رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إسبانيا في مرمى ترامب.. معركة الأعباء العسكرية تهزّ حلف شمال الأطلسي

 دونالد ترامب ورئيس
دونالد ترامب ورئيس وزراء إسبانيا- أرشيفية

لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطرد إسبانيا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على خلفية إخلالها بالتزاماتها الدفاعية تجاه الحلف، داعيًا إلى رفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومهددًا من لا يلتزم بـ"العقوبات أو الطرد". وقد أثارت تصريحات ترامب موجة جدل داخل الأوساط السياسية والعسكرية الأوروبية، خاصة أنه لم يسبق طرد أي دولة من الناتو منذ تأسيسه.

ومع تمسك الرئيس الأمريكي بتهديده، هل كان الطرد من الناتو خيارًا واقعيًا؟ وما مدى قانونيته؟ وما السيناريوهات المحتملة في حال تصاعد التوتر داخل حلف شمال الأطلسي؟

دونالد ترامب 
دونالد ترامب 

أولًا: الخروج الإجباري ليس قانونيًا

من الناحية القانونية البحتة، لا توجد آلية رسمية لطرد أي دولة لها عضوية في الناتو، بما في ذلك إسبانيا؛ لذا فإن أي محاولة من هذا النوع ستكون سابقة غير مسبوقة وتحتاج إلى توافق سياسي نادر وصعب، إذ يخلو الميثاق التأسيسي لحلف شمال الأطلسي (معاهدة واشنطن، 1949) من أي بند ينص على إمكانية طرد دولة عضو.

يعمل حلف الناتو على مبدأ الإجماع الكامل داخل مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة السياسية العليا في الحلف؛ ما يعني أن أي قرار استثنائي، مثل الطرد أو تعليق العضوية، يتطلب موافقة جميع الأعضاء دون استثناء. في حال توافق الجميع عدا دولة واحدة فقط، فإن ذلك يعرقل القرار؛ لذلك يظل أي حديث عن "طرد إسبانيا" مجرد خطاب سياسي تصعيدي، وليس قرارًا قابلاً للتطبيق دون توافق تام بين 31 دولة.

كما تتيح المادة (13) من المعاهدة الانسحاب الطوعي فقط من قبل أي دولة ترغب في مغادرة الحلف، وذلك بعد تقديم إشعار قبل سنة من التنفيذ.

رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز
رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز

ثانيًا: الإنفاق الدفاعي وزيادة التوتر السياسي

حدد الحلف نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي كحد أدنى للإنفاق الدفاعي، ثم طالب ترامب برفع هذه النسبة إلى 5%. اعترضت إسبانيا على تخصيص هذا القدر لصالح الحلف، معتبرة أن هذه النسبة تتعارض مع سياساتها الداخلية كدولة رفاه، ومع ذلك أكدت التزامها الكامل بالحلف وخططها لرفع الإنفاق تدريجيًا، ووصفت التصريحات الأمريكية بـ"غير المسؤولة"، داعية إلى وحدة الصف بدلًا من الانقسامات.

تتزامن المطالب المتكررة لرفع الإنفاق العسكري في حلف شمال الأطلسي مع جملة من التحديات الأمنية المتفاقمة، في مقدمتها التهديد الروسي المتصاعد، خاصة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ أعاد الغزو الروسي مفهوم الردع العسكري التقليدي إلى صلب السياسات الدفاعية الأوروبية، وفرض على الدول الأعضاء مراجعة استراتيجياتها الدفاعية بعدما ظنت لعقود أن الحروب التقليدية أصبحت من الماضي.

من ناحية أخرى، هناك إدراك متزايد بأن الناتو لم يعد مجرد حلف عسكري تقليدي، بل أصبح مظلة أمنية أوسع في عالم مضطرب. فالاستعداد لمواجهة أزمات متعددة، في أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وحتى المحيط الهادئ، يتطلب قدرة عملياتية عالية وتمويلاً مستداماً. لذلك فإن رفع الإنفاق الدفاعي لا يُعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان بقاء الحلف فاعلًا وموثوقًا.

ثالثًا: أمريكا وإعادة توزيع الأعباء

تسعى واشنطن المثقلة بأعباء مالية ضخمة، جميعها موزعة على الإنفاق العسكري في أكثر من جبهة، إلى التخلص من بعض هذه الالتزامات من خلال إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف، بحيث لا تتحمل أمريكا وحدها النسبة الأكبر من التمويل العسكري والانتشار العملياتي.

تنفق الولايات المتحدة أكثر من 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بينما لا تصل بعض الدول الأوروبية حتى إلى نصف النسبة المستهدفة. هذا الخلل بات يشكل أزمة ثقة داخل الحلف، خصوصًا في ظل الخطابات الأمريكية التي تربط الالتزام الدفاعي بالمساهمات المالية.

ومن هذا المنطلق، يُضاف التحول في طبيعة الحروب إلى الأسباب التي تقضي برفع الإنفاق، إذ تعتمد الحروب الحديثة على التكنولوجيا المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة إلى القدرات السيبرانية وحروب الفضاء، وتجهيز الجيوش بهذه الوسائل يتطلب استثمارات ضخمة لا يمكن تأجيلها، وإلا أصبحت بعض الدول عاجزة عن مواكبة التغيرات أو الدفاع عن نفسها أو عن الحلف.

رابعًا: مستقبل الحلف على المحك.. قراءة في المسارات الممكنة

رغم حدة تصريحات ترامب بشأن طرد إسبانيا من الناتو، فإنها تبقى في إطار الخطاب السياسي، وتفتقر إلى الأساس القانوني والتنظيمي داخل الحلف، لكنها في الوقت نفسه تعكس تصاعد التوترات داخل الناتو بين أعضائه حول توزيع الأعباء العسكرية والسياسية.

في ظل التصعيد اللفظي الأخير بين بعض قادة الناتو، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والحكومات الأوروبية التي تُتهم بالتقاعس عن رفع إنفاقها الدفاعي، تبرز عدة سيناريوهات محتملة قد تحدد مستقبل الحلف خلال السنوات المقبلة.

السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار التوترات داخل الحلف دون أن تصل إلى نقطة الانفجار، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى امتصاص الضغوط الأمريكية من خلال زيادات تدريجية في ميزانياتها الدفاعية، بالتوازي مع تعزيز التنسيق السياسي لتفادي الانقسام الداخلي.

مع ذلك، يبقى احتمال التصعيد قائمًا، خاصة إذا استمرت بعض الدول الأوروبية في تجاهل الأهداف المتفق عليها. في هذه الحالة قد تشهد العلاقة داخل الناتو تحوّلًا نوعيًا، ليس على شكل طرد رسمي — وهو ما لا تسمح به معاهدة الحلف أصلًا — ولكن من خلال فرض ضغوط سياسية ومالية على الدول "المقصّرة"، أو حتى تجميد بعض أشكال التعاون معها.

ولا يُستبعد أن تلجأ بعض الدول، تحت وطأة الاستقطاب السياسي أو الشعبوي، إلى التلويح بالانسحاب الطوعي كوسيلة ضغط مضادة، ما يفتح الباب أمام سيناريو إعادة تشكيل التوازنات داخل الحلف.

في جميع الحالات، تعكس هذه الاحتمالات أزمة بنيوية تتجاوز مجرد الخلاف حول الإنفاق، لتطال طبيعة القيادة داخل الحلف ومستقبل الالتزام الجماعي في بيئة دولية تتجه نحو التفكك والتحالفات المرنة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء