رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ترامب والوساطة المصرية.. بين هندسة التهدئة وإعادة بناء النفوذ الإقليمي

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

بعد أن وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي، دعوة للرئيس الأمريكي دونالد لترامب، لزيارة مصر والمشاركة في الاحتفالية التي سوف تعقد في القاهرة بمناسبة إبرام الاتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، باعتباره اتفاقًا تاريخيًا يتوج الجهود المشتركة لمصر والولايات المتحدة والوسطاء في الفترة الماضية، رحب ترامب بالدعوة، وأعرب عن سعادته بزيارة مصر، خاصة مع كونها دولة "يكن لها كل الاعتزاز والتقدير"، وفق بيان صادر عن الرئاسة.

الرئيس عبد الفتاح السيسي
الرئيس عبد الفتاح السيسي

وصرح ترامب أنه سيقوم برحلة إلى مصر للاحتفال بوقف الحرب في القطاع بعد أن استمرت عامين كاملين، وحضور التوقيع الرسمي على الاتفاق؛ ما يعني أن تشكل هذه الزيارة محطة فارقة في مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إذ تراهن الأوساط العربية والدولية على قدرة القاهرة وواشنطن في تحويل الاتفاق إلى إطار دائم للتهدئة، والمساهمة في إعادة إعمار غزة ودعم عملية المصالحة الطويلة.

القاهرة كوسيط رئيسي في الصراع الفلسطيني_ الإسرائيلي 

تمثل زيارة القاهرة أول تحرك شرق أوسطي للرئيس ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، في خطوة تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة، ورغم أنها تأتي وسط تفاؤل حذر بشأن اتفاق التهدئة لكنها تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية تتجاوز بروتوكول اللقاء بين رئيسين، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمعادلة القوة والوساطة في الشرق الأوسط الجديد.

بذلت مصر جهودًا كبيرة ولعبت دور الوسيط في المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس؛ بهدف التوصل إلى صفقة من شأنها وضع حد للحرب، وشهدت المفاوضات خلال الفترات الماضية جولات سلبية وإيجابية، إلى أن توجت تلك الجهود بالموافقة على خطة الرئيس الأمريكي واتفاق وقف إطلاق النار في مباحثات شرم الشيخ، والتي كان للوسيط والمفاوض المصري دور حاسم خلالها، بالإضافة إلى الوسطاء الآخرين، وهو ما أكده المبعوث الخاص الأمريكي للشرق الأوسط ستيفن ويتكوف.

ومن هذا المنطلق، عادت القاهرة لتتبوأ مركزها التاريخي كوسيط رئيسي في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ تسعى مصر إلى تثبيت مكانتها كلاعب لا غنى عنه في هندسة الأمن الإقليمي، ومع تصاعد الحديث عن ترتيبات اليوم التالي للحرب، تجد القاهرة نفسها في قلب خطة أمريكية جديدة تريد إنهاء المواجهة في غزة بضمانات أمنية إسرائيلية ورعاية عربية. 

الزيارة تمنح مصر فرصة لتأكيد أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق من دونها، وأن أي ترتيبات تخص القطاع تمر أولًا عبر بوابتها الجنوبية.

وفد حركة حماس في مفاوضات شرم الشيخ
وفد حركة حماس في مفاوضات شرم الشيخ

طموح أمريكي يقابله حذر مصري

تدرك القاهرة أن ترامب لا يفصل بين السياسة والتجارة، وأنه يسعى إلى تحقيق إنجاز خارجي سريع يعزز رصيده الداخلي، في المقابل، تتحرك مصر على قاعدة عدم التورط، أي قبول الدور الوسيط دون تحمّل أعباء ميدانية أو سكانية ناتجة عن إدارة غزة. 

ومن هنا، تضع القيادة المصرية خطوطًا حمراء واضحة: لا توطين، لا تهجير، ولا ترتيبات أمنية خارج التنسيق المصري المباشر، ويفسر ذلك التنبؤات بأن يحمل اللقاء المرتقب بين ترامب والسيسي طابعًا مزدوجًا من الواقعية والحذر.

تحتفظ القاهرة بثقل استراتيجي لا تملكه أي عاصمة عربية أخرى؛ لذا فإن اختيار ترامب لمصر كأول محطة في الشرق الأوسط ليس مصادفة، كما تحمل الزيارة رسائل متعددة الاتجاهات: إلى أوروبا بأن واشنطن استعادت حضورها الإقليمي من بوابة القاهرة، وإلى القوى العربية بأن مصر عادت إلى دورها كقلب النظام الإقليمي، وإلى الداخل الأمريكي بأن رئيس الصفقات قادر على إعادة أمريكا إلى موقع القيادة من خارج المسارات الدبلوماسية التقليدية.

ورغم أن غزة ستكون محور المحادثات بين ترامب والسيسي، لكن يسعى الأول لتسجيل أول إنجاز خارجي في ولايته الجديدة، بينما تسعى القاهرة لتثبيت معادلة تحفظ الأمن القومي المصري وتمنع أي فراغ أمني على حدودها. نجاح الزيارة في إنتاج اتفاق متوازن سيعني استعادة مصر لمكانتها كضامن إقليمي أساسي، بينما فشلها قد يفتح الباب أمام تصاعد دور بديل لتركيا أو قطر في ملف الوساطة.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

عودة دبلوماسية الصفقات

لا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والدبلوماسي لزيارة ترامب عن الجانب الاقتصادي، إذ يوصف الرئيس الأمريكي باعتباره رجل أعمال في المقام الأول، لذا فمن المتوقع أن ترافق ترامب وفود من شركات الطاقة والبنية التحتية، فيما يشبه عودة دبلوماسية الصفقات التي ميّزت ولايته الأولى. 

وبالنسبة لمصر، يمثل ذلك فرصة لالتقاط أنفاسها اقتصاديًا وجذب استثمارات أمريكية جديدة، خصوصًا في قطاعات الغاز والطاقة المتجددة، مع الحذر من أن يتحول الدعم الاقتصادي إلى أداة ضغط سياسي لتمرير ترتيبات إقليمية غير مريحة للقاهرة وهو ما لن يسمح به الرئيس السيسي.

كما تبدو الزيارة اختبارًا دقيقًا للجانبين، فمصر تريد مكاسب ملموسة دون أن تُحسب على محور أمريكي ضاغط، وترامب يسعى إلى نتائج سريعة دون التورط في تفاصيل ميدانية معقدة، ومع ذلك، فإن أي خلل في التوازن قد ينعكس على العلاقات الثنائية أو يثير حفيظة أطراف عربية أخرى ترى في عودة ترامب تهديدًا لمصالحها أو لموقعها في معادلة النفوذ الإقليمي.

ستظل زيارة ترامب إلى القاهرة نقطة انعطاف في المشهد الشرق أوسطي. فإذا نجحت في إرساء هدنة حقيقية في غزة، فقد تُعيد واشنطن والقاهرة إلى صدارة المشهد كراعيتين للاستقرار. أما إذا تراجعت نتائجها أمام اعتراضات فلسطينية أو تحفظات إقليمية، فقد تتحول إلى بداية فصل جديد من الصراع على شكل "الشرق الأوسط ما بعد الحرب". في الحالتين، تُدرك القاهرة أن الزيارة ليست مجرد حدث سياسي، بل لحظة لإعادة تعريف دورها بين واشنطن وتل أبيب وغزة والعواصم العربية المترددة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء