في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مشروعًا طموحًا تحت مسمى «دولة الابتكار»، باعتباره أحد مخرجات منتدى مصر 2026، تبرز أمام هذا المشروع معوقات عديدة، لعل أبرزها أزمة الكتاب الجامعي، التي أصبحت نموذجًا لخلل يحتاج إلى مراجعة جادة في فلسفة التعليم الجامعي وآليات إدارته.
فمن المفارقات التي تكاد تنفرد بها منظومة التعليم الجامعي في مصر استمرار ظاهرة الكتاب الجامعي بصورته التقليدية، رغم ما يشهده العالم من تحولات هائلة في مصادر المعرفة وأساليب التعلم والتعليم. فالطالب الجامعي الذي يمتلك من القدرات العقلية والمهارات ما يؤهله للتفكير النقدي والبحث والتحليل والإبداع، لم يعد في حاجة إلى كتاب يفرض عليه حفظ ما يتضمنه من معلومات ليؤدي امتحانًا يسترجع فيه ما حفظه، وإنما هو في حاجة إلى بيئة تعليمية تفتح أمامه آفاق المعرفة، وتدربه على الوصول إلى المعلومات وتحليلها ونقدها وتوظيفها في إنتاج معرفة جديدة.
فإذا كنا نطمح إلى إعداد طالب مبتكر، قادر على المنافسة في سوق العمل، والمشاركة في بناء اقتصاد المعرفة، فكيف نلزمه بكتاب ورقي أو إلكتروني يحفظ محتوياته، ويصبح مصدره الأساسي وربما الوحيد في التعلم والتقييم؟!
لقد استمرت ظاهرة الكتاب الجامعي في جامعاتنا منذ نشأة الجامعة المصرية، دون أن تنجح محاولات جادة في التخلص من سلبياتها. وربما يعود ذلك إلى تشابك المصالح الاقتصادية المرتبطة بها، ووجود بعض أصحاب الكتب الجامعية ذات التوزيع المليوني، الذين تحولت مبيعات كتبهم إلى مصدر دخل ضخم، يصعب معه إحداث تغيير حقيقي في هذه المنظومة. وربما أسهم أيضًا تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية، وتراجع دخولهم مقارنة بنظرائهم في كثير من دول العالم، في ترسيخ هذه الظاهرة، حتى أصبح الكتاب الجامعي لدى البعض وسيلة لتعويض ضعف الدخل، بدلًا من أن يكون أداة تعليمية تخضع لمعايير الجودة والتطوير.
وقد حاولت وزارة التعليم العالي، خلال تولي الدكتور خالد عبد الغفار مسؤوليتها عام 2019، التوجه نحو تحويل الكتاب الجامعي إلى الصورة الإلكترونية. وأذكر أنني خلال مشاركتي في مجلس الجامعة آنذاك طرحت وجهة نظر مفادها أن التحول الإلكتروني ينبغي ألا يكون غاية في حد ذاته، وإنما خطوة أولى نحو تطوير المقررات الجامعية وتحويلها إلى مقررات تفاعلية متكاملة، تتضمن مصادر متعددة للمعرفة، وأنشطة بحثية وتطبيقية، ومواد تعليمية رقمية، بما يواكب التطورات المتسارعة في تكنولوجيا التعليم.
لكن ما حدث في التطبيق جاء مخيبًا للآمال؛ إذ تحولت الفكرة من مشروع لتطوير التعليم الجامعي إلى مجرد نقل الكتاب الورقي إلى ملف إلكتروني بصيغة PDF، يُرفع على منصة الجامعة، ويُلزم جميع الطلاب بسداد قيمته، مع ربط الحصول عليه بالمصروفات الدراسية. وهكذا انتقلنا من الكتاب الورقي إلى الكتاب الإلكتروني دون أن ننتقل فعليًا من فلسفة الحفظ والتلقين إلى فلسفة التعلم والابتكار.
والأكثر إثارة للتساؤل أن منظومة التحصيل الإلكتروني أوجدت شبكة من النسب المالية التي يحصل عليها أطراف متعددون داخل الجامعة، وفق آليات توزيع معتمدة، فأصبح رئيس الجامعة ونوابه وبعض الإدارات والجهات الجامعية يحصلون على نسب من حصيلة الكتب، بينما يحصل الأستاذ صاحب المحتوى على النسبة المقررة له. وبذلك تحولت المنظومة إلى مصدر عائد مالي تتداخل فيه مصالح أطراف عديدة، في حين ظل الطالب هو الحلقة الأضعف، يتحمل تكلفة كتاب لا يراه إلا من خلال شاشة هاتفه أو حاسوبه، دون أن تتوافر له بالضرورة مصادر تعليمية تفاعلية أو قيمة مضافة تبرر إلزامه بشرائه.
ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل ظهرت صور أخرى من الأعباء المالية، من بينها ما يُعرف بـ«الشيتات» والمذكرات والمواد التعليمية الإضافية التي يضطر بعض الطلاب إلى شرائها، لتصبح تكلفة التعلم الجامعي أكبر من مجرد المصروفات الدراسية والكتاب الإلكتروني واسوق هنا مثالا من المبكيات المصحكات في جامعاتنا فقد وصلني خطابا من رئيس القسم يطالبني بتسليم مذكرة في مقرر قاعة البحث لعدد ٣ طلاب دكتوراه لوضعها علي الأسطوانة وبيعها للطلاب. فناهيك عن الدناءة المادية في البحث عن الفتات فهل يعقل لطالب دكتوراه مهمته البحث و الابتكار أن أبيعه مذكرة في قاعة البحث ؟ وأما ردي فكان التجاهل التام.
وهنا يبرز السؤال: هل هذا هو التعليم الذي نريده لجامعات تسعى إلى الابتكار والتميز والتنافس الدولي؟ وهل يمكن أن نطالب الطالب بالتفكير النقدي والإبداع، بينما تظل أدوات تعليمه وتقييمه قائمة على الحفظ والتلقين، واسترجاع معلومات قد يكون بعضها قد عفا عليه الزمن؟
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي متاحًا أمام الطالب بضغطة زر، وأصبح الوصول إلى المعلومات والمراجع والأبحاث العلمية أكثر سهولة من أي وقت مضى. ولم يعد دور الجامعة أن تقدم للطالب المعلومات في صورة كتاب مغلق، وإنما أن تعلمه كيف يصل إلى المعرفة، وكيف يتحقق من مصداقيتها، ويحللها، ويناقشها، ويوظفها في معالجة المشكلات وإنتاج حلول مبتكرة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الكتب والمراجع العلمية، أو الانتقاص من حقوق المؤلفين، وإنما يعني إعادة النظر في إلزام الطلاب بشراء كتاب مقرر، وتحويل الكتاب من سلعة إجبارية إلى مصدر معرفي اختياري أو أحد مصادر التعلم المتعددة، مع ضمان حقوق الملكية الفكرية والعائد العادل للمؤلف.
ولعل ما كشفته دراسة تناولت تقويم الكتاب الجامعي الإلكتروني بجامعة الفيوم، ونُشرت عام 2025، من مشكلات تتعلق بتأخر إتاحة الكتب على المنصة، وربط الحصول عليها بسداد الرسوم، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالملكية الفكرية والعائد المادي للمؤلفين، يؤكد أن مجرد التحول من الورقي إلى الإلكتروني لا يكفي لتحقيق التطوير المنشود، وأن القضية تحتاج إلى مراجعة شاملة لآليات التطبيق وفلسفته وأهدافه.
وهنا تبرز علاقة القضية بالتصنيف الدولي للجامعات. فالتصنيفات العالمية لا تمنح الجامعات مكانتها لمجرد امتلاكها منصات إلكترونية أو تحويل كتبها إلى ملفات رقمية، وإنما تنظر إلى منظومة متكاملة من جودة التعليم والبحث العلمي والاستشهادات والابتكار والتعاون الدولي والأثر المجتمعي، وفق معايير تختلف من تصنيف إلى آخر. ومن ثم فإن استمرار نمط تعليمي يقوم على الحفظ والتلقين، ويحد من استقلالية الطالب وقدرته على البحث والإبداع، يتعارض مع الطموح إلى بناء جامعة تنافس عالميًا وتنتج المعرفة ولا تكتفي باستهلاكها.
ومن هنا أطرح تساؤلًا يستحق أن يكون على مائدة وزارة التعليم العالي: هل رصدت معايير التصنيفات الدولية هذه الظاهرة في الجامعات المصرية؟ وهل يمكن أن نطمح إلى دخول جامعاتنا مصاف الجامعات العالمية، بينما لا يزال الطالب ملزمًا بشراء كتاب جامعي تقليدي، ورقيًا كان أو إلكترونيًا، ليحفظ محتواه ويؤدي الامتحان منه؟
إن التحول إلى «دولة الابتكار» يتطلب مراجعة جذرية لفلسفة التعليم الجامعي، تبدأ بتحرير الطالب من الاعتماد الإجباري على الكتاب الجامعي، وتطوير المقررات إلى محتوى تفاعلي متعدد المصادر، وإتاحة قواعد البيانات والمراجع العلمية، وتشجيع التعلم القائم على المشروعات وحل المشكلات، وربط التقييم بقدرة الطالب على التحليل والتطبيق والإبداع، لا بمجرد استرجاع المعلومات.
كما يتطلب ذلك وضع ضوابط شفافة لمنظومة الموارد المالية المرتبطة بالمقررات والكتب الجامعية، وضمان عدم تحول أي خدمة تعليمية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب على حساب الطالب، مع توفير بدائل مجانية أو منخفضة التكلفة للمصادر التعليمية الأساسية.
إننا لا نستطيع أن نبني دولة للابتكار بعقلية الكتاب الجامعي الإجباري، ولا أن ننافس الجامعات العالمية بأدوات تعليمية تجاوزها الزمن.
فإذا كانت وزارة التعليم العالي جادة في مشروع «دولة الابتكار»، فإن البداية الحقيقية ينبغي أن تكون من داخل قاعات الدراسة، ومن مراجعة كل ممارسة تعوق حرية المعرفة والتفكير والإبداع. فالجامعة ليست دارًا لتوزيع الكتب، والطالب ليس وعاءً لحفظ المعلومات، والأستاذ الجامعي ليس بائعًا للمعرفة، وإنما الجامعة مؤسسة لإنتاج العقول وصناعة المستقبل.
ولعل أول خطوة حقيقية نحو دولة الابتكار أن نتحرر من «سبوبة الكتاب الجامعي»، وننتقل من جامعة تبيع المعرفة إلى جامعة تصنعها.
