أُثير الكثير من الجدل والنقاش في «منتدى مصر 2026» حول التحاق الطلاب الوافدين بالجامعات المصرية، ومدى تأثيرهم على المقاعد المخصصة للطلاب المصريين بالجامعات الحكومية، وتصدى رئيس مجلس الوزراء شخصيًا للرد على ذلك، مبررًا الأمر بارتباطه بارتفاع تصنيف الجامعات المصرية عالميًا، وعدم تأثيره على المقاعد المخصصة للطلاب المصريين.
وفي رأيي، فإن ملف الطلاب الوافدين في الجامعات المصرية ليس مجرد قضية تعليمية أو ثقافية، وإنما أصبح أحد الملفات الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بقوة مصر الناعمة ومصادر النقد الأجنبي. فالطالب الوافد الذي يأتي إلى مصر للدراسة لا يدفع فقط رسومًا جامعية، وإنما يعيش لسنوات داخل المجتمع المصري، وينفق على السكن والطعام والمواصلات والاتصالات والكتب والخدمات، ثم يعود إلى بلده وهو يحمل تجربة تعليمية وثقافية وحياتية تشكل صورته عن مصر لعقود قادمة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الطالب الوافد باعتباره طالبًا وسفيرًا ومستهلكًا ومصدرًا للنقد الأجنبي في الوقت نفسه.
ولقد شهدت أعداد الطلاب الوافدين إلى مصر نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. ففي أبريل 2025، أعلن وزير التعليم العالي أن عدد الطلاب الوافدين الدارسين في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية بلغ نحو 125 ألف طالب من 119 دولة. وفي «منتدى مصر 2026»، صرّح بأن العدد تجاوز 138 ألف طالب، وأن هناك خطة طموحة خلال السنوات الخمس القادمة للوصول إلى 300 ألف طالب وافد.
وتكشف هذه الأرقام أن مصر تمتلك بالفعل سوقًا دولية للتعليم العالي، في ظل وجود أكثر من 129 جامعة حكومية وخاصة وأهلية، يمكن أن تتحول إلى صناعة متكاملة إذا أُحسن التخطيط لها وتسويقها وإدارتها.
واللافت أن القطاع الطبي يأتي في مقدمة التخصصات الأكثر جذبًا للطلاب الوافدين، يليه القطاع الهندسي، وهو ما يفتح المجال أمام الجامعات المصرية للتوسع في البرامج الدولية ذات الطلب المرتفع في تلك التخصصات.
تكمن أهمية تصدير التعليم وتدويله في أن التفكير، عند الحديث عن الصادرات المصرية، غالبًا ما يتجه إلى المنتجات الزراعية والصناعية والسياحة، لكن هناك نوعًا آخر من الصادرات لا يحتاج إلى موانئ أو سفن، وهو تصدير الخدمات التعليمية.
فالطالب الوافد يأتي بأمواله إلى مصر بدلًا من أن يسافر المصري إلى الخارج لإنفاق أمواله هناك، وهنا تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية.
وفي عام 2024، أشارت «الأهرام ويكلي»، نقلًا عن مصدر بوزارة التعليم العالي، إلى أن الطلاب الأجانب دفعوا نحو مليار دولار في المصروفات التعليمية خلال الفترة من 2022 إلى 2024.
وهذا الرقم لا يمثل بالضرورة إجمالي ما ينفقه الطالب الوافد في مصر؛ لأنه يتعلق بالمصروفات التعليمية، بينما توجد نفقات أخرى مرتبطة بالإقامة والمعيشة والخدمات.
وبالتالي، فإن صناعة التعليم الدولي يمكن أن تحقق لمصر إيرادات مباشرة للجامعات، وعوائد غير مباشرة للاقتصاد والمجتمع.
كيف نضاعف أعداد الطلاب الوافدين ونحقق المستهدف؟
في رأيي، هناك الكثير من الإجراءات التي ينبغي على الدولة المصرية ووزارة التعليم العالي النظر فيها لتحقيق هذه الخطة الطموحة، ومنها:
أولًا: التسويق العالمي للجامعات المصرية
ينبغي الانتقال من انتظار الطالب إلى البحث عنه في الأسواق المستهدفة. فمصر لديها أسواق طبيعية في إفريقيا والدول العربية، إضافة إلى أسواق في آسيا وآسيا الوسطى.
ويجب إطلاق حملات تسويقية احترافية بلغات متعددة، تعرض البرامج والتخصصات والتكاليف وفرص التدريب والحياة في مصر، مع الاستفادة من خريجي الجامعات المصرية في الخارج كسفراء للتعليم المصري.
ثانيًا: إنشاء مكاتب تسويق دولية حقيقية
يمكن أن تتحول المكاتب الثقافية والمراكز التعليمية في الدول المستهدفة من مجرد جهات تؤدي وظائف إدارية إلى أدوات فعالة للتسويق.
فالمطلوب هو أن يعرف الطالب في نيجيريا أو كينيا أو السودان أو السعودية أو العراق أو ماليزيا الجامعة المصرية التي تناسبه، والبرنامج الذي يمكنه الالتحاق به، وتكلفته، وكيفية التقدم إلكترونيًا للدراسة بها.
ثالثًا: تقليل البيروقراطية
لدى الطالب الدولي بدائل كثيرة، وإذا استغرقت إجراءات القبول والموافقات الأمنية والتأشيرة والإقامة وقتًا طويلًا، فمن السهل أن ينتقل إلى دولة أخرى.
ومن ثم، فإن توحيد الإجراءات وتسريع الموافقات والتحول الرقمي الكامل يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من استراتيجية جذب الطلاب الوافدين.
وهذا بالفعل أحد المحاور التي تعمل عليها الوزارة حاليًا من خلال منصة «ادرس في مصر»، لكنها لا تزال تحتاج إلى المزيد من التطوير لتسهيل إجراءات القبول، ودفع الرسوم إلكترونيًا، وتحقيق رغبات الطلاب في الالتحاق بالبرامج التي يرغبون فيها، بالجامعات التي يختارونها.
رابعًا: التوسع في البرامج الدولية باللغة الإنجليزية
لا يكفي أن نقول إن لدينا جامعات عريقة، فالعالم يبحث عن برنامج أكاديمي محدد. لذلك، يجب التوسع في برامج الطب والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والعلوم الصحية والطاقة الجديدة والاقتصاد وإدارة الأعمال، مع تقديم برامج دولية باللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات التي تستهدفها مصر.
خامسًا: تحويل المدن الجامعية إلى منتج سياحي وتعليمي
فالطالب الوافد لا يشتري مقعدًا دراسيًا فقط، بل يشتري تجربة متكاملة. ولذلك، يمكن للجامعات تقديم حزمة تشمل الدراسة والإقامة والتأمين والخدمات الرياضية والثقافية والرحلات والأنشطة والتدريب.
وبذلك يصبح الطالب الوافد مصدر دخل ليس للجامعة فقط، وإنما لقطاعات النقل والسياحة والإسكان والمطاعم والاتصالات والخدمات المختلفة، وهو ما قامت به جامعات محدودة، مثل جامعة أسيوط، التي خصصت دار إقامة للطلاب الوافدين.
أين تذهب عوائد الطلاب الوافدين؟
في الختام، فإن تحقيق تدويل التعليم واعتباره مصدرًا مهمًا للدخل القومي يقودنا إلى سؤال مهم: أين تذهب عوائد الطلاب الوافدين؟
أعتقد أن النظام المتبع حاليًا، والذي أثار استياءً داخل المجتمع الجامعي بسبب ما أُثير بشأن حصول عدد محدود من قيادات الجامعات على مكافآت مليونية من مصروفات الطلاب الوافدين، وعدم استغلال تلك الموارد الاستغلال الأمثل لمصلحة الدولة والجامعات ومنتسبيها، يستدعي إعادة النظر في آليات إدارة هذه العوائد وتوزيعها.
والمطلوب هو إنشاء آلية واضحة تربط جزءًا من العائد المتحقق من الطلاب الوافدين بالدخل القومي للدولة أولًا، ثم بتطوير المؤسسة التعليمية التي استقطبتهم.
ولذا، أقترح أن تقوم وزارة المالية بتخصيص حساب موحد تُودع فيه جميع مصروفات الطلاب الوافدين، وأن تحصل الدولة على نسبة لا تقل عن 80% من تلك المصروفات لدعم الموازنة العامة، على أن تقوم وزارة المالية بتحويل نسبة الـ20% المتبقية بالجنيه المصري إلى حساب كل جامعة، وفقًا لأعداد الطلاب الوافدين بها.
وتُستخدم هذه الموارد في تطوير المعامل والمدرجات والبنية التكنولوجية، وتحديث المستشفيات الجامعية، وتمويل البحث العلمي والمشروعات التطبيقية، ومنح حوافز لأعضاء هيئة التدريس والكليات والبرامج التي تنجح في جذب الطلاب الوافدين إليها.
إن الطالب الوافد ليس مجرد رقم في إحصائية وزارة التعليم العالي، وليس مجرد مقعد إضافي في مدرج جامعي. إنه قوة ناعمة مصرية متحركة، وسفير غير رسمي لمصر، ومصدر للنقد الأجنبي، ومستهلك للخدمات، وشريك محتمل في العلاقات الاقتصادية والثقافية المستقبلية.
وإذا نجحت مصر في الوصول إلى 300 ألف طالب وافد، مع الحفاظ على جودة التعليم وتحسين الخدمات، فإن العائد لن يكون مجرد زيادة في إيرادات الجامعات، وإنما يمكن أن يصبح أحد روافد اقتصاد المعرفة وتصدير الخدمات وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
والأهم أن جزءًا من هذه العوائد يجب أن يعود مرة أخرى إلى الجامعات في صورة معامل أفضل، وبحث علمي أقوى، وبرامج دولية أكثر تنافسية، وخدمات جامعية أفضل.
فالجامعة التي تجذب الطالب الوافد تحصل على المال اليوم، لكنها إذا أحسنت استثمار هذا المال، تستطيع أن تجذب آلاف الطلاب غدًا.
وهكذا يصبح الطالب الوافد بحق:
«قوة مصر الناعمة.. واستثمارها في المستقبل.. وأحد منتجاتها القابلة للتصدير».