رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تكن دعوة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة إلى عقد منتدى وطني تستهدف استعراض الإنجازات فحسب، بل تستهدف أيضًا المناقشة، وتبادل الرؤى، والاستماع إلى الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات. وحسنًا فعلت إدارة المنتدى بتخصيص الجلسة الأولى من اليوم الأول لمناقشة قضايا التعليم، باعتباره أحد أهم الملفات المرتبطة بمستقبل الدولة المصرية وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. 

فلم يعد إصلاح التعليم في مصر قضية فنية تخص وزارة معينة ، ولا ملفًا إداريًا تُحسم تفاصيله داخل أروقة المؤسسات الحكومية ، بل أصبح قضية وطنية ترتبط بمستقبل المجتمع وقدرته على التنمية والمنافسة. ومن هنا، تأتي أهمية طرح قضايا التعليم على مائدة منتدى مصر، بوصفه فرصة للحوار المجتمعي الجاد حول أولويات الإصلاح، ومراجعة السياسات التعليمية، والاستماع إلى مختلف الرؤى والخبرات؛ وصولًا إلى حلول تحقق العدالة وتضمن جودة التعليم واستدامة تطويره.

وفي تقديري، هناك عدد من القضايا التعليمية التي تستحق أن تحظى بأولوية في مناقشات المنتدى، ليس لأنها تمثل مشكلات منفصلة فحسب، بل لأنها تكشف عن أسئلة جوهرية تتعلق بفلسفة التعليم، وعدالة الفرص، وكفاءة السياسات، ومدى ارتباط القرارات التعليمية باحتياجات المجتمع وتطلعاته.

أولًا: عدالة القبول بالجامعات وتكافؤ الفرص

تأتي قضية عدالة القبول بالجامعات في مقدمة القضايا التي تستحق نقاشًا مجتمعيًا واسعًا، خاصة فيما يتعلق بالطلاب المصريين الحاصلين على شهادات تعليمية من الخارج، ومقارنتهم بالطلاب الوافدين الحاصلين على الشهادات ذاتها أو ما يعادلها.

فمن غير المقبول أن يشعر الطالب المصري، الذي ينتمي إلى هذا الوطن ويطمح إلى الالتحاق بإحدى جامعاته، بأن فرصه في القبول أقل من فرص طالب آخر لمجرد اختلاف مسار التقديم أو نظام الشهادة، دون أن تكون هناك معايير واضحة ومعلنة تفسر هذا الاختلاف.

وتتطلب هذه القضية مراجعة ضوابط القبول، وتحقيق التوازن بين استيعاب الطلاب الوافدين، باعتبارهم مصدرًا مهمًا لدعم مكانة الجامعات المصرية ومواردها، وبين ضمان حقوق الطلاب المصريين وتكافؤ الفرص بينهم. فالهدف ليس المفاضلة بين الطلاب على أساس الجنسية، وإنما إرساء منظومة قبول عادلة وشفافة، تقوم على معايير أكاديمية واضحة، وتحقق التوازن بين البعد التعليمي والبعد الاقتصادي.

ثانيًا: مستقبل خريجي مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM)

تستحق قضية قبول خريجي مدارس STEM بالجامعات المصرية وقفة جادة، في ضوء طبيعة الدراسة بهذه المدارس، التي تقوم على التعلم القائم على المشروعات، والبحث والاستقصاء، والتكامل بين العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

فهؤلاء الطلاب يخضعون لنظام تعليمي يختلف في فلسفته وأساليب تقويمه عن النظام التقليدي، ومن ثم فإن التعامل مع نتائجهم عند القبول الجامعي ينبغي أن يراعي خصوصية تجربتهم التعليمية، دون الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص مع بقية الطلاب.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه المنتدى هو: هل تحقق قواعد القبول الحالية أفضل استثمار لقدرات هؤلاء الطلاب؟ وهل تتناسب مع طبيعة إعدادهم، خاصة في التخصصات العلمية والهندسية والطبية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم حوارًا يجمع خبراء التعليم قبل الجامعي والجامعي، ومسؤولي القبول والتنسيق، وممثلي مدارس STEM، للوصول إلى نظام يحقق العدالة ويستثمر قدرات المتفوقين بما يخدم التنمية الوطنية.

ثالثًا: المناهج الدراسية بين كثافة المحتوى واحتياجات المتعلم

من القضايا التي تستحق المراجعة أيضًا حجم المناهج الدراسية، ولا سيما في المرحلة الابتدائية، ومدى ملاءمتها للأعمار والقدرات العقلية والنفسية للأطفال.

فليس الهدف من التعليم أن تتكدس الكتب بالمعلومات، أو أن ينشغل المعلم بإنهاء المقرر على حساب الفهم، أو أن يتحول التلميذ إلى متلقٍ يحفظ ما يُطلب منه دون أن يمتلك الوقت الكافي للتفكير والمناقشة والتطبيق.

إن المناهج الجيدة ليست تلك التي تقدم أكبر قدر من المعلومات، وإنما التي تنتقي المعرفة الأساسية، وتبني المهارات، وتنمي التفكير والإبداع، وتراعي الفروق الفردية بين المتعلمين. ولذلك، فإن مراجعة المناهج ينبغي أن تستند إلى دراسات علمية تحدد ما يحتاج إليه التلميذ في كل مرحلة عمرية، وتوازن بين المعرفة والمهارات والقيم، وبين متطلبات التعلم وحق الطفل في النمو النفسي والاجتماعي المتوازن.

رابعًا: البكالوريا المصرية والحاجة إلى توافق مجتمعي

يمثل نظام البكالوريا المصرية أحد الملفات التي تحتاج إلى حوار مجتمعي مستمر، ليس بهدف تأييد النظام أو رفضه مسبقًا، وإنما لفهم فلسفته، وتقييم بدائله، وقياس مدى قدرته على معالجة المشكلات التي يعاني منها نظام الثانوية العامة. فأي نظام جديد للتعليم والتقييم ينبغي أن يكون

واضح الأهداف، محدد المسارات، مفهومًا للطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، وقابلًا للتطبيق في ضوء الإمكانات الفعلية للمدارس والجامعات.
كما أن نجاح أي تطوير في هذه المرحلة الحساسة يتطلب إعدادًا جيدًا للمعلمين، وتوفير الأدوات اللازمة للتطبيق، وإعلان قواعد القبول الجامعي بصورة واضحة، وتجنب التغييرات المتلاحقة التي قد تربك الأسر والطلاب.

ومن هنا، فإن الحوار حول البكالوريا المصرية يجب أن يتجاوز الجدل حول المسميات، إلى مناقشة جوهرية تتعلق بجودة التعلم، وعدالة التقييم، وتقليل الضغوط النفسية، ومدى توافق النظام مع احتياجات المجتمع وسوق العمل.

خامسًا: معايير القبول بالجامعات الخاصة والأهلية

مع التوسع في إنشاء الجامعات الخاصة والأهلية، تبرز الحاجة إلى مناقشة العلاقة بين إتاحة فرص التعليم الجامعي، وضمان جودة الخريجين، وتحقيق العدالة في القبول.

ومن المهم أن يقوم القبول بالتخصصات المختلفة على معايير أكاديمية واضحة، تراعي طبيعة كل تخصص ومتطلباته، وتضمن امتلاك الطالب الحد الأدنى من المعارف والمهارات اللازمة للنجاح فيه.

ولا يعني ذلك بالضرورة تجاهل اختلاف الإمكانات والقدرات الاستيعابية بين الجامعات، وإنما يستلزم وضع إطار واضح للحد الأدنى من متطلبات القبول، مع الالتزام بمعايير الجودة والاعتماد، وعدم السماح بأن تتحول القدرة المالية إلى بديل عن الكفاءة الأكاديمية.

فالجامعة، أيًا كانت ملكيتها، تتحمل مسؤولية علمية ومجتمعية، ويجب أن يكون خريجها مؤهلًا للممارسة المهنية، وقادرًا على المنافسة، وممتلكًا للمهارات التي يحتاج إليها سوق العمل.

سادسًا: أوضاع المعلمين والعاملين بالتعليم قبل الجامعي والجامعي

لا يمكن الحديث عن تطوير التعليم دون التوقف أمام أوضاع المعلمين وأعضاء هيئة التدريس والعاملين بالمؤسسات التعليمية، فالعنصر البشري هو أساس نجاح أي إصلاح، مهما بلغت جودة المناهج أو تطورت نظم التقييم.

ومن ثم، فإن تحسين الأوضاع المادية والمهنية للعاملين بالتعليم ينبغي أن يكون جزءًا أصيلًا من أي خطة تطوير، لا ملفًا منفصلًا عنها. فالاهتمام بالرواتب والحوافز، وتوفير بيئة عمل مناسبة، وتحقيق الاستقرار الوظيفي، وإتاحة فرص التنمية المهنية المستمرة، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة المؤسسات التعليمية على أداء رسالتها.

كما أن تطوير التعليم الجامعي يتطلب الاهتمام بأوضاع أعضاء هيئة التدريس، ودعم البحث العلمي، وتخفيف الأعباء التي تعوق التفرغ للتدريس والبحث، وتوفير الإمكانات اللازمة للجامعات حتى تستطيع المنافسة إقليميًا ودوليًا.

إن مطالبة المعلم أو عضو هيئة التدريس بأداء متميز يجب أن تقابلها سياسات جادة توفر له الدعم والتقدير والموارد اللازمة لتحقيق هذا الأداء.

سابعًا: تقييم الإصلاح التعليمي بالنتائج لا بالقرارات

لعل القضية الأهم التي ينبغي أن تحكم مناقشة جميع الملفات السابقة هي كيفية تقييم الإصلاح التعليمي نفسه.

فنجاح السياسات التعليمية لا يُقاس بعدد القرارات التي تصدر، أو المناهج التي تتغير، أو النظم التي يُعلن عن تطبيقها، وإنما بما تحققه هذه السياسات من نتائج ملموسة في مستوى تعلم الطلاب، وجودة التدريس، وعدالة الفرص، وكفاءة الخريجين.

ومن الضروري أن تتبنى الدولة منظومة واضحة لتقييم أثر الإصلاحات التعليمية، من خلال مؤشرات قابلة للقياس، ودراسات مستقلة، ومراجعات دورية تكشف عن جوانب النجاح والقصور، وتسمح بتصحيح المسار عند الحاجة.

كما ينبغي إتاحة مساحة حقيقية للاستماع إلى المعلمين والطلاب وأولياء الأمور والخبراء، فهم الأطراف الأكثر اتصالًا بالواقع التعليمي، والأقدر على رصد ما قد لا تكشفه التقارير الرسمية وحدها.

فالإصلاح الحقيقي ليس في التمسك بالقرار لمجرد صدوره، وإنما في القدرة على مراجعته وتطويره في ضوء الأدلة والنتائج.

إن القضايا السابقة ليست سوى نماذج من الملفات التي تستحق أن تكون على مائدة منتدى مصر، فالتعليم منظومة مترابطة لا يمكن إصلاح أحد جوانبها بمعزل عن بقية الجوانب. وعدالة القبول ترتبط بجودة التعليم، وجودة المناهج ترتبط بكفاءة المعلم، وكفاءة الخريج ترتبط بمدى قدرة الجامعات على إعداد الطلاب للحياة والعمل، وكل ذلك يرتبط بوضوح الرؤية واستقرار السياسات وفاعلية التنفيذ.

ومن هنا، فإن المطلوب من الحوار المجتمعي ليس مجرد استعراض المشكلات، ولا الاكتفاء بتبادل وجهات النظر، بل الانتقال إلى تحديد الأولويات، وصياغة توصيات قابلة للتنفيذ، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات واضحة لمتابعة النتائج وتقييمها.

فالتعليم ليس مجرد خدمة تقدمها الدولة لمواطنيها، ولا مجموعة من القرارات والمناهج والامتحانات، بل هو مشروع وطن تُصاغ من خلاله ملامح المستقبل، وتتحدد به فرص الأجيال القادمة في الحياة والعمل والإبداع. ومن هنا، فإن نجاح منتدى مصر لا يُقاس بما يشهده من مناقشات، وإنما بما يتركه من أثر في واقع التعليم، وما يقدمه من حلول تنقل الإصلاح من دائرة القرارات إلى ميدان التنفيذ.

إن مصر التي تطمح إلى المنافسة عالميًا، لا يكفيها أن تطور نظم تعليمها، بل تحتاج إلى تعليم عادل يكافئ الاجتهاد، ومعلم يحظى بالتقدير، وجامعة تصنع المعرفة، وسياسات تحظى بثقة المجتمع. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تخرج بها مناقشات التعليم في منتدى مصر: أن يكون الإصلاح مشروعًا وطنيًا يشارك المجتمع في صياغته، ويحاسب الجميع على نتائجه؛ لأن مستقبل مصر لا يُكتب فقط بما ننجزه اليوم، بل بما نُعِدّ به أبناءها للغد

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء