سحب تفويض الحرب: تصحيح دستوري أم بداية لمرحلة الارتباك الأمريكي؟
بعد مرور شهر على تصويت مجلس النواب الأمريكي بالإجماع لإلغاء قرارَي التفويض اللذين منحا الضوء الأخضر لحرب الخليج الأولى عام 1991، والثاني لغزو العراق عام 2003، اتخذ مجلس الشيوخ الموقف ذاته بالإجماع؛ ما يعني عودة سلطة قرار الحرب إلى الكونجرس مرة أخرى، بعد عقدين من تفويض تلك السلطات إلى البيت الأبيض.
يُتوقّع أن يكون لقرار سحب أو إلغاء تفويض الحرب لعام 2002 الخاص بغزو العراق، وتقليص الاعتماد على تفويض عام 2001، تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على العراق، سواء من حيث الوجود العسكري الأمريكي، أو من زاوية السيادة العراقية والتوازنات الإقليمية.
أداة مرنة أم ذريعة مفتوحة؟
رغم أن تفويضي عامَي 1991 و2002 كانا محصورين في سياق جغرافي وزمني يتعلق بالعراق، وأن استخدامهما بات شبه معدوم في السنوات الأخيرة، فإن تفويض عام 2001 بقي الركيزة الأساسية للسياسة العسكرية الأمريكية الخارجية في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر.

تحوّل التفويض إلى أداة قانونية مرنة تتيح للإدارة الأمريكية التحرك عسكريًا دون الحاجة إلى تفويض جديد من الكونجرس في كل مرة. وهكذا، امتدت المظلة القانونية التي وفرها لتشمل مواجهات ضد تنظيم "القاعدة" و"داعش" وحركة الشباب الصومالية وغيرها من الجماعات التي لم تكن موجودة أو فاعلة وقت صدور القرار.
لكن هذه المرونة القانونية نفسها أصبحت مثار جدل، إذ يرى المشرّعون أن التفويض فُسّر بشكل موسّع إلى حدّ تجاوزه غايته الأصلية، ليصبح مظلة دائمة لتدخلات عسكرية غالبًا ما تتم بعيدًا عن رقابة الكونجرس، وفي مناطق لا علاقة لها مباشرة بهجمات 11 سبتمبر.
يبرز هذا التفويض كنقطة التقاء بين الضرورات الأمنية والضوابط الدستورية. وبينما تؤكد الإدارات المتعاقبة حاجتها إلى أدوات قانونية مرنة لمواجهة تهديدات غير تقليدية، يرى كثيرون أن استمرار العمل بتفويض يعود إلى عصر مختلف يُقوّض مبدأ المساءلة، ويفتح الباب لحروب لا تنتهي.
ومع إلغاء تفويض عام 2002، وهو الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتبرير تدخلها العسكري في العراق، تُنتزع من واشنطن آخر أداة تشريعية تتيح لها الإبقاء على وجود عسكري مباشر داخل الأراضي العراقية دون العودة إلى اتفاقات ثنائية أو موافقة عراقية صريحة.
اختبار للسيادة العراقية
يمثل سحب التفويض من الناحية الرمزية إغلاقًا رسميًا لملف الحرب الأمريكية على العراق. وتُعدّ هذه الخطوة، وإن بدت في ظاهرها دعمًا للسيادة، بابًا مفتوحًا للتنافس الإقليمي على النفوذ داخل العراق، في ظل غياب قوة موازنة فاعلة كالوجود الأمريكي.
ورغم تحسّن قدرات الجيش العراقي، لا يزال هناك اعتماد جزئي على الدعم الجوي والمعلوماتي والاستخباراتي الذي توفره الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بملاحقة فلول "داعش" في المناطق الوعرة والمترامية.
ومع تراجع الإطار القانوني الذي يتيح هذا النوع من الدعم، قد تواجه بغداد صعوبة في طلب أو قبول مساعدة عسكرية أمريكية دون الدخول في مشكلات قانونية أو سياسية. وفي هذا الفراغ، قد تجد الجماعات المسلحة بيئة مناسبة لإعادة تنظيم صفوفها وشنّ هجمات جديدة.
من هذا المنطلق، يفرض سحب التفويض إعادة صياغة للعلاقة بين بغداد وواشنطن على أسس جديدة، تستند إلى اتفاقيات ثنائية تُقرّ من قبل البرلمان العراقي وتحدّد بوضوح نطاق التعاون وطبيعة المهمات ومدى السيادة العراقية في اتخاذ القرار. وهذا التحول، وإن كان معقدًا سياسيًا، إلا أنه يتيح فرصة نادرة لإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين على نحو متوازن وأكثر احترامًا لإرادة الدولة العراقية.

من يملأ الفراغ الذي تخلفه واشنطن؟
الانسحاب التدريجي أو تقليص الدور الأمريكي في العراق سيفسح المجال لتوسع أكبر للنفوذ الإيراني، سواء عبر الفصائل المسلحة الموالية لطهران أو من خلال تغلغل أعمق في مفاصل الدولة العراقية. وفي غياب ردع فعّال، قد تتحول بعض المناطق إلى ساحات صراع مفتوح بين قوى محلية مدعومة من أطراف خارجية، ما يهدد استقرار العراق الداخلي ويضع حكومته في موقف حرج بين ضغوط الداخل وتوازنات الخارج.
ورغم أن إنهاء الوجود العسكري في العراق يمثل تحولًا سياسيًا وقانونيًا عميقًا في السياسة الأمريكية تجاه العراق، فإنه أيضًا اختبار لقدرة العراق على إدارة مرحلة ما بعد الوجود العسكري الأمريكي بشكل مستقر، دون أن يتحول إلى ساحة نفوذ متضارب أو مسرح لعودة الفوضى الأمنية.
يتطلب النجاح في هذه المرحلة قيادة سياسية متماسكة وتوافقًا وطنيًا حول مستقبل العلاقة مع واشنطن، وتحركًا سريعًا لسد أي فراغات قد تخلّفها هذه التغيرات المفاجئة.

قرارات الحرب لم تعد منفردة
تُبرز الإجراءات المتلاحقة التي يتخذها الكونجرس الرغبة في تقليص صلاحيات الرئيس في شنّ عمليات عسكرية استباقية دون العودة إلى الكونجرس. ومن الناحية النظرية، تُعدّ هذه خطوة تعزز مبدأ الرقابة والمساءلة، وتضع حدًا لانفراد السلطة التنفيذية بقرارات قد تجر البلاد إلى نزاعات غير محسوبة.
لكن من الجانب الآخر، يُحذّر مسؤولون في البنتاجون وأجهزة الاستخبارات من أن هذا التحول قد يُقيد قدرة واشنطن على التحرك السريع لمواجهة تهديدات غير تقليدية، كالهجمات السيبرانية أو الإرهاب العابر للحدود، التي تتطلب قرارات فورية لا تحتمل تأخير الإجراءات التشريعية.
كما يؤدي سحب التفويض إلى إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في عدة مناطق مشتعلة، خصوصًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تعتمد واشنطن منذ سنوات عليه لتبرير وجودها العسكري أو تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف إرهابية.
ثمن تقليص صلاحيات الرئيس
في حال غياب تفويض بديل، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين: إما الانسحاب التدريجي من هذه المناطق، وهو ما قد يفسره خصومها كعلامة ضعف، أو الدخول في معركة داخلية للحصول على تفويض جديد — وهي عملية ليست مضمونة في ظل الاستقطاب الحاد داخل الكونجرس.
يمثل هذا التوجه خطوة نحو سياسة خارجية أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا، تُعلي من شأن التحالفات والدبلوماسية والعمل الاستخباراتي على حساب التدخلات العسكرية المباشرة، لكنها لا تخلو من المخاطر، خاصة إذا استغلت الجماعات المسلحة فترة الفراغ القانوني والتردد السياسي لإعادة تنظيم صفوفها، أو إذا اعتبرت القوى الإقليمية أن واشنطن تخلّت عن التزاماتها الأمنية.
على كل حال، فإن سحب تفويض الحرب من الرئيس الأمريكي ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو تحول استراتيجي في العقيدة العسكرية والسياسية الأمريكية. وبين من يراه تصحيحًا دستوريًا ضروريًا، ومن يخشى أن يتحول إلى فجوة في الردع، يبقى الثابت الوحيد أن واشنطن تدخل مرحلة جديدة، حيث الحرب لم تعد قرارًا منفردًا، بل قضية تخضع لمساءلة ديمقراطية صارمة.



