رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الغضب العربي والتصلب الإسرائيلي.. اتفاقيات السلام تدخل مرحلة الخطر

نتنياهو
نتنياهو

العلاقة بين الدول العربية وإسرائيل منذ نشأتها في عام 1948 غلب عليها التوتر والتشدد في معظم الأوقات وفي بعض الأحيان وصلت الأمور إلى حافة الهاوية والاشتباكات المسلحة بين الطرفين كما حدث في حروب 1967 و1973 والحرب على لبنان في عام 1982 والتى استمرت حتى عام 2000 وتجددت مرة أخرى في عام 2006.

تحت وطأة الهزائم العسكرية والتكاليف المرتفعة للعمليات العسكرية التي نالت من دولة الاحتلال الصهيوني، لجأت تل أبيب في العديد من المناسبات إلى تخفيف توتراتها العسكرية مع دول الجوار، والولوج إلى فتح حوار مع النظم السياسية، وتحقيق سلام نسبي يضمن لها تخفيف الأعباء العسكرية، فالموجة الأولى من التوافقات العربية الإسرائيلية كانت مع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978.

 

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

أما الموجة الثانية من اتفاقيات "السلام" العربية الإسرائيلية فبدأت مع انتهاء الحرب الباردة والتحولات التي شهدتها تلك الفترة وأفضت تلك الموجة إلى توقيع "اتفاقات أسلو" 1993 واتفاق "غزة – أريحا"، وانتهاء باتفاق "وادي عربة" بين الأردن وإسرائيل في عام 1994.

ساهمت تلك التوافقات منذ "كامب ديفيد" وحتى اتفاق "وادي عربة" في تهيئة الأجواء الداخلية الإسرائيلية مما سمح لتل أبيب باستقبال أكبر موجه من الهجرة إلى إسرائيل تمثلت في هجرة اليهود الروس في تسعينيات القرن الماضي والتي تعد الأكبر منذ بدء الهجرات في مطلع القرن الماضي.

ساهمت تلك الاتفاقات في تخفيف الضغوط العسكرية، وانتقال المواجهات العسكرية إلى مستوى أقل حيث أصبحت بين إسرائيل والفاعلين غير الدوليين من حركات المقاومة المسلحة مثل حزب الله في جنوب لبنان وحركة حماس والجهاد في غزة

وبلغت ذروة التفاهمات العربية الاسرائيلية في عام 2017 وتحديدًا في بداية ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ رعت واشنطن اتفاقات تفاهم عرفت باسم "اتفاقات إبراهام 2020" بين إسرائيل من جهة ودول عربية مثل الإمارات والبحرين.

تفكيك اتفاقيات السلام

لم تستمر حالة التفاهمات الاسرائيلية العربية فترة طويلة إذ باغتتها عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023 وما لحقها من اعتداءات اسرائيلية على الشعب الفلسطيني، ورفض الاستماع والانصياع لتوجهات الدول العربية الرامية إلى وقف الحرب من جهة وتخفيف المعاناة الإنسانية على أبناء قطاع غزة من جهة أخرى.

وبلغت الأمور ذروتها في سبتمبر2025 بمحاولة استهداف وفد مفاوضات حركة "حماس" في العاصمة القطرية الدوحة، وهو ما يعد أول قصف اسرائيلي مباشر لدولة خليجية في التاريخ، ومن ثم ترتب عليه تصاعد الأزمات بين إسرائيل وكل الدول العربية، الأمر الذي دفع البعض إلى توصيف ما حدث بأن تل أبيب دفعت شركاء السلام العرب إلى حدودهم القصوى.

الاستفزازات الاسرائيلية

بدأت العديد من الدوائر الفكرية والبحثية خلال الفترة الأخيرة تنبيه صناع القرار في واشنطن إلى خطورة توجهات "تل أبيب" وتأثيرها المدمر على علاقتها مع الدول العربية جميعًا، وفي هذا الإطار قام "معهد واشنطن" بإلقاء الضوء على هذا الأمر مثمنًا دور الدول العربية بشكل غير مباشر في إنجاح وصمود "اتفاقات السلام" رغم الاستفزازات الاسرائيلية المتعاقبة.

تأتي تحركات "معهد واشنطن" في ظل ترقب العالم توقف الحرب في غزة بعد موافقة حركة "حماس" والعديد من القوى الإقليمية على مقترح الرئيس ترامب لإنهاء الحرب في القطاع والسماح بوصول المساعدات الإنسانية.

تتبلور جهود "معهد واشنطن" في إصدار دراستين مهمتين وهما "اتفاقيات إبراهام بعد خمس سنوات.. الصمود والعقبات" للكاتب ديفيد ماكوفسكي، و"إسرائيل تدفع شركاء السلام العرب إلى حدودهم القصوى" للكاتب في المعهد ديفيد شينكر، والذي شغل سابقًا مساعدًا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، كما  عقد المعهد منتدي سياسات تناول نفس الأمر شارك فيه عدد من الشخصيات الفكرية المحسوبة على تل أبيب مثل يائيل ليمبرت السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأردن ونائبة رئيس معهد الشرق الأوسط للتواصل، و"أمير حايك" أول سفير لإسرائيل لدى الإمارات بالإضافة إلى فيكتوريا كوتس، نائبة مستشار الأمن القومي السابقة للرئيس ترامب ونائبة رئيس معهد ديفيس للأمن القومي والسياسة الخارجية في مؤسسة هيريتيج.

الشيخ تميم بن حمد
الشيخ تميم بن حمد

تصاعد الخطوط الحمراء

أوضح ديفيد شينكر أن العواصم العربية خلال الفترة الأخيرة بدأت سياسة تصاعد الخطوط الحمراء الأمر الذي يستجدي اهتمام تل أبيب وواشنطن، فخلال اجتماعات القمة العربية وقمة منظمة التعاون الإسلامي في الدوحة في سبتمبر 2025 لم تركز فقط على التنديد بالهجمات على الدوحة بل ذهبت إلي التركيز على القضية الرئيسية وهي قضية القدس والشعب الفلسطيني، كما أكد شينكر أن دولًا كمصر والأردن والإمارات ألمحوا في أكثر من مناسبة قبل ضرب قطر بأهمية اعادة تقييم علاقتها مع إسرائيل. 

ويرى شينكر أن استمرار الحرب والعدوان على قطاع غزة وعدم الالتفات إلى نصائح القاهرة وعمان بالأساس ساهم بشكل كبير في رفع درجة الرفض الشعبي والرسمي في كلا البلدين مما أدي إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية ومغادرة الوفود الدبلوماسية العربية تل أبيب وكان أخرها السفير البحريني في إبريل 2025 عقب الهجمات على قطر.

التصعيد مع مصر

منذ عقود مضت لعب مسار العلاقات المصرية الإسرائيلية دورا هاما في تهدئة العديد من التوترات ومنع انزلاقها إلى حافة الهاوية كما هو الوضع الحالي، إلا أن تعنت الإدارة الإسرائيلية ساهم في رفع الغضب المصري خلال الفترة الأخيرة.

فيري شينكر أن الموقف المصري كان ثابتًا في مسألة التهجير ورفض اقتراحات انشاء مخيمات لاجئين على الأراضي المصرية وتصاعد الأمر في مايو 2024 حينما تضامنت مصر مع دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية.

وبرزت لهجة التهديد المصرية بصورة واضحة في سبتمبر 2025 بعد ضرب الدوحة إذ أعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي عن استيائه من تصريحات نتنياهو باستهداف عناصر الحركة خارج الأراضي الفلسطينية، وهو ما اعتبره عبد العاطي تهديدًا غير مباشر لمصر نظرًا لاستضافتها عناصر الحركة للمفاوضات، مؤكدًا استهداف قادة الحركة في مصر سيكون له عواقب وتداعيات كارثية.

فيما حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي، من مواصلة سياساتها معتبرًا اياها مدمرة لاتفاقية "السلام" القائمة، كما تم تجديد دعوته في القمة العربية بضرورة تدشين قوة عربية مشتركة للتعامل مع العدو الإسرائيلي وتعد هي المرة الأولى التي يتم فيها توصيف إسرائيل بالعدو منذ عام 1977.

ممر الهند والدور الأمريكي

على عكس تحليلات ديفيد شينكر الرامية بشكل أساس إلى القاء الضوء على أبرز نقاط الصراع، ألمح ديفيد ماكوفسكي إلى أهمية دور الولايات المتحدة في انقاذ اتفاقات إبراهام واتفاقية "السلام" الأخرى من خلال النقاط التالية:

•الاسراع في تدشين مبادرات كبرى كممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا والذي يجب أن يأخذ أولوية كبرى لدى دول المنطقة باعتباره إطارًا متكاملًا من التعاون الفني والاقتصادي بين جميع دول منطقة الشرق الأوسط وهو ما يؤكد عليه أيضا أمير حايك السفير الإسرائيلي السابق في الإمارات.

•تحذير واشنطن لتل أبيب من خطورة الخطوات الأحادية مثل ضم الضفة الغربية أو تهجير الفلسطينيين وهو الأمر الذي قد يدمر اتفاقات إبراهام.

•ينبغي أن تتوصل واشنطن إلى آلية سلام تمنع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على كل من سوريا ولبنان خلال الفترة المقبلة.

واشنطن بين نارين

تواجه الولايات المتحدة اليوم اختبارًا استراتيجيًا صعبًا، إذ لم تعد اتفاقات إبراهام تمثل نجاحًا دبلوماسيًا بقدر ما أصبحت عبئًا سياسيًا يهدد نفوذها في الشرق الأوسط. فكلما تمادت تل أبيب في تجاوزاتها، تراجعت قدرة واشنطن على التواصل مع الحلفاء العرب، وتضاءلت فرص الحفاظ على "تحالف السلام".

وما لم تتحرك الإدارة الأمريكية بجدية لوقف الحرب وإعادة تفعيل المسار السياسي، فإن المنطقة قد تشهد انهيارًا غير مسبوق في العودة الكاملة إلى مربع الصراع العربي–الإسرائيلي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الميدان.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء