم من غياب موقف أوروبي موحّد، اتخذت بعض الحكومات خطوات ملموسة تشير إلى تغيّر في نمط العلاقة العسكرية مع إسرائيل، مدفوعة بحسابات قانونية وأخلاقية وأحيانًا سياسية داخلية.
أعلنت سلوفينيا صيف 2025 وقفًا شاملًا لجميع أشكال تجارة الأسلحة مع إسرائيل، بما يشمل التصدير والاستيراد والعبور، في خطوة غير مسبوقة داخل الاتحاد الأوروبي. في المقابل، اختارت ألمانيا اتباع نهج أكثر حذرًا، فجمّدت منح تراخيص جديدة لتصدير الأسلحة التي يُحتمل استخدامها في العمليات داخل غزة، انطلاقًا من التزاماتها القانونية بتقييم المخاطر المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان.
أما إسبانيا، فقد بدأت في مراجعة عقود تصدير قائمة، واتخذت قرارات بتجميد بعضها، ضمن موقف حكومي بدأ يتحوّل باتجاه انتقاد السياسات الإسرائيلية بشكل علني. وفي بلجيكا، جاء التحرك على المستوى المحلي، حيث أوقفت حكومة إقليم والونيا تصدير بعض المكونات العسكرية، لا سيما تلك التي تُستخدم في تصنيع المتفجرات، بينما لا تزال الضغوط مستمرة لتوسيع نطاق القرار إلى المستوى الفيدرالي.
كما أعادت المملكة المتحدة تقييم جزء من تراخيص تصدير الأسلحة، وقررت تعليق بعضها نتيجة لمخاوف قانونية متعلقة باحتمال استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة. ولعل هذا التفاوت في المواقف خير دليل على حالة الانقسام الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل.
فبينما تندفع بعض الدول إلى اتخاذ قرارات حاسمة استجابة للرأي العام والضغوط الحقوقية، تفضّل أخرى الحفاظ على علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل لأسباب تتعلق بالتحالفات الاستراتيجية أو المصالح الصناعية. كما أن الطبيعة المعقدة للعقود الدفاعية القائمة، والخشية من التبعات الاقتصادية والقانونية لإلغائها، تجعل من قرارات الحظر الشامل مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد موقف سياسي.
ازدواجية السياسات الأوروبية
لا يمكن الجزم بأن كل الدول المشاركة في إعادة الإعمار ستتوقف عن منح الأسلحة لإسرائيل دفعة واحدة، لكن من المتوقع أن نشهد موجات من القيود الانتقائية والربط الشرطي بين المساعدة المدنية على إعادة الإعمار وتصاريح التصدير العسكرية، مع تفاوت كبير بين دولة وأخرى حسب الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية المحلية.
تخضع قرارات تصدير السلاح لقوانين وطنية ومعايير تصدير تتضمن التزامًا بالقانون الدولي الإنساني وتقييمًا لمخاطر الانتهاكات. في حالات مماثلة، تؤدي الضغوط الشعبية والحقوقية والتحقيقات حول استخدام الأسلحة إلى تجميد تراخيص جديدة أو تعليق تسليمات معيّنة.
في المقابل، تواجه دعوات الحظر الشامل على تصدير السلاح مقاومة قوية، مدفوعة بجملة من الاعتبارات، أبرزها وجود عقود تسليح قائمة يصعب إلغاؤها دون تكبّد خسائر مالية أو مواجهة مطالبات قانونية بالتعويض، إلى جانب المصالح المرتبطة بصناعات الدفاع المحلية، والعلاقات الأمنية والاستخباراتية التي تعدّها بعض الحكومات من ركائز استراتيجياتها الإقليمية والدولية.

إعادة الإعمار كأداة ضغط دبلوماسي
مشاركة الدول في جهود إعادة إعمار غزة من الممكن أن تكون فرصة محتملة لإعادة توجيه السياسات الغربية تجاه الصراع، ليس فقط من خلال تقديم المساعدات الإنسانية، بل عبر استخدامها كوسيلة ضغط دبلوماسي تهدف إلى دفع إسرائيل نحو تغيير سلوكها العسكري، أو على الأقل فرض قيود على الدعم العسكري المُقدَّم لها.
في هذا السياق، تبرز دعوات متزايدة لربط برامج إعادة الإعمار بشروط واضحة تتعلق بحماية المدنيين ووقف العمليات التي تتسبب في تدمير واسع للبنية التحتية المدنية. لكن تحويل المساعدات المدنية إلى ورقة ضغط سياسي ليس بالأمر السهل، إذ تتباين مواقف الدول المشاركة في الإعمار بين من يرفض الربط المباشر بحجة الحفاظ على حيادية العمل الإنساني، ومن يرى فيه ضرورة أخلاقية لحماية السكان من دوامة التدمير المتكرر.
كما أن بعض الدول قد تستخدم مشاركتها في الإعمار كغطاء دبلوماسي يوازن استمرار علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل، ما يثير تساؤلات حول مدى مصداقية هذا الدور وفعاليته في التأثير على السياسات العسكرية الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، يشكّل غياب آليات رقابة شفافة لضمان عدم انحراف موارد الإعمار نحو الاستخدامات العسكرية تحدّيًا حقيقيًا. فبدون ضمانات واضحة، قد تصبح عمليات إعادة الإعمار مجرد استجابة ظرفية لا تمنع تكرار الدمار في المستقبل، ما يفقدها قيمتها السياسية والأخلاقية.
السيناريوهات المحتملة
تتباين التوقعات بشأن مستقبل صادرات السلاح إلى إسرائيل، ورغم أنه لا يُتوقع حدوث تحول جذري أو حظر شامل في المدى القريب، فإن مجموعة من السيناريوهات المحتملة بدأت تتبلور، تعكس تفاعل عوامل متداخلة تشمل الحسابات السياسية، والالتزامات القانونية، والمصالح الاقتصادية.
من المتوقع أن تحافظ الدول الأوروبية على الاتفاقات المبرمة مع إسرائيل، ما يدفعها نحو الاستمرار في تصدير السلاح دون تغييرات تُذكر، تحت ذرائع متعددة، منها الالتزامات التعاقدية القائمة، وحماية الوظائف في الصناعات الدفاعية، أو الحفاظ على التعاون الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل. وهذا السيناريو مرجّح في الدول ذات العلاقة الاستراتيجية العميقة مع تل أبيب، أو تلك التي تواجه معارضة برلمانية وشعبية ضعيفة نسبيًا.
ولا يمكن استبعاد سيناريو آخر في حال وقوع تحولات مفصلية، مثل صدور تقارير دولية موثّقة تثبت ارتكاب جرائم حرب، أو صدور قرارات قضائية داخلية تُجبر الحكومات على وقف التصدير. في هذه الحالة، قد تلجأ بعض الدول إلى فرض تجميد شامل ومُلزم قانونًا، وهو ما من شأنه أن يعيد رسم ملامح العلاقات العسكرية بين أوروبا وإسرائيل.
في المجمل، يبقى المسار مفتوحًا أمام جميع هذه السيناريوهات، وفقًا لتطورات الميدان، وتفاعل الحكومات مع الرأي العام، ومدى قدرة المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني على دفع هذا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني.
دعاء إمام*
باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية



