رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الوساطة إلى المقاعد الخلفية.. أوروبا تكتفي بدور المشاهد في مفاوضات غزة

مظاهرات شعبية في
مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة

لطالما روّج الاتحاد الأوروبي لنفسه كفاعل نزيه في عملية السلام، مستندًا إلى تاريخه في دعم حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، ومشاركته السابقة في اللجنة الرباعية الدولية، بيد أن التطورات الأخيرة كشفت أن أوروبا انتقلت من موقع الشريك السياسي إلى موقع الممول الإنساني، في وقت تتصدر فيه أطراف إقليمية أخرى مشهد الوساطة، وتعيد ترتيب أوراق الصراع على طريقتها.

أثناء انعقاد مفاوضات شرم الشيخ بين حركة حماس وإسرائيل برعاية مصرية، كان لافتًا غياب الطرف الأوروبي عن مشهد الوساطة كعلامة فارقة على تراجع الدور السياسي لأوروبا في القضية الفلسطينية، وتتعدد أسباب الغياب الأوروبي بين اعتبارات داخلية، مثل الانقسام الحاد بين العواصم الأوروبية حول الموقف من إسرائيل، وبين اعتبارات خارجية تتعلق بتقليص النفوذ الأوروبي أمام الهيمنة الأمريكية، وتنامي أدوار الفاعلين الإقليميين.

مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة 
مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة 

من هذا المطلق، تمثل مفاوضات شرم الشيخ اختبارًا صامتًا لأوروبا: هل تكتفي بالمراقبة والتمويل، أم تعيد بناء أدوات تأثيرها السياسي؟ وهل تملك الإرادة لتجاوز الانقسامات والخطابات الأخلاقية نحو سياسة خارجية فاعلة تعيد لها موقعها في مشهد شرق أوسطي شديد التحوّل؟

التمثيل الأوروبي من المشاركة إلى الغياب 

في تسعينيات القرن الماضي، كانت أوروبا جزءًا من اللجنة الرباعية الدولية، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة، وقدمت دعمًا سياسيًا وتمويليًا لاتفاق أوسلو الذي عقد عام 1993 في لحظة تاريخية فارقة تميّزت بانهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود النظام العالمي أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة. 

تلك المرحلة شكلت فرصة للولايات المتحدة لفرض تصورها لتسوية الصراع العربي–الإسرائيلي، مع إقصاء تدريجي للأمم المتحدة، وتهميش للمبادرات الإقليمية، باستثناء الدور الذي لعبته النرويج في تسهيل الحوار الأولي السري.

رغم أن أوسلو لم تكن مبادرة أوروبية، إلا أن أوروبا باركتها بسرعة، وشاركت لاحقًا في دعمها من خلال التمويل السياسي والاقتصادي، غير أن مفاوضات شرم الشيخ جرت بدون أي تمثيل أوروبي مباشر، وهو ما يعكس تحولًا في مكانة أوروبا من "شريك مفاوض" إلى "مانح إنساني".

هذا التحول لا يرتبط فقط بتغير موازين القوى العالمية، بل أيضًا بعجز أوروبي ذاتي عن بناء موقف موحد، خاصة في ظل الانقسامات الحادة بين العواصم الأوروبية حول الموقف من إسرائيل، وغياب سياسة خارجية متماسكة ضمن الاتحاد الأوروبي.

مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة 
مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة 

المساعدات بديلًا عن التأثير السياسي

على مدار السنوات الماضية، تركزت المساهمات الأوروبية في تمويل وكالة الأونروا، ودعم السلطة الفلسطينية، وتقديم مساعدات إنسانية للقطاع، لكن غياب الدور السياسي الفاعل قلّص من قدرتها على التأثير في لحظات الحسم، كما هو الحال في مفاوضات شرم الشيخ.

ومع استمرار العدوان على غزة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، بات يُنظر إلى أوروبا على أنها صاحبة خطاب أخلاقي غير قادر على التحول إلى موقف سياسي مؤثر، ما أضعف مصداقيتها لدى الطرفين.

هذا العجز تَكرّس أكثر بعد فوز حماس في انتخابات 2006، حين اصطفّت معظم العواصم الأوروبية خلف موقف أمريكي–إسرائيلي عقابي ضد نتائج ديمقراطية، ما عمّق فقدان الثقة الأوروبية في الشارع الفلسطيني، وفتح الباب لوساطات إقليمية بديلة.

صعود الفاعلين الإقليميين وتراجع الوساطة الغربية

يُقرأ هذا الغياب الأوروبي على أنه نتيجة مباشرة لتحولات المشهد الإقليمي، حيث لم تعد الدول الأوروبية صاحبة النفوذ الأكبر في ملفات الشرق الأوسط، خاصة بعد تصاعد أدوار تركيا، وإيران، وبعض دول الخليج، إلى جانب انحياز بعض الدول الأوروبية لإسرائيل في خطاباتها الرسمية بعد 7 أكتوبر، مما أضعف من فرص قبولها كوسيط نزيه، خاصة لدى أطراف المقاومة، التي باتت تفضل وسطاء إقليميين أكثر مرونة وتوازنًا.

بينما تواصل واشنطن لعب الدور المركزي في هندسة التفاهمات، لا تزال أوروبا تتحرك في الهامش، إما بدافع التنسيق أو بسبب الارتهان لخطاب الحلفاء؛ لذا مثلت مفاوضات شرم الشيخ اختبارًا لقدرة أوروبا على امتلاك قرارها السياسي المستقل عن الولايات المتحدة.

فإذا أرادت أوروبا استعادة دورها، عليها أن تتجاوز مجرد التماهي مع المواقف الأمريكية، وأن تبني موقفًا أوروبيًا خاصًا يستند إلى قيمها المعلنة في دعم القانون الدولي وحقوق الإنسان، وأن لا تكتفي بالتمويل وحده، بل عليها بناء أدوات ضغط سياسية واقعية، واستعادة ثقة الأطراف المتنازعة في حيادها. 

مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة 
مظاهرات شعبية في أوروبا ضد العدوان على قطاع غزة 

الاعتراف بفلسطين: بين الرمز السياسي وحدود الفعل

لجأت بعض الدول الأوروبية وأبرزهم بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والنرويج للاعتراف بدولة فلسطين، وهي خطوة ذات دلالة سياسية وأخلاقية واضحة تعكس رغبة هذه الدول في تصحيح الانحياز التاريخي في التعامل مع القضية الفلسطينية، وتعبر عن تأييد لحق تقرير المصير كقيمة دولية أساسية. 

كما يمنح هذا الاعتراف الفلسطينيين دعمًا رمزيًا على المستوى القانوني الدولي، ويعزز مكانتهم في المؤسسات المتعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية.

لكن الاعتراف الأوروبي بفلسطين يبقى خطوة رمزية إذا لم يترافق مع أدوات سياسية واقتصادية تفرض تغييرًا في ميزان القوى على الأرض. فإسرائيل لا تُبدي أي استعداد للامتثال للشرعية الدولية ما لم تتعرض لضغوط فعلية. إن استمرار الاحتلال، وتصاعد الاستيطان، واستمرار الحصار على غزة، تُظهر أن الاعتراف لا يغير الواقع الميداني ما لم يُرفق بعقوبات اقتصادية، أو بمقاطعة منظّمة للاستيطان، أو بدعم ملموس للفلسطينيين في مؤسسات القانون الدولي.

ثمة خشية حقيقية من أن يصبح الاعتراف بدولة فلسطين وسيلة لبعض الدول الغربية لتبرئة الذات من التقاعس السياسي. أي أنه يُستخدم كـ"ورقة رمزية" تمنح هذه الدول مخرجًا أخلاقيًا أمام شعوبها وضغوط الرأي العام، دون أن تكون مستعدة لترجمة هذا الاعتراف إلى سياسة خارجية متوازنة أو ضاغطة. 

في النهاية، لا تتطلب العودة الأوروبية إلى المشهد الفلسطيني إرادة سياسية فقط، بل تحمّل كلفة الموقف العادل، عبر استخدام أدوات القانون، والدبلوماسية، والضغط الاقتصادي، من أجل إحداث تغيير فعلي. فالتاريخ لن يرحم الحياد في لحظات الإبادة، ولا الاعترافات التي لا تتجاوز الورق.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء