رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تُعد مدارس STEM، أو مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا، إحدى أهم المبادرات التعليمية في مصر، والمخصصة للطلاب المتفوقين والنابغين في الشهادة الإعدادية، ممن يحصلون على درجات مرتفعة ويجتازون الاختبارات الخاصة بالالتحاق بهذه المدارس.


و بدأت فكرة هذه المدارس عام 2011 بالتعاون بين وزارة التربية والتعليم المصرية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، حيث افتُتحت أول مدرسة للمتفوقين بمدينة 6 أكتوبر للبنين عام 2011، ثم تلتها مدرسة المعادي للبنات عام 2012.

وتقوم فلسفة هذه المدارس على تقديم تعليم مختلف، يعتمد على الفهم والبحث العلمي والمشروعات التطبيقية (Capstone Projects) وحل المشكلات، بدلًا من الحفظ والتلقين، بما يتيح للطلاب تنمية مهارات الابتكار والإبداع والبحث العلمي.

ويبلغ عدد مدارس STEM في مصر حاليًا 21 مدرسة موزعة على عدد من محافظات الجمهورية، ويزيد إجمالي عدد طلابها على خمسة آلاف طالب.
.
وقد تخرج منها نحو 1800 طالب عام 2025، بينما أدى نحو 1900 طالب امتحانات عام 2026.

وهؤلاء الطلاب ليسوا مجرد متفوقين دراسيًا، وإنما يمثلون، في جانب كبير منهم، نخبة من أصحاب الموهبة والإبداع، وهو ما أكدته إنجازات عدد من خريجي هذه المدارس.

ومن أبرز النماذج الطالبة ياسمين يحيى مصطفى، التي فازت بالمركز الأول عالميًا في معرض إنتل الدولي للعلوم والهندسة Intel ISEF عن مشروع يتعلق بالاستفادة من قش الأرز وإنتاج الطاقة. وقد شارك في المعرض نحو 1700 طالب من أكثر من 70 دولة، كما كُرمت ياسمين من وكالة ناسا بإطلاق اسم عائلتها «Mostafa» على أحد الكويكبات، ليصبح اسمه 31910 Mostafa.

كما حصل العشرات من خريجي مدارس STEM على منح دراسية في جامعات عالمية مرموقة مثل ستانفورد وغيرها ، وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: نحن ننفق على إعداد هؤلاء المبدعين، ثم لا ننجح في توفير المسار الجامعي الذي يحتضن تميزهم داخل وطنهم، فيجد بعضهم طريقه إلى الخارج، حيث تتوافر له فرص أفضل للتعلم والبحث والإبداع.

حيث يتكرر كل عام صراخ أولياء أمور طلاب STEM بسبب آلية التعامل مع أبنائهم في مرحلة التنسيق الجامعي، وفق ما يُعرف بـ«النسبة المرنة»، التي تحدد أعدادًا معينة من المقاعد المتاحة لهم في الكليات.والنتيجة أن عددًا من هؤلاء الطلاب قد لا يتمكن من الالتحاق بالكلية التي تتناسب مع تفوقه وقدراته وطبيعة الدراسة التي تلقاها طوال سنوات المرحلة الثانوية، فيضطر إلى البحث عن جامعة خاصة أو أهلية بمصروفات.

وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: طالب أنفقت الدولة على تعليمه مئات الآلاف من الجنيهات في نظام تعليمي قائم على البحث والمشروعات والابتكار، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى الالتحاق بتعليم جامعي تقليدي، أو البحث عن فرصة تعليمية خارج مصر.

وأتابع هذه المشكلة منذ سنوات، ومع ذلك لم يظهر حتى الآن حل حقيقي يحقق الاستفادة الكاملة من هذه الثروة البشرية التي نجح نظام STEM في اكتشافها.

فما الحل إذن؟
الحل، في رأيي، يمكن أن يبدأ من وزارة التعليم العالي، التي نجحت خلال السنوات القليلة الماضية في إنشاء عشرات الجامعات الأهلية الجديدة.

فلماذا لا يتم إنشاء جامعة مستقلة لخريجي مدارس STEM؟ جامعة ذات طبيعة مختلفة، تستقطب في تصميم برامجها الأكاديمية خبراء مصريين يعملون في جامعات عالمية، ممن يتمتعون بالكفاءة والسمعة الأكاديمية، وتقدم برامج تتناسب مع طبيعة التعليم الذي تلقاه طلاب STEM، ومع احتياجات المستقبل من تخصصات التكنولوجيا والهندسة والعلوم والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها؟ ويتم توزيع الطلاب على برامج الجامعة وفقًا لدرجاتهم وقدراتهم، مع توفير الدراسة مجانيًا بالكامل للطلاب المقبولين، واستقطاب نخبة من الأساتذة للتدريس فيها باستخدام أساليب تعليمية حديثة، بحيث تكون الجامعة امتدادًا طبيعيًا لفلسفة مدارس STEM، وليس انقطاعًا عنها.

بهذا النموذج يمكن أن نُنشئ منظومة متكاملة تبدأ باكتشاف الطالب الموهوب في المرحلة الإعدادية، ثم رعايته في مدارس STEM، ثم استكمال تأهيله العلمي والبحثي في جامعة متخصصة، وصولًا إلى تحويل موهبته إلى ابتكار يخدم المجتمع والاقتصاد الوطني.

وهناك حل آخر يمكن التفكير فيه، وهو تخصيص جامعة زويل التي أُنشئت في الأساس لرعاية المبدعين والمبتكرين، لتكون مسارًا جامعيًا لخريجي مدارس STEM، مع توزيع الطلاب على برامجها وفقًا لدرجاتهم وميولهم وقدراتهم.

القضية ليست مجرد مشكلة تنسيق جامعي، وليست مجرد شكوى متكررة من أولياء الأمور.
القضية أكبر من ذلك بكثير. نحن نتحدث عن استثمار الدولة في عقول مصرية شابة، وعن طلاب اختيروا من بين مئات الآلاف من الطلاب، وخضعوا لنظام تعليمي مختلف، وتعلموا البحث والتفكير وحل المشكلات والابتكار.فإذا لم نوفر لهم المسار الجامعي المناسب، فإننا نخاطر بفقدان جزء من العائد الحقيقي لهذا الاستثمار.

لقد نجحنا في اكتشاف الموهبة.ونجحنا في تعليمها.
ونجح بعض أصحابها في الوصول إلى منصات عالمية.
فلماذا لا ننجح في الاحتفاظ بهم؟ ربما آن الأوان لأن نعيد التفكير في منظومة STEM كاملة، بحيث لا تنتهي رحلة الطالب المتفوق عند باب التنسيق الجامعي، وإنما تبدأ هناك مرحلة جديدة من رحلة صناعة العالم والمبتكر المصري.

نحن لا نحتاج فقط إلى مدارس تُخرج المتفوقين… بل نحتاج إلى منظومة تحفظهم لمصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء